الشارخ يجنح إلى المفارقة والمفاجأة في «أسرار وقصص أخرى»

صدر حديثا للكاتب محمد الشارخ المجموعة القصصية "أسرار وقصص أخرى" عن دار البدوي للنشر والتوزيع بتونس، ويقع الإصدار في 164 صفحة، وينهل من موضوعات إنسانية يعانيها المواطن العربي في الكويت أو خارجها، إذ يحرص السارد على انتقاء شخوصه بعناية فائقة موظفا الدلالات بطريقة تفتح التأويل أمام القارئ، فتارة ينظر إلى بساطة السرد وسلاسته ومحاكاته إلى قضايا ومآزق يعيشها الإنسان العادي، وتارة أخرى يلج القارئ إلى عالم الترميز بكل تفاصيله وتعقيداته. فيفسر دلالات الأم فيراها الوطن ويراها الأرض... إلخ، كما يجيد الشارخ تغليف حكاياته بالمفارقات المفاجئة، كاللعب على الموت والحياة في حكاية المخاض.

وفي حين يدأب الشارخ في تقديم أعمال مغايرة، يحرص على تقديم حكايات تتقاطع مع الواقع، متضمنة بعض الومضات النقدية لأوضاع اجتماعية أو سياسية مدعمة بعنصر المفاجأة في نهايات القصص، إذ يتجنب النهايات التقليدية باحثاً عن إشراك القارئ في صياغة النهاية، من خلال حدث يستدرج القارئ إلى أكثر من احتمال للنهاية.

ويدشن الشارخ إصداره بقصة بعنوان "المخاض" الذي يسرد فيها تفاصيل دقيقة لحكاية رجل يرافق امرأته اللحظات الحرجة التي تعانيها قبل اشتداد المخاض في المستشفى، فيلج معها غرفة الولادة منتظرا الحدث السعيد، وقدوم ابنه، وفي خضم هذه الأوضاع تشهد الأحداث تسلسلا مشوقا في غرفة الولادة في أحد المستشفيات في الولايات المتحدة، فتتداعى الذكريات ويستعيد خالد الظروف المصاحبة لحمل زوجته سلوى وحوادث أخرى في مقدمتها تدهور الحالة الصحية لوالده، إثر جلطة دموية تسببت له بمضاعفات في القلب، فأصبح يعاني شللاً في الجانب الأيسر، وعدم القدرة على النطق، وحينها أراد خالد أن يخفف وطأة الألم على والده فأخبره أن زوجته سلوى حامل، لكن النتيجة كانت خلافاً لتوقعات الابن، إذ انفجر الوالد بصوت عال وكلام غير مفهوم ونظرات غاضبة، فذهب الابن إلى الطبيب مستفسرا عن سبب انزعاج والده فرد الطبيب بأنه يقول لك ماذا تنتظر، فهو يخشى أن يموت قبل أن يرى ابنك.

أنجبت سلمى وليداً وهمهمت "يا ربي تطوِّل عمر عمي حتى يرى وليد، وعقب أن تفقد خالد وليده الصغير وأمه، اتصل ببيت العائلة في الكويت محادثاً والدته: يمه وصل... فغرقت والدته في البكاء، فرد خالد: يمه لماذا تبكين؟ وليد وصل... وهو وسلمى بخير... خلاص لا تبكين، يكفي بكاء، أعطيني والدي... أين أبي".

وفي قصة "الإرهابي" يطرح الشارخ تساؤلات متنوعة عن حادثة التفجير في 11 سبتمبر بنيويورك، مفتتحا حكايته بجملة تتصاعد نيرانا كثيفة وطائرة تقتحم مبنى آخر أعلاه. لم يصدق ما يرى، البرج الثاني تلتهمه النيران، وسي إن إن تذيع على الهواء مباشرة ما يجري... لا يصدق عينيه. أو كانوا يعلمون مسبقاً بالحادث؟! وقف صامتاً مذهولاً وصوت المذيع يلعلع بأن هجوماً إرهابياً على برج التجارة. من خلال ذلك يقدم الشارخ تساؤلات مشروعة حول هذا الحادث الضخم وتداعياته الكبيرة فيما بعد.

ويواصل السارد تساؤلاته: من هم الإرهابيون غيره هو وزمرته؟! كيف عرفوا بعد لحظات من الحادث والطائرة ما زالت تقتحم البرج؟!

ويشار إلى المجموعة القصصية السابقة للكاتب محمد الشارخ بعنوان "الساحة"، وتضمنت 12 قصة، وصدرت عن دار العين للنشر في القاهرة.

حقوق الإنسان

محمد الشارخ كاتب كويتي نشرت مجلة غاليري 68 أول قصة له بعنوان "قيس وليلى"، إذ كان وقتها يدرس الماجستير في الاقتصاد بالولايات المتحدة الأميركية بعد تخرجه في القاهرة عقب حصوله على بكالوريوس في الاقتصاد.

عمل بعد ذلك عضواً في مجلس إدارة البنك الدولي بواشنطن، ثم أسس بنك الكويت الصناعي، وترأس مجلس إدارته، وفي عام 1982 بدأ مشروع صخر للبرمجيات العربية، وصدرت له 10 قصص مجموعة قصصية 2008 الطبعة الأولى في القاهرة والطبعة الثانية في المغرب. العائلة رواية صدرت منها طبعتان في مصر والمغرب. وهو من المبادرين لتأسيس منظمات حقوق الإنسان العربية، ومؤسس مشروع كتاب في جريدة مع اليونسكو.

ويضم الإصدار الـ13 قصة جاءت كالتالي: المخاض، فنان، الوديعة، الإرهابي، في الإجازة، المغترب، أسرار، في الإسطبل، رسالة هنوف، التحقيق، أصدقاء أعداء، قيس وليلى، الخائن.

الفانلة الصفراء وقوانين الفيفا

من أجواء النص الأخير: "أنا ونصري ولدنا في نفس العام ومعنا كراهية نادي الشباب والرشيدية بكل ما فيها. والدنا أورثنا هذا الكره. أحقاد متبادلة منذ أكثر من نصف قرن في الكوت قريتنا التي تجلس على سفح جبل شديد الانحدار تطل على بحر تتلألأ أمواجه صباحاً ومساء، وتتعانق على السفوح أشجار التين، نتمنى شيئاً واحدا هو الا يفوز نادي الشباب في مباراة، لديهم المال والقدرة على شراء لاعبين وبيع عقودهم فيما بعد لأندية عالمية بمكاسب كبيرة دائماً ضمن قوانين الفيفا التي ليس لها جمعية عمومية تناقش مصروفاتها ومداخليها.

نشاهد فريق نادي الشباب، نشاهد لعبهم المثير ونبحث دون جدوى عن أغلاط في لعبهم وخططهم. والدي دربني على اللعب وليس المدرب ابوزيد الذي ترك نادينا قبل سنتين والتحق بنادي الشباب في الرشيدية، نحن أبناء الأصفر أبناء الكوت والفانلة الصفراء أبناء نادي الاستقلال الأصفر هويتنا ونادي الاستقلال هو الوطن. السلطة تحتضن الكرة لتمتص تقلصات المجتمع حين أصبحنا بلا حروب وبلا بهجة انتصار. ابي يذهب الى النادي كل يوم وانا طفل معه، وأغلب الأحاديث مع أصحابه عن الكرة لا يترك مباراة للدوري الإنكليزي أو الإسباني دون ان يشاهدها، تواريخ اللاعبين المحليين والدوليين، فنونهم، أحسن أهدافهم، أفظع أخطائهم كلها يعرفها. يعرفها جيداً معرفة العابد لربه. حين بلغنا عامنا السادس عشر انا ونصري قررنا ان نتخصص كمحترفين، نصري يلعب حارس مرمى وانا دفاع مثل والدي. رقم خمسة قلب الدفاع والدي يلقبونه بجيفارا مذ كان يلهب الملاعب، وكانت لهم أحلام في ذاك الزمان كانوا يعتقدون ان جيفارا لا يهزم وقادر دائما على النصر يرون ذلك حتميا ايمان أسطوري كإيمان المؤمنين الصادقين، وانا أدافع عن مرمى نصري واهل الكوت كلهم، في المدرسة، وفي الحدائق وفي النادي يرونا دائماً معاً... مثبل اخوين يسحبوننا غصباً في أواخر المساء عن الكرة التي لا تريد أن تتركنا لنعود الى بيوتنا".