أم كلثوم... السيرة والأغاني - السيرة الشخصية (الحلقة الثالثة) بدايات الإنشاد والانتقال الى القاهرة كانت تسير كل يوم خمسة كيلومترات للوصول إلى المدرسة

  • 15-08-2010 | 00:00

... ولم يكن الانتقال من لهو الأطفال إلى احتشام النساء، العلامة الفارقة الوحيدة عند ذلك المنعطف الهام في حياتها، ولكنها بدأت تتطلع إلى الكتب والكراسات (الدفاتر) في حقائب القماش يحملها صبيان القرية، فتجرأت على إعلان رغبتها بتعلم القراءة والكتابة. ولم تكن تلك رغبتها وحدها، بل رغبة أمها، التي لم تكف عن التدخل بشكل حاسم، كلما كانت حياة ابنتها الصغيرة تمر بمنعطف يقتضي منها تدخلا حاسما. ذلك أنه عندما أبدت أم كلثوم رغبتها تلك، لم يكن الإقبال على العلم منتشرا بكثرة في المدن، وحتى للصبيان، فما بالك بطلب العلم للبنات، وفي القرى الصغيرة ؟

ولعل تلك التقاليد الريفية هي التي دفعت الشيخ إبراهيم إلى مواجهة رغبة ابنته (وزوجته) بالرفض، متعللا في ظاهر الأمر بالعبء المادي لدراستها في الكتّاب، وهو مبلغ رأى الشيخ إبراهيم أنه يثقل كاهله، وأن البيت أولى به، خاصة وأن نفقة الكتّاب أربعة قروش في الشهر، بينما دخله الشهري في ذلك الزمن لا يتجاوز العشرين قرشا.

الكُتَّاب والمدرسة

ولكن شيئا ما كان يدفع الوالدة إلى الإصرار على تعليم البنت، لعلها ملاحظة أحد الأولياء الصالحين عندما رأى أم كلثوم فقال: “هذه البنت لديها شئ من أسرار السماء، وسوف تكون شيئا عظيما” أو لعله إحساس الأم الداخلي بتفوق ما يميز طفلتها، ويؤهلها للخروج من دائرة الأمية التي كانت تشمل معظم بنات القرية في سن أم كلثوم، أو لعلها نظرة استشراف للمستقبل بحدس الأم، أو عملية تضامن نسوي مضمر، في مواجهة تحيز الأب لابنه الصبي، أو لعل الأمر كان مزيجا من كل هذه الأمور والمشاعر.

لم يكن تردد أم كلثوم على كتّاب القرية مجرد تحول هام في حياتها لتعلم القراءة والكتابة، ولكنه كان أكثر من ذلك بداية خروجها إلى الحياة العامة في بيئتها الأولى، قرية طماي الزهايرة، وتعرفها المباشر بهذه البيئة، واندماجها فيها، وهذا ما يصفه مقطع جميل من كتاب نعمات أحمد فؤاد، أنقله هنا بالحرف:

“صحب خالد أخته إلى الكتّاب، وكان طريقها إلى يشيع فيه النغم، فالعصافير فوق غصون الشجر تشقشق فتملأ الجو بزياطها (ضجيجها) وأصواتها، وأمواه النيل تنساب في الغدران التي تمر بها انسيابا نغميا، فيه عذوبة وفيه جمال… وحفيف الشجر من معابثة النسيم، ورفيف النبت في المزارع الخضر، وزفيف الريح في الفضاء الفسيح، وأنين الساقية في المروج القريبة، وثغاء الأنغام يختلط بغناء الراعي من بعيد، وزامر القرية يجوب طرقاتها في صحبة الناي يبكيه بأنامله فيشجي، ويبعث الحنين.

وتسمع الطفلة، التي هيأتها الطبيعة للفن، هذا كلّه في رواحها وغدوها، فتطرب وتبغم بغام الظباء، من فرط ما تحس به في أعماقها من نشوة. حتى إذا بلغت بيت العمدة، سمعت صوتا أوضح في رنينه من سائر الأصوات التي مرت بها في طريقها… كان في بيت العمدة “فونوغراف” قديم، تدور عليه أسطوانات مكسورة، فتقف الطفلة مليا لترشف النغم. ومن فونوغراف العمدة، هزها صوت الشيخ أبو العلا وهو يغني: أفديه إن حفظ الهوى أو ضيعا، وحقك أنت المنى والطلب، وغيري على السلوان قادر”.

ومن ذكريات الكتّاب في القرية، حادثة ظلت أم كلثوم تذكرها وترويها، عن يوم ممطر مكفهر لدى عودتها المتأخرة من الكتّاب، برفقة خالد شقيقها، وصابر ابن زوج شقيقتها، فقد غاصت أقدام الأطفال الثلاثة في وحل الطريق، وأخذت أم كلثوم تبكي. ولما مرت بهم عربة، تعلق بها خالد وصابر، وتركا أم كلثوم تستغيث دون جدوى، إلى أن مر بها أحد أبناء القرية، فحملها معه على دابته. ولما دخلت المنزل وجدت والدها يهم بالخروج بحثا عنها، بعد أن عاقب خالدا وصابرا بما يستحقانه. وتقول أم كلثوم، أنها بعد تلك الحادثة، استمرأت الذهاب إلى الكتّاب ركوبا. ولما لم يكن تحت تصرفها وسيلة للركوب، دفعتها فطنتها المبكرة إلى استخدام لعبة “كرسي السلطان” مع خالد وصابر بالتناوب. وهي لعبة تقضي بأن يشبك طفلان أيديهما، فيشكلان ما يشبه المقعد، الذي يحتله الطفل الثالث. وكانت فطنة أم كلثوم تدفعها إلى التحايل على خالد وصابر، واجتياز القسم الأكبر من الطريق، وهي جالسة على “كرسي السلطان”.

لم تبق حياة الطفلة أم كلثوم أسيرة هذه الرتابة والبساطة، بل أصبحت حاجة والدها ملحة إلى من يساعده في سهرات الإنشاد إلى جانب خالد، بطئ الحفظ، إضافة إلى حاجة أم كلثوم لتحصيل النقود لتدفع منها أجرة الكتّاب، وتريح والدها من هذا العبء المادي.

كانت “السنبلاوين” أول محطة فنية للطفلة أم كلثوم خارج قريتها. ولكن يبدو أن طول المسافة بين السنبلاوين وطماي الزهايرة (سيرا على الاقدام) أتعب الطفلة التي أصرت على أن تحمل معها قطتها، فتناوب أفراد الفرقة على حملها طول الطريق.

ولكن تلك الحفلة انتهت دون أن تنال أجرا عليها، فالسهرة كانت في بيت مأذون القرية، الذي كان مجرد الغناء في منزله يعد شرفا لها ولأسرتها. ولكنها خرجت من الحفلة، بدل الأجر، باعتراف جميع من استمع إليها بجمال صوتها.

أول أجر

أما أول أجر تقاضته في حياتها في مقابل الغناء، فكان في حفلتها الثانية خارج قريتها، في منزل الخفير النظامي في “عزبة الحوال” القريبة من قريتها. غنت في تلك الليلة حتى الصباح، ونالت أجرها روبية هندية من الفضة. ويبدو أن تلك العملة الهندية، التي ظلت متداولة في دول الخليج العربي حتى الخمسينيات، كانت متداولة في مصر زمن الحرب العالمية الأولى، وكانت يومها تساوي من العملة المصرية ستة قروش ونصف القرش. ومع أن هذا المبلغ لم يكن أجرها وحدها، بل أجر الفرقة كلها، فإن أم كلثوم ظلت تذكر هذا المبلغ الأول الذي تقاضته في مقابل غنائها، حتى بعد أن أصبحت تتقاضى عشرات الألوف.

حملت أم كلثوم الروبية الفضية وأطبقت عليها راحة يدها طوال الطريق، ولم وتفك قبضتها عنها إلا عندما وصلت إلى البيت، فأعطتها لوالدتها.

الحفلة الفنية الثالثة خارج طماي الزهايرة، كانت في بيت الحاج يوسف، تاجر الغلال بالسنبلاوين، الذي دعا للغناء ابنة الشيخ إبراهيم «التي يتحدثون عنها». أي أن تلك الحفلة الثالثة كانت أول خطوة على طريق «الشهرة» بالنسبة لأم كلثوم خارج قريتها، وأول ثمرة من ثمار هذه «الشهرة».

في تلك الحفلة أنشدت أم كلثوم

حسبي الله من جميع الأعادي

وعليه توكـــلي واعتمادي

وظلت تغني الليل كله، مما ملأ نفس الحاج بالسرور، فنفح أم كلثوم وفرقتها خمسة وعشرين قرشا. فكان ذلك أول أجر «مرتفع» تتقاضاه. الأمر الذي أدى إلى تنظيم الحفلة الثالثة، التي ستكون في حياة أم كلثوم أول حفلة احترافية بمعنى الكلمة، أي حفلة عامة يدخلها المستمعون مقابل دفع أجر .

فكرة هذه الحفلة كانت للمدعو حسن أفندي حلمي، صاحب كشك سجاير بمحطة «أبو الشقوق». ويبدو أن حسن أفندي كان حاضرا ليلة الحاج يوسف، أو أنه سمع بها، وبأجواء الطرب التي أشاعتها أم كلثوم، فخطرت له فكرة أحياء حفلة عامة، تغني فيها أم كلثوم، ويدخل إليها من يشاء، في مقابل دفع أجرة دخوله.

ولم يكن الدخول للعموم هو الصفة الوحيدة الجديدة التي ميزت تلك الحفلة، بل كانت أول حفلة تنتقل إليها أم كلثوم وفرقتها بركوب القطار.

غير أن كل هذه الصفات الاحترافية لتلك الحفلة لم تكن لتشغل بال الطفلة أم كلثوم، التي تستقل القطار لأول مرة في حياتها، فراحت تطل برأسها وتتدلى بجسدها من الشباك، وهي مسحورة بالمشاهد الطبيعية التي يخترقها القطار في سيره، حتى كان أبوها مضطرا لشدها من جلابيتها، خوفا عليها من السقوط.

كانت الرحلة من محطة السنبلاوين (أقرب المحطات إلى طماي الزهايرة) إلى محطة أبو الشقوق، موقع الحفلة الجديدة.

ولم تكتف أم كلثوم الطفلة طوال تلك الرحلة الأولى بالقطار، بمد رأسها والتدلي من الشباك، بل راحت بأعلى صوتها تعد الأشجار وأعمدة التلغراف، وتصف المشاهد المتعاقبة وتدعو من حولها لمشاهدتها. فلما وصل القطار المحطة المطلوبة، كانت « السعادة الطفولية» قد استبدت بأم كلثوم إلى درجة رفضت معها النزول، وعبّرت عن رغبتها بمواصلة الرحلة، وصرف النظر عن الغناء في الحفلة. غير أن الشيخ إبراهيم أقنعها بالنزول، بعد وعد بركوب القطار مرة أخرى .

الاحتراف

كانت الحفلة تمت إلى عالم احتراف الغناء بمعنى الكلمة،أولا لأن الدخول كان بأجر مرتفع بالنسبة لتلك الأيام، خاصة في عمق الريف،وثانيا لأن البطاقات كانت مقسمة (كما في أي حفلة لمغن محترف) إلى درجة أولى بخمسة قروش، ودرجة ثانية بثلاثة، أما الجمهور المتحلق خارج «الخيمة» دون أن يكون قادرا على دفع ثمن البطاقة، فقد سمح له «المتعهد»، بالاستماع المجاني، ولكن وقوفا خارج الخيمة.

وقد بلغت تلك الحفلة من النجاح الفني والمادي، أن المتعهد حسن أفندي حلمي جمع من ثمن البطاقات مبلغا هائلا في تلك الأيام بلغ ثمانين جنيها. وبما أن تلك الحفلة لم تكن مقامة على أساس اتفاق مسبق على أجر محدد، فقد ترك الأمر لأريحية حسن أفندي، الذي رأى أن يكون كريما، فنفح الشيخ إبراهيم جنيها ونصف الجنيه، على أساس أن هذا المبلغ يساوي ستة أضعاف ما تقاضوه من الحفلة السابقة للحاج يوسف.

هذه الحفلة دخلت تاريخ أم كلثوم الفني على أنها أول حفلة احترافية بمعنى الكلمة، بمعنى أن كل الحفلات التالية، أصبحت تتم لقاء اتفاق مسبق على أجر محدد، بل إن الاتفاق على الحفلة التالية شمل، إضافة إلى الأجر المحدد (جنيه ونصف) التزام المتعهد (وهو عبد المطلب أفندي، الموظف بدائرة الشناوي باشا) بدفع نفقات الانتقال، إضافة إلى أجر الحفلة.

هذا النمط من الحفلات، لم يشكل فقط بداية الارتفاع في أجر حفلات أم كلثوم المطربة الطفلة، بل بداية الانتشار الفني الحقيقي، ولكن في المناطق الريفية، المحيطة بطماي الزهايرة، بل أن الانتشار بدأ يتسع من مديرية لأخرى، فاتنقلت من مديرية الدقهلية، إلى مديرية الشرقية.

لقد أدى تكرار هذه الحفلات الأولى المأجورة الناجحة، إلى إحساس الشيخ إبراهيم بشئ من اليسر، وتراكم النقود بين يديه، ففكر تقليدا لميسوري الحال، أن يرسل أولاده إلى «البندر» لالتقاط صور فوتوغرافية لهم. والبندر كان يعني للشيخ إبراهيم وعائلته مدينة «الزقازيق»، أما القاهرة (مصر أم الدنيا) فلم تكن في ذلك الوقت المبكر تخطر حتى في خياله أو خيال ابنته الموهوبة. وكانت تلك أول صورة فوتوغرافية في حياة «الفنانة أم كلثوم».

في هذه الأثناء، حصل تطور هام آخر في حياة أم كلثوم الدراسية، إذ مات الشيخ حسن شلاطة، معلم الكتّاب، الذي كانت تكن له كرها شديدا لقسوته، ولأنه كان يفرض على تلاميذه، بمن فيهم أم كلثوم طبعا، القيام بأعمال منزلية، في خدمته وخدمة زوجته. غير أن موت الشيخ حسن، جعل الشيخ إبراهيم البلتاجي ينقل ابنته أم كلثوم من الكتّاب إلى مدرسة السنبلاوين، فأصبحت مضطرة لأن تسير على قدميها يوميا خمسة كيلومترات ونصف ذهابا وإيابا، بين البيت والمدرسة.

غير أن عناء الوصول إلى المدرسة البعيدة، عوضته شخصية المدرس الجديد، الشيخ إبراهيم جمعة، الذي أحب الطفلة أم كلثوم، فحبب إليها الدراسة.

وهكذا، انخرطت أم كلثوم في حياتها الجديدة، تدرس في كتّاب السنبلاوين، وتغني لجيران الكتاب أحيانا، فينقدونها مليمات أو قروشا قليلة، تفرح بها، وتواصل حفلات الغناء مع والدها وشقيقها.

والحقيقة هي أن النشأة الريفية لأم كلثوم، التي طالت حتى تجاوزت العشرين من عمرها (لم تستقر في القاهرة إلا في العام 1923)، هي المدرسة الحقيقية، التي ولدت فيها واكتملت ونضجت كل الملامح التي ميزت شخصيتها الإنسانية وشخصيتها الفنية.

فمن نشأتها الريفية- على سبيل المثال – اكتسبت جدية التعامل مع النص الذي تغنيه، إلى درجة الامتناع عن غناء ما لا تفهم معناه، حتى لو كان الأمر يتعلق بكلمة واحدة، وليس ببيت من الشعر، أو بقصيدة كاملة.

فقد كان الشيخ إبراهيم ذات يوم، يقوم مع بطانته (ومنها أم كلثوم طبعا) بإنشاد البيتين التاليين:

جلّ من طرّز الياسمين

فوق خديك بالجلنار

وارتضى ذا الجمان الثمين

معدنا من لماك العقار

وكانت أم كلثوم تنطلق مع البطانة في إنشاد البيت الأول بتدفق وسهولة، حتى إذا وصلت إلى كلمة “الجمان” في البيت الثاني، توقفت تماما عن الإنشاد.

ولما لاحظ أبوها سكوتها في البيت الثاني، استوضحها الأمر، فقالت أنها لا تفهم معنى كلمة “الجمان”، وتخشى لذلك أن لا تعطي المعنى حقه عند الإنشاد، فتفضل الصمت، حتى لا تأتي نبرة الإنشاد مخالفة أن مجافية لمدلول الكلمة. وبديهي أن الشيخ إبراهيم شرح لابنته أن الجمان هو حبات من الفضة على شكل حبات اللؤلؤ، ولكن ما كان أهم من ذلك، تنبة الشيخ إبراهيم المبكر لفطنة ابنته واهتمامها المبكر بجدية ما تقوم به من إنشاد، فلا تكتفي بأن تغني بإحساسها فقط، بل تعمل عقلها في فهم ما تغنيه، حتى تعطي المعنى حقه في الغناء.

وبالفعل، سنرى في الفصل التالي من الكتاب المخصص لسيرة أم كلثوم الفنية، كيف كان بين مزايا القوة والإبداع في غنائها، تلك الشحنة التي تضعها في كل كلمة تغنيها (سواء كانت باللغة الفصحى أو بالعامية المصرية) فتكاد بنبرتها الغنائية تعطيك كالقاموس تفسيرا لمعنى الكلمة، ولكنه هذه المرة قاموس من شحنات الإحساس، وليس قاموسا من الكلمات المكتوبة.

ولم تذهب عبثا تلك المواهب المبكرة التي تكشفت عنها شخصية أم كلثوم، منذ طفولتها المبكرة، وذلك المجهود الذي كانت تبذله في تجويد غنائها، بجدية تتجاوز إلى مدى بعيد سنوات عمرها. فلم يمض وقت طويل حتى أصبحت أم كلثوم “نجمة” فرقة الشيخ إبراهيم البلتاجي، بدل شقيقها خالد، الذي ما لبث أن تراجع إلى موقعه الطبيعي الذي أهلته له مواهبه المتواضعة (مقارنة بمواهب شقيقته الصغرى) كعضو في بطانتها.

ولكن تبوأ أم كلثوم هذا الموقع المرموق في صدارة فرقة الشيخ إبراهيم، ما لبث أن اصطدم بحاجز التقاليد، خاصة أن جمهورها (قبل استقرارها في القاهرة) كان مقتصرا على البيئة الريفية، التي تتميز بدرجة عالية جدا من الروح الاجتماعية المحافظة، خاصة في ذلك الوقت المبكر من بداية القرن العشرين. ولكن الشيخ إبراهيم ما لبث أن اهتدى إلى حل لهذه المشكلة بأن يخفي المعالم الأنثوية لابنته المطربة، فيجعلها تتنكر في زي غلام، أما شعرها، فأمره سهل، إذ يمكن إخفاءه تحت الكوفية والعقال، وهو الزي الذي رافقها حتى بدايات استقرارها وظهورها في القاهرة.

ب – مصاعب مرحلة «الانتشار الريفي»

من الخطوط المتوازية والقواسم المشتركة في النشأة الفنية لعملاقي القرن العشرين في الغناء العربي (أم كلثوم وعبد الوهاب)، أن الشهرة الواسعة التي دانت لهما وأسلست شراعها منذ عقدي الثلاثينيات والأربعينيات، لم تكن (بالنسبة لأي منهما)، ثمرة سحرية هبطت عليهما من السماء في «حلم يقظة»، وإنما كانت ثمرة كفاح طويل ومرير، يقول فيه عبد الوهاب أن الانتشار الفني في بداياته كان يقتضي منه (في زمن المواصلات البدائية، وقبل ظهور الإذاعة والراديو)، الذهاب إلى الجمهور في قراهم، بل في بيتهم أحيانا، وأن شهرته الفنية في مصر لم تنطلق إلا بعد أن جاب مناطقها متنقلا بين أقصى الشمال وأقصى الجنوب، كما بين شرق وغرب. الأمر الذي جعل «الشهرة» عندما وصلت إليه، كنزا عزيزا ظل مطبقا عليه باليدين حتى آخر يوم في عمره، يسقيه في كل يوم من عرقه وجهده وجديته، حتى لا يفتقده. وقد تجلت هذه الظاهرة بشكل مشترك بين هذين العملاقين، في الخوف من الفشل الذي كان مسيطرا عليهما ليلة تقديم عملهما المشترك الأول (أنت عمري) إلى الجمهور. وهو حديث مؤجل لموقع آخر في هذا الكتاب.

فإذا عدنا إلى البدايات، فأن أم كلثوم تروي في ذكرياتها بعض الحكايات النموذجية، عن المتاعب الهائلة التي كانت تتحملها لتبني شهرتها الفنية حجرا حجرا، حتى عندما كان أجر الفرقة كلها لا يتجاوز الجنيه ونصف الجنيه، عن الحفلة .

أول تلك الحكايات، عن حفلة عرس دعيت أم كلثوم (المغنية الطفلة) لإحيائها في قرية «نبروة». فقد استقلت القطار، مع والدها وبقية أعضاء الفرقة، من محطة السنبلاوين إلى المنصورة (أكبر مدن المنطقة). ثم عبروا النيل إلى طلخا، ومنها توجهوا عبر طريق ضيقة إلى «نبروة»، فلما اقتربوا من المنطقة، اكتشفوا أن أصحاب «الفرح» لم يؤمنوا لهم الركائب التي ستحملهم إلى القرية البعيدة، فتوكلوا على الله وقام الشيخ إبراهيم باستئجار الركائب المطلوبة، ولما وصلوا القرية المقصودة والبيت المقصود، فوجئوا بهدوء مريب. فلما قرعوا الباب وخرج إليهم صاحب «الفرح»، كانت الصدمة الكبرى: لقد أجلوا الاحتفال. فلما تساءل الشيخ إبراهيم عن سبب عدم إبلاغه نبا التأجيل، تلقى الجواب الصاعقة: «ولماذا نخبرك، والقرية كلها تعرف ذلك».

ثم تروي حكاية حفلة أخرى في قرية مجاورة للقرشية، بالقرب من مدينة طنطا. فلما قادهم صاحب الحفلة إلى الموقع لمعاينته، فوجئت أم كلثوم بصاحب الحفلة يشير إلى فانوس كبير، ويقول لأم كلثوم: «عندما ترين هذا الفانوس قد انكسر، انزلي واختبئي تحت المنصة». فلما سأل الشيخ إبراهيم عن السبب، فاجأه صاحب الحفلة بقصة عجيبة غريبة، مفادها أن الحفلة إنما ستقام لتكون كمينا لأهل قرية مجاورة، فينهالوا عليهم بالضرب، بعد إطفاء الأنوار في منتصف الحفلة. ولم يكن بوسع الفرقة الانسحاب، فأقامت الحفلة التي تحولت إلى معركة فعلية، انتصر فيها أهل القرية الأخرى، لأنهم فطنوا سلفا إلى النية العدائية لأصحاب الدعوة، فكانوا أحسن منهم استعدادا للمعركة.

ثم تروي أم كلثوم حكاية أخرى، عن حفلة اضطرت للوصول إلى موقعها، إلى ركوب الحمار أربع ساعات متواصلة (بعد رحلة في قطار الدلتا المترنح)، في جو قارس البرد. وعندما حان موعد الغناء، كان أصحاب الحفلة قد جهزوا لضيوفهم أجهزة التدفئة، ولكنهم لم يعيروا الفرقة أي اهتمام، ولا حتى «الطفلة» التي ستحيي الحفلة، والتي كانت ركبتاها وأسنانها تصطك من البرد.

ولما حاول والدها حل المشكلة بخلع عباءته وإلقائها على كتفي طفلته المسكينة، وجد أن البرد ما زال ينخر عظام الطفلة، وأنها لا يمكن أن تغني وهي على هذه الحالة، فوجد نفسه يصرخ بأعلى صوته، ويهدد أصحاب الحفلة بالانسحاب، إذا لم يؤمنوا أجهزة التدفئة لأعضاء الفرقة أيضا. فكان له ما أراد، ولكن كل هذه المعاناة، كانت للحصول على جنيه ونصف الجنيه، في نهاية الحفلة.

وقد اضطرت لركوب الحمار عشر ساعات متواصلة، للذهاب إلى إحدى الحفلات، وهي مريضة بالدوسنطاريا.

فوق ذلك، ظلت الفرقة تعاني سنوات طويلة من أصحاب الحفلات، الذين كانوا يهتمون كثيرا بتأمين الحمير لتنقلات أعضاء الفرقة، في طريق الذهاب إلى الحفلة. أما بعد انتهاء الحفلة، فكانت الحمير تختفي، كما يختفي أصحاب الحفلة، وليتدبر الشيخ إبراهيم أمر فرقته.

غير أن الشيخ بدأ، عندما أصبح الإقبال شديدا على طلب «أم كلثوم» المغنية الطفلة، يشترط على أصحاب الحفلة التكفل بنفقات التنقل بالحمير ذهابا وإيابا، على حسابهم الخاص، وخارج المبلغ المخصص لأجرة الفرقة.

غير أن الحل النهائي لهذه المشكلة جاء مع قرار الشيخ إبراهيم بشراء حمار لتنقلات الفرقة، ما لبث أن أضاف إليه حمارين آخرين. وكانت تلك من علامات اليسر والثراء، في طماي الزهايرة، في ذلك الوقت المبكر من بدايات القرن العشرين.

وكان الشيخ إبراهيم يراقب الخط البياني لشهرة ابنته، فيزيد شروطه في العقد، بقدر زيادة شهرة أم كلثوم، وذلك أسوة بمشاهير الفن في ذلك الزمن، مثل الشيخ حسن جابر، القارئ والمطرب المشهور في الأرياف. كان الشيخ حسن مغرما بشرب «الكازوزة» (المشروب الغازي)، وكان يظن أن شربها يحسن الصوت والحنجرة. فكان يفتتح أي عقد بشرط يلزم المتعهد بتقديم أي عدد يطلبه من زجاجات «الكازوزة». ويتفنن في صياغة العبارات التي تؤكد التزام المتعهد بدفع الثمن، زيادة على الأجر المتفق عليه، ويكرر في بعض العقود هذا المعنى بعبارات مترادفة، مثل عبارة «على حسابه» أو عبارة «دون أن يخصم ذلك من الأجر المتفق عليه».

ولم يكتف الشيخ إبراهيم باقتباس هذا الشرط من عقود الشيخ حسن، بل اقتبس أيضا العبارات الآنفة الذكر. وكانت أول حفلة لأم كلثوم نص عقدها على هذا الشرط الغريب، في بلدة شبراويش (مركز أجا)، فأصبحت أم كلثوم، مساوية في الشهرة وشروط العقد، للشيخ حسن .

إلياس سحاب

غــــــــــــــــــــــــــداً

لقاء زكريا احمد وابو العلا محمد ورياض السنباطي