صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 5148

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

ماضي أفغانستان معروف... لكن ما وجهتها المستقبلية؟

يجب ألا يعترف الغرب بأفغانستان طالما تسيطر «شبكة حقاني» على كابول، وهو لن يعترف بها أصلاً طالما ترفض «طالبان» أن تمنح الفتيات الحق بالتعليم الثانوي، وإلى حين حصول ذلك الاعتراف، لا يمكن إحراز أي تقدّم إلا في مجال المساعدات الإنسانية.

لا تزال أحداث أغسطس 2021 حية في الذاكرة، ولا يمكن أن ينسى أحد مشاهد اللاجئين وهم يسقطون من طائرات النقل «سي17» ويقفون في صفوف طويلة داخل قناة لمياه الصرف الصحي، ولا ضربة الطائرة المسيّرة التي استهدفت عائلة بريئة، أو المعدات العسكرية المتروكة التي وصلت قيمتها إلى مليارات الدولارات، لكن كيف أصبح الوضع المحلي اليوم؟

بعد مرور سنة على تلك الأحداث، قتلت عملية من تنظيم وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية زعيم «القاعدة»، أيمن الظواهري، الذي كان يقيم وفق بعض المصادر في منزل على صلة بسراج الدين حقاني في منطقة «شيربور» في كابول. هذا الحدث الفردي يحمل ثلاث دلالات مهمة:

1 - عاد الإرهابيون المختبئون في وزيرستان، على الحدود الأفغانية الباكستانية، إلى أفغانستان للمرة الأولى منذ أواخر عام 2001. إنه الحدث الذي توقّعه القادة الغربيون واستعملوه لتبرير وجود قوات «الناتو» طوال عشرين سنة، وذكرت تقارير الأمم المتحدة حديثاً أن الفرع الأفغاني من تنظيم «الدولة الإسلامية» هو واحد من «أقوى شبكاته الإقليمية وأكثرها ترسّخاً» هناك.

2 - لم يغيّر أعضاء «شبكة حقاني» المقرّبون من قيادة «القاعدة» منذ فترة طويلة مواقعهم. هم يقودون منظمة إرهابية منفصلة عن «طالبان» ومنتمية إليها في آن، ويمكن اعتبارهم أكبر عائق في وجه البلدان التي تفكر بمناقشة احتمال الاعتراف بحركة «طالبان» التقليدية في قندهار، بقيادة المُلا برادر الأكثر اعتدالاً من غيره.

3 - تمكنت طائرات وكالة الاستخبارات المركزية من تنفيذ عمليتها في كابول، لكن لا يمكن اعتبار القدرات الغربية لمكافحة الإرهاب في أفغانستان بمستوى التهديدات المطروحة، فقد كان الظواهري هدفاً أسطورياً لكنه ليس مصدر خطر أساسيا، وقد حصلت العملية الأميركية على الأرجح بأبسط القدرات المتاحة.

يُعد اقتلاع «شبكة حقاني» من أفغانستان طموحاً قادراً على توحيد صفوف معظم القوى الإقليمية وعناصر قندهار، لكن يصعب أن يتحقق هذا الهدف، حتى لو دعمته باكستان، إذ يسيطر أعضاء «شبكة حقاني» على كابول، وهم مدججون بالأسلحة وينوون البقاء في مواقعهم.

كانت أحداث السنة الماضية كارثية على باكستان بمعنى الكلمة، فبعد أسابيع على عودة «طالبان»، كان يُفترض أن تعترف إسلام أباد بفداحة أخطائها حين قررت دعم الحركة، فقد أرادت باكستان أن تُحقق «طالبان» ثلاثة أهداف أساسية:

1 - رغم رغبة باكستان في إبقاء الهنود خارج أفغانستان، قررت الهند أن تتواصل مع كابول بدل أن تدعم خصوم «طالبان»، وقدّمت نيودلهي مساعدات غذائية ضرورية إلى بلدٍ بات في أمسّ الحاجة إليها، واستغلت النفور التقليدي بين فرع «طالبان» في قندهار وباكستان، حتى أن وزير الدفاع في حكومة «طالبان»، المُلا يعقوب، اقترح تنفيذ التدريبات العسكرية في الهند.


2 - كان متوقعاً أن تُسهّل «طالبان» و«شبكة حقاني» تدمير حركة «طالبان باكستان» وتسلّما الإرهابيين المطلوبين إلى الجيش الباكستاني، لكن أوضحت «شبكة حقاني» بعد وقتٍ قصير أنها تعجز عن تحقيق هذه المطالب، فزعمت أن عناصر قندهار يأتون في معظمهم من بلدات أعضاء «طالبان باكستان» ويمنعون إقامة أي شكل من التعاون، لذا اضطر الجيش الباكستاني للمشاركة في محادثات معقدة لوقف إطلاق النار مع «طالبان باكستان».

3 - كان يُفترض أن تعترف الحكومة الأفغانية الجديدة بـ«خط ديورند» من عام 1897 كحدود دولية، حيث بَنَت باكستان سياجاً شائكاً بكلفة كبيرة في السنوات الأخيرة، لكن عمدت «طالبان» وحركة «طالبان باكستان» إلى قطع الأسلاك خلال أسابيع واستأنفتا المطالبة بمناطق البشتون في باكستان.

يبدو أن رئيس أركان الجيش الباكستاني، الجنرال قمر باجوا، سبق أن عبّر عن مخاوفه من استيلاء «طالبان» على البلد، لكن عارضه رئيس الاستخبارات فايز حميد وقادة الفيالق الأقوياء، وعبّرت الصين بدورها عن قلقها من دعم إسلام أباد لحكومة تقتصر على حركة «طالبان» (بدل تأييد حكومة أكثر تنوعاً)، لكن لم تُصِرّ بكين على موقفها حينها.

تشعر الصين بالقلق مجدداً بعد مرور سنة على تلك الأحداث، فلا تبدي «طالبان» أو «شبكة حقاني» أي اهتمام بتسليم المقاتلين الإيغوريين إلى السلطات الصينية، وتتوسع المخاوف في بكين من أن يبدأ المتطرفون الإيغوريون التعاون مع الجماعات البلوشية وأعضاء «طالبان باكستان» لإضعاف «الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان». وقعت اعتداءات متعددة داخل باكستان ضد الصينيين، بما في ذلك انفجار قنبلة في «كويتا»، في أبريل 2021، وبصعوبة نجا منه السفير الصيني، وبعد مرور سنة، قتل انتحاري بلوشي ثلاثة مواطنين صينيين بالقرب من «معهد كونفوشيوس» في «كراتشي». نتيجةً لذلك، تجددت ضغوط الصين لتطبيق تدابيرها الأمنية الخاصة في باكستان، لكن رفضت إسلام أباد هذا الطلب في مناسبات متكررة.

حاولت إيران بدورها أن تتواصل مع «طالبان»، وبقيت سفارتها مفتوحة في كابول، وهي تراقب بحذر طريقة تعامل «طالبان» مع الأقلية الشيعية الواسعة في البلاد، وعلى غرار الصين، تشعر إيران بالراحة بعد رحيل قوات الناتو ويبدو أنها قررت، مثل الهند، ألا تدعم جماعة المعارضة المسلّحة التي يقودها أحمد مسعود وتنشط بالقرب من حدود طاجيكستان، في الوقت الراهن على الأقل، فلا يريد أي بلد حتى الآن أن تتجدد الحرب الأهلية في أفغانستان، بما في ذلك روسيا وجمهوريات آسيا الوسطى التي تتابع التطلع إلى موسكو لتحديد سياستها تجاه أفغانستان، انطلاقاً من تحالف «رابطة الدول المستقلة». تواصلت روسيا مع «طالبان» مباشرةً في عام 2017، لكنها تشكك حتى الآن في نواياها وتشعر بالقلق من انتشار الأسلحة، والتطرف الديني، والإرهاب، والمخدرات في شمالها، وتخاف من قدرة الحركة على زعزعة استقرار جمهوريات آسيا الوسطى، وفي غضون ذلك تتوقف جميع الخطط المرتبطة بخطوط الأنابيب وسكك الحديد في أنحاء أفغانستان على اعتراف المجتمع الدولي بـ«طالبان» وجهود إرساء السلام.

تتّضح المعضلة الأساسية في هذا المجال بالذات، لذلك يجب ألا يعترف الغرب بأفغانستان طالما تسيطر «شبكة حقاني» على كابول، وهو لن يعترف بها أصلاً طالما ترفض «طالبان» أن تمنح الفتيات الحق بالتعليم الثانوي، وإلى حين حصول ذلك الاعتراف، لا يمكن إحراز أي تقدّم إلا في مجال المساعدات الإنسانية، وفي غضون ذلك، كل ما يستطيع المجتمع الدولي (المنشغل اليوم بمسائل أكثر إلحاحاً) فعله هو محاولة منع تصدير الإرهاب والمخدرات من أفغانستان، لكن سبق أن فشلت هذه السياسة نفسها بين عامي 1989 و2002، ولا شك أنها ستفشل مجدداً.

* تيم ويلاسي ويلسي

the Cipher Brief

كل ما يستطيع المجتمع الدولي فعله هو محاولة منع تصدير الإرهاب والمخدرات من أفغانستان

اقتلاع «شبكة حقاني» من أفغانستان طموح قادر على توحيد صفوف معظم القوى الإقليمية وعناصر قندهار

رغم رغبة باكستان في إبقاء الهنود خارج أفغانستان قررت الهند التواصل مع كابول بدلاً من دعم خصوم «طالبان»