صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 5103

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

عندما يصبح محافظو البنوك المركزية هدفاً

  • 30-06-2022

على الرغم من أن أداء البنوك المركزية لم يكن مثيراً للإعجاب في الفترة التي سبقت الأزمة المالية العالمية لعام 2008، فإنها كانت الرابح الأكبر في أعقاب الأزمة المالية العالمية.

من يرغب في تحمل المسؤولية عن السياسة النقدية في عام 2022؟ واستناداً إلى المناقشات الاقتصادية والسياسية الشرسة الجارية في جميع أنحاء العالم، يبدو الأمر كما لو تم إعلان شن هجوم على محافظي البنوك المركزية: يتم انتقادهم من جميع الجهات.

فقد اتُهم رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي جيروم باول وزملاؤه بالفشل في تحديد العلامات المبكرة للتهديد التضخمي العام الماضي، وفي أواخر الخريف الماضي، كانوا يجادلون بأن ارتفاع الأسعار كان حدثاً «عابراً»، ومع اقتراب التضخم السنوي في الولايات المتحدة اليوم من أرقام مزدوجة، يبدو أن هذا كان حكماً سيئاً، ولكن الآن بعد أن أقر بنك الاحتياطي الفدرالي بخطئه ورفع أسعار الفائدة، يتهمه الكثيرون بخنق التعافي في مرحلة ما بعد الجائحة، ودفع أسواق الأسهم والسندات إلى الانهيار، والتعجيل بالركود.

لم يعمل البنك المركزي الأوروبي على رفع أسعار الفائدة حتى الآن، على الرغم من أنه من المتوقع أن يفعل ذلك في يوليو، فالبنك المركزي الأوروبي مكلف بالتردد وزرع بذور أزمة جديدة في منطقة اليورو من خلال التلميح إلى حدوث انعكاس محتمل للتيسير الكمي، فقد اتسع الفارق بين عائدات السندات الحكومية الإيطالية والألمانية إلى حد كبير، مما يهدد الاستقرار المالي في جنوب أوروبا، لقد تم التعهد باستخدام سلاح مضاد للانقسام، لكنه لا يزال في طور الإعداد في الوقت الحالي.

يواجه بنك إنكلترا قائمة مماثلة من التهم المُوجهة ضد بنك الاحتياطي الفدرالي، مع بعض التحديات الإضافية، وقد اتهم بعضهم أندرو بيلي محافظ بنك إنكلترا بتجنب مشكلة التضخم من خلال إلقاء اللوم على عوامل خارجية- الحرب في أوكرانيا ونقص الطاقة- عن ارتفاع الأسعار، كما أن البنك متهم بـ «التفكير الجماعي» أو ما يُسمى عقلية القطيع، وقد صوت ثلاثة من الأعضاء الأربعة الخارجيين في لجنة السياسة النقدية التابعة له مرتين لصالح معدلات أعلى، ليتم إحباطهم من قبل خمسة من الأعضاء في بنك إنكلترا.

إن وضع بنك اليابان مختلف للغاية، فهو متهم بعدم القيام بأي شيء والتسبب في انخفاض حاد في القيمة الخارجية للين، ومن المغري أن نستنتج أن محافظي البنوك المركزية الحاليين سيتعرضون للانتقاد الشديد بغض النظر عن أفعالهم، وربما إذا تمسكوا بأهدافهم، سيجتازون هذه الأزمة، كان بول فولكر، رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي آنذاك، هو العدو الأول في الولايات المتحدة في أوائل الثمانينيات، عندما أخرج التضخم بعد صدمة النفط من النظام باستخدام معدلات فائدة مزدوجة، لكن في سنواته الأخيرة كان يحظى بالاحترام، وأصبح ثروة وطنية، ودُعي لتقديم المشورة للرؤساء المتعاقبين في حالات الطوارئ المالية.

ومع ذلك، من الأفضل لمحافظي البنوك المركزية ألا يفترضوا أن سمعتهم ستتعافى تلقائيا، وأن الوضع سيعود إلى ما كان عليه في السابق، فنحن نعيش في عصر أكثر إثارة للجدل من الثمانينيات، حيث تتعرض المؤسسات العامة بشكل منتظم للتحدي والمساءلة من قبل المشرعين الأقل احتراما.

عندما أخبر رئيس بنك الاحتياطي الفدرالي السابق ألان غرينسبان الكونغرس أنه «تعلم الغمغمة بكلام غير واضح ويفتقر إلى أي قدر من التماسك»، تم تفسير هذه العبارة على أنها خطوة ذكية، فمثل هذه الملاحظة لن تكون مُجدية في الوقت الحالي، فلم يعد الاعتزاز بالغموض أمرا شائعا، وبعد فترة طويلة لم يكن فيها انتقاد البنوك المركزية المستقلة هو الشيء الصحيح الذي ينبغي فعله، غالباً ما يفعل السياسيون في الوقت الحاضر ذلك بحذر، كما يتعرض بنك الاحتياطي الفدرالي والبنك المركزي الأوروبي لمعارضة قوية في الكونغرس والبرلمان الأوروبي على التوالي، وقد دعا أحد أقرب الحلفاء السياسيين لرئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون إلى رئاسة بيلي في بنك إنكلترا.

علاوة على ذلك، انضم محافظو البنوك المركزية السابقون إلى مجموعة النقاد، وقد ذكر رئيس الاحتياطي الفدرالي السابق بن برنانكي، الذي انتهك القاعدة غير المكتوبة بعدم لوم أو انتقاد أحد خلفائه، إن بنك الاحتياطي الفدرالي اليوم ارتكب «خطأ» من خلال الاستجابة ببطء للتضخم، كما ساهم أسلاف بيلي المباشرين، ميرفين كينغ ومارك كارني، في مواجهة التحديات السياسية لبنك إنكلترا، وإن نسيج الأخوة المصرفية المركزية آخذ في التآكل.

فهل سيحظى هذا الرفض بدعم قوي؟ وهل يمكن أن يؤدي إلى نقد متماسك، وربما يؤدي إلى إعادة التفكير في استقلال البنك المركزي واستهداف التضخم؟

فعلى الرغم من أن أداء البنوك المركزية لم يكن مثيرا للإعجاب في الفترة التي سبقت الأزمة المالية العالمية لعام 2008، فإنها كانت، على نحو متناقض، الرابح الأكبر في أعقاب الأزمة المالية العالمية، وعلى الرغم من أن إخفاقات صُناع السياسة النقدية الذين منحتهم الحكومات في جميع أنحاء العالم سلطات ومسؤوليات جديدة، لا سيما في المجال التنظيمي، فقد ظهروا أقوى من أي وقت مضى.

ومع ذلك، هناك اليوم علامات مشؤومة تُشير إلى حدوث ردود فعل عنيفة، بما في ذلك في كتابان جديدان يتحديان العقيدة السياسية السائدة في العقود الأخيرة، لا يبشر طائران من السنونو بقدوم الصيف، لكنهما يعطيان سببا للتساؤل عما إذا كان الطقس على وشك التغيير.

في كتاب «The Price of Time»، يشن إدوارد تشانسلر هجوما مباشرا على السياسات التي اعتمدتها البنوك المركزية في السنوات الخمس عشرة الماضية، ومن وجهة نظره، تسبب محافظو البنوك المركزية، من خلال التركيز فقط على تضخم أسعار المستهلك وإهمال أسعار الأصول، في عرقلة الاستثمار والنمو، وخلقوا حالة عدم الاستقرار المالي في ظل أسعار فائدة منخفضة جداً، وزيادة عدم المساواة من خلال التيسير الكمي، حيث يجادل تشانسلر بأن النموذج يحتاج إلى إعادة صياغة جادة، وتحتاج السلطات النقدية إلى أهداف مختلفة فضلا عن تعزيز المساءلة.

كما يشعر جون دانيلسون أستاذ المالية في كلية لندن للاقتصاد بقلق أكبر إزاء التركيز المفرط للسلطة، وفي كتابه بعنوان «وهم السيطرة»، يجادل بأن تحميل البنوك المركزية مسؤولية الاستقرار المالي يُعد خطأ فادحا لأنها تواجه «مجالا سياسيا معقدا وغير محدد المعالم ولا يوجد إجماع واضح بشأنه حول المشكلة أو الهدف»، بعبارة أخرى، فإن البنوك محكوم عليها بالفشل، وهناك حاجة إلى وكالات منفصلة تخضع لمزيد من المساءلة السياسية المباشرة للقيام بهذه المهمة.

قد تكون هذه الانتقادات مبالغا فيها، لكنها تثير تساؤلات مهمة يتعين على البنوك المركزية معالجتها، فالتمتمة بكلام غير واضح ويفتقر إلى أي قدر من التماسك لن يُساعد في علاج هذه التحديات، وسيحتاج صُناع السياسة النقدية إلى تنظيم دفاعاتهم بشكل أكثر فعالية، ولا ينبغي لهم افتراض أن استقلال البنك المركزي هو نهاية التاريخ النقدي.

* رئيس مجلس إدارة «ناتويست جروب».

*هاورد ديفيز

Project Syndicate