خاص

«الكويت: من الإمارة إلى الدولة» الحلقة التاسعة 9

الجريدة• تعيد نشر كتاب ذكريات الراحل د. أحمد الخطيب
الوحدة: محطة قومية ووطنية... ومهرجان الشويخ
عبدالله المبارك استدعى جاسم القطامي وعبدالله حسين إلى الأمن العام وأنّبهما بعد المهرجان!

نشر في 17-03-2022
آخر تحديث 17-03-2022 | 00:06
في الحلقة التاسعة من كتابه «الكويت من الإمارة إلى الدولة»، يستذكر الرمز الوطني الراحل د. أحمد الخطيب، زيارة الوفد الشعبي الكويتي للعراق بعد انقلاب عبدالكريم قاسم، وبعد إعلان الوحدة بين مصر وسورية، وكيف حاول جاسم القطامي أن يعرف رأيه بصراحة في تلك الوحدة، وكيف كان قاسم مراوغاً لا يريد الإجابة مباشرة عن ذلك.

كما يتحدث الخطيب عن المهرجان الخطابي الذي أقيم بثانوية الشويخ، وكيف استفزت كلمة جاسم القطامي خلاله الشيخ عبدالله السالم، مما دفعه إلى إصدار بيان للشعب الكويتي يحذر من التمادي «وضرورة سد الباب الذي تأتي منه ريح لا نريدها».

ثم ينتقل إلى واقعة اعتقاله من قبل عبدالله الثويني واقتياده إلى الأمن العام، وقيام الشيخ عبدالله المبارك بسل سيفه بعد أن جلس الخطيب على الأرض ليقطع رأسه، لكن الشيخ عبدالله الجابر أمسك بيده، ليعلق الدكتور على تلك الواقعة: «ابتسمتُ لسماجة التمثيلية»، متطرقاً إلى ما تعرض له جاسم القطامي وخالد المسعود، حيث فُصِل الأول من عمله في شركة السينما، وفصل الثاني من عمله في وزارة التربية، وقد تبرع لهما محمد الرشيد بدكاكين يملكها في منطقة النقرة لسد حاجتهما.

اقرأ أيضا

وتتعرض هذه الحلقة كذلك لأزمة عبدالكريم قاسم، وطلبه ضم الكويت إلى العراق، وتداعيات ذلك، وما حدث من التفاف حول الشرعية والشيخ عبدالله السالم، وفيما يلي التفاصيل:

ليلة إعلان الوحدة بين مصر وسورية تجمّعنا في النادي الثقافي القومي في «كشك معرفي»، نستمع إلى خطاب كل من جمال عبدالناصر وشكري القوتلي، ثم التوقيع على اتفاق الوحدة بين مصر وسورية وقيام الجمهورية العربية المتحدة برئاسة جمال عبدالناصر.

كان يوماً تاريخياً بكل معنى الكلمة بالنسبة إلى طموحاتنا. لم نكن نتصور أن مصر سوف تلقي بكل ثقلها في معركة الوحدة ومواجهة العدو الصهيوني، لأننـا كنا نستبعدها في مخططاتنا لغيابها عن همومنا القومية، وكنا نؤمـن بأن علينـا أن نكتفي بالعمل لوحدة سورية والعراق، لمجابهة العدو الصهيونـي، مما سوف يستغرق عشر سنوات على الأقل من العمل القومي الجاد، أما أن نحقق الوحدة مع مصر عام 1958 فقد كنا نرى ذلك ضرباً من المستحيل!

بعد انتهاء الاحتفال شعرنا بسعادة عظيمة وبراحة بال عجيبة، وقلنا لأنفسنا: لقد انتهت مهمتنا الآن فقد تحقق ما كنا نطمح به وأكثر، فيمكننا الآن أن نستريح، ونركز عملنا على أوضاعنا المحلية، وأوضاعنا العائلية والمهنية.

كم كان تفكيرنا ساذجاً! فجمال عبدالناصر نفسه، كان يقول بأنه يعلم أن الوحدة سوف تستنفر بعض الخصوم، ولكنه لم يكن يتوقع أن يكون ردّ الفعل بهذا العنف والخطورة!

زيارة العراق 1958

عندما حصل انقلاب عسكري في العراق في 14 تموز (يوليو) 1958 فرحنا بذلك كثيراً، ولأن العناصر الأساسية وراء الانقلاب كانت قومية، فقد توقعنا أن يبادروا إلى الانضمام إلى الجمهورية المتحدة (مصر وسورية)، وقررنا أن نذهب إلى العراق لتهنئة الحكام الجدد، وكنا أول وفد عربي يصل إلى بغداد بعد الانقلاب بنحو أسبوعين.

ولما حطت الطائرة في المطـــــار، جــــاءني رفاقنا القومــــيون إلى داخل الطائرة، وأخبرونا بأن رفعت الحاج سري، وهو مهندس الانقلاب ورئيس الاستخبارات العسكرية، موجود أمام الطائرة ليستقبلنا تقديراً لدورنا القومي.

وكان السؤال الملحّ بالنسبة إلينا هو: متى ينضم العراق إلى الوحدة؟ وقد علمنا من جماعتنا في العراق أن الموضوع لم يُبحث في مجلس قيادة الثورة بشكل جدي، ولم يُتخذ قرار بذلك، وأن عبدالكريم قاسم لم يفصح عن رأيه، وأنهم يشكّون في نواياه هو والسكرتير الضابط الذي معه، وطلبوا منا أن نسأله نحن عن رأيه. وعندما قابلناه في نهاية زيارتنا رحّب بنا، وأخذ يتكلم عن الثورة، فما كان منا إلا أن سألناه عن موقفه من الوحدة، فالتفّ حول الموضوع، إلا أن الأخ جاسم القطامي كان ملحّاً في سؤاله كالعادة، وقاطعه مراراً قائلاً: نحن نريد أن نعرف موقفك من الوحدة، ويبدو أن عبدالكريم قاسم أسقط في يده، ولم يسمح له جاسم القطامي بمواصلة حديثه، فرد قاسم بقوله: «أنا معروف عني بالمباغتة والكتمان». فأنهينا المقابلة وأخبرنا الجماعة بأن الرجل لا يريد الوحدة.

وعندما رجعنا إلى الكويت فتحنا النار عليه في صحافتنا، وكنا أول من عرى عبدالكريم قاسم في الصحافة العربية، التي كان بعضها متردداً في فضحه لأسباب تكتيكية لم نكن نتفق معها. ومع ذلك فإن الرقابة بالكويت لم تطلب منا وقف الحملة كالعادة، فالعداء بين القوى الوطنية في الكويت وأي نظام قومي في العراق يقلل من تخوفها من العراق، ونحن نعدّ ذلك تفكيراً سقيماً، كما أثبتت أحداث احتلال صدام للكويت عندما كانت العناصر القومية الواعية على خلاف مع سياسة صدام، وكان الموقف الرسمي داعماً حتى النخاع لسياسة صدام المجرمة بحق شعبه وجيرانه.

مهرجان ثانوية الشويخ في الذكرى الأولى للوحدة

بمناسبة مرور سنـــة على قيام الوحدة بين مصر وســـــورية قررنـــا أن ننظم مهرجاناً جماهيـــرياً كبيراًً احتفالاً بهذه المناســــبة، وكان أحمد ســــعيد مدير محطـــة صوت العرب في القاهرة موجوداً في الكويت، وطلبنا منه أن يتكـــــلم في هذه المناسبة فقبل، واتُّفـــق أن أتكـــــلم أنــــا وكــــذلك جاســم القطامي في هذا المهرجان. وكان رأي الإخوان أن يتكلم جاسم القطامي في الأمور الداخلية وأنا في الوضع العربي، لأن جاسم أقل حدة مني لتفادي أية مضاعفات في هذه المناسبة العزيزة على نفوسنا.

وقبل المهرجان بساعات التقيت جاسم القطامي والأخ يعقوب الحميضي الذي اقترح على جاسم أن نطّلع على كلمته لنطمئن عليها ولكن جاسم عدّ ذلك عدم ثقة به فتراجع يعقوب عن اقتراحه، ولم أتدخل أنا في النقاش.

ذهبنا إلى ملعب ثانوية الشويخ، موقع الاحتفال، في الوقت المحدد، فإذا بالملعب مكتظ بالحضور، وحضر المهرجان الشيخ عبدالله الجابر كعادته في مثل هذه المناسبات، وألقيت الكلمات وانتهى المهرجان بمسيرة سلمية إلى مدينة الكويت ولم تحصل أية حوادث تذكر، إلا أنه كما يبدو فإن الكلمة التي ألقاها جاسم القطامي قد استفزت الشيخ عبدالله السالم، إذ جاء من ضمن فقراتها العبارات التالية: «... ألا ليتنا أيها الإخوة كحمص أو حماه يرفرف عليها علم الوحدة الحبيب شامخاً...»، واستطرد قائلاً: «... إن رضي الكويتيون أن يحكموا من عهد صباح الأول حكماً عشائرياً فقد آن الأوان لحكم شعبي ديمقراطي يكون للشعب فيه دستوره ووزراؤه...».

فـي اليوم التالـي فوجئنا برد فعـل عنيف للشيخ عبدالله السالم على المهرجان، وعـدّ ما قيل تطـاولاً شخصياً عليه كعبدالله السالم، وقد أمر السلطات بردعنا.

نص قرار الشيخ عبدالله السالم

بيان إلى الشعب الكويتي الكريم 8 /2 /1959

شعبي العزيز

من الواضح الجلي أنني سعيت ولا زلت أسعى إلى توفير جميع أسباب الرفاهية والطمأنينة لبلادنا العزيزة في السر والعلن، ولا زلت أسمع ما لا أحب أن أسمعه عن بعض الشباب الذين لا يقدرون عواقب الأمور ولا ينظرون النظرات البعيدة، ولكني أتحاشى تكديرهم راجياً أن ينتبهوا من أنفسهم أو يسمعوا نصائح العقلاء. ولقد نبهت المرة تلو المرة عن تعكير العلاقات بيننا وبين جميع أصدقائنا وإخواننا من العرب وذلك حسبما تقضيه مصلحة البلاد، إذ لا فائدة لنا من تكدير علاقات يجب المحافظة عليها طيبة ما أمكن، ولكن هؤلاء الشباب ركبوا رؤوسهم وتعاموا عن المصلحة العامة حتى بلغ بهم الجهل إلى التمادي عليّ شخصياً في المجتمعات، على الرغم مما عُرف عن عهدي من رفاهية وخيرات نحمد الله عليها ويغبطنا عليها الكثير من الأمم.

أما الأخطاء والانتقادات التي يرون أنها موجودة في بعض الدوائر فإنها أخطاء لا تخلو منها أي بلد مهما بلغ من التمدن والنظام، وهي حالات صائرة إلى التعديل والإصلاح في القريب العاجل إن شاء الله.

ولقد أوعزت بردع هؤلاء عن التمادي في جهلهم أملاً أن يكون بذلك سد ثلمة قد تأتينا منها ريح لا نريدها. وكما قيل «ومن السموم الناجعات دواء». وإني أرجو كافة أفراد الشعب العزيز أن يهتموا بصلاح أمورهم الخاصة.

وإن بابي مفتوح لمن يتقدم باقتراح أو شكوى أو بيان صحيح، ففي ذلك تعاون صحيح بين الحاكم والمحكوم ووطنية صادقة، أما الجهل فعاقبته معروفة، والله يهدي الجميع.

عبدالله السالم الصباح - الكويت

اجتمع المجلس الأعلى واتخذ قرارات عدة شملت تعطيل كل الصحف في الكويت وإغلاق جميع الجمعيات العامة وحتى الأندية الرياضية. في هذا الاجتماع حمل كل من فهد السالم وسعد العبدالله السالم على كل من الشيخ عبدالله المبارك (الأمن) وسمو الشيخ صباح الأحمد (الشؤون) وعدّاهما مسؤولين عما حدث لتراخيهما في معاملة القوى الوطنية ومجاملتها. وفي صباح اليوم التالي تم استدعاء كل من جاسم القطامي وعبدالله حسين وحمد الشيخ يوسف إلى الأمن العام عن طريق بعض أفراد عائلاتهم، وقام عبدالله المبارك بتأنيبهم بكلمات قاسية وبذيئة كعادته وأنذرهم بعدم الخوض في المسائل السياسية.

طلب من شركة السينما أن تفصل جاسم القطامي، الموظف فيها، من عمله وإلا سحب امتياز الشركة، وأذعنت الشركة للقرار. وفصل خالد المسعود أيضاً من عمله في وزارة التربية وتبرع الفاضل محمد الرشيد بدكاكين له بالنقرة يستعملها لبيع ملابس الأطفال لتوفير مورد مالي.

محاصرة بقيادة الثويني

أما في صباح اليوم الثالث ففوجئت بقوى الأمن وهي تطوق بيتي ثم دخل عبداللطيف الثويني - مدير الأمن العام - آنذاك، وحذرني من المقاومة لأن عنده أوامر بإطلاق النار عليّ إن فعلت ذلك، وقام بوضع الحديد في يدي وأخذني بسيارة جيب عسكرية إلى الأمن العام في مجلس عبدالله المبارك. وكان المجلس مكتظاً بكويتيين وصحافيين أجانب وعرب، فبدأ بالمسبات البذيئة كعادته وأمر بإجلاسي على الأرض، وتقدم نحوي وهو يحمل سيفاً ليقطع رأسي فهرول عبدالله الجابر نحوه وأمسك به طالباً منه أن يعفو عني، ولم أستطع أن أمسك نفسي عن الابتسامة لهذه التمثيلية السمجة، لأنه من غير المعقول أن يقطع رأسي في مجلسه وعلى السجاد الفاخر ويلطخ ملابسه الفاخرة وملابس ضيوفه الكرام بدمي.

عندها قام عبداللطيف الثويني بفك قيدي وأطلق سراحي ولكنه رفض أن يرجعني إلى البيت، وعندما خرجت من مبنى الأمن العام تراكض سواقو التاكسي الكويتيون الموجودون في الخارج نحوي يحمدون الله على سلامتي وأوصلوني إلى بيتي.

وفي أثناء قدوم الثويني لاعتقالي، كان موجوداً في منزلي وقتها ابن خالتي علي الخبيزي، فاتصل بخالد عبدالله السالم وأخبره بما حصل، فاستغرب اعتقالي ونفى أن يكون هناك قرار قد اتخذ بهذا الشأن في المجلس الأعلى، وهرع مسرعاً إلى الأمن العام للتدخل إلا أنه وصل متأخراً.

الطوفة الهبيطة

والحقيقة أنني لم أفهم السبب الحقيقي لما حصل لي، صحيح أنني أعدّ «طوفة هبيطة» بالنسبة إلى الصباح، ولكن لم أكن أعتقد أن كراهيتهم لي قد وصلت إلى هذه الدرجة.

ما الذي أثار الشيخ عبدالله السالم؟ كنا ننتقد الأوضاع العامة والمسؤولين في الصحافة والندوات نقداً لاذعاً دون أن يهزه ذلك، وكان بعض الشيوخ يشتكون من عبدالله السالم لأنه دائماً «يلجمهم»، كما يقولون، عن الانتقام منا. ولكن بعد مدة وبعد أن هدأت العواصف أدركت سبب هذه الثورة علينا; لقد عدّ تسمية جاسم القطامي لعهده بالعهد العشائري إهانة شخصية له بذاته، وهو يعتقد أن عهده كان عهد انفتاح وتطور نقل الكويت من عهد عشائري إلى عهد آخر.

فهو عندما جاء إلى الحكم أطلق حرية الصحف وسمح بإنشاء الجمعيات والأندية وأحدث مجالس منتخبة... الخ، مما لم يكن موجوداً في عهد الشيخ أحمد الجابر، فكيف نتنكر لكل هذه المنجزات ونسمي عهده «بالعشائرية»، فكأنه يقول إذن أرجعكم إلى الحكم العشائري الحقيقي.

كذلك فإن الشيخ عبدالله السالم فهم محبة الشارع الكويتي لعبدالناصر بشكل خاطئ ، ففي إحدى جولاته اليومية بالسيارة بعد صلاة العصر التفت نحو صديقه نصف اليوسف النصف وهو يرى السيارات تحمل صور عبدالناصر وقال: ألا يعرف هؤلاء أن عبدالله السالم هو حاكم الكويت؟! فقد رأى تعارضاً بين ولاء الناس له ومحبتهم لعبدالناصر، فخامره الشك في مدى محبة الكويتيين له، وقد برز خطأ تصوره ذلك بشكل مفجع عندما طالب عبدالكريم قاسم بضم الكويت إلى العراق إذ خرج الكويتيون بشكل عفوي إلى قصر السيف وهم يهتفون: «يا بو سالم عطنا سلاح». وعندما علم عبدالله السالم بقدوم المظاهرات إلى قصر السيف التفت إلى عبدالعزيز حسين الجالس بجانبه يسأل: هل هؤلاء معي أم ضدي؟ فقال له: طال عمرك لقد جاؤوا لمساندتك وهم يهتفون بحياتك ويطلبون منك تسليحهم للدفاع عن الكويت. فكيف دار بخلده أن يسأل مثل هذا السؤال؟ كيف يشكك في حب الكويتيين له؟ بالطبع هذا يفسر موقفه من مهرجان الشويخ. وبعد أن تأكد من حب الكويتيين له كانت موافقته على المشاركة الشعبية في السلطة واتخاذ القرار، وموقفه المؤيد للجنة وضع الدستور، ووقوفه مع أعضاء اللجنة في رفضهم اقتراحات الشيخ سعد العبدالله الهادفة إلى تقليص صلاحيات المجلس لمصلحة العائلة، وهو ما يفسـر الموقف المعادي من بعض المتنفذين من العائلة لعبدالله السالم وحكمه. وسـوف أفصل ذلك فيما بعد.

اتضح لنا أيضاً السبب في تجرؤ الشيخ فهد السالم والشيخ سعد العبدالله على انتقاد كل من الشيخ عبدالله المبارك وسمو الشيخ صباح الأحمد واتهامهما عبدالله المبارك وسمو الشيخ صباح الأحمد بميولهما القومية، وكيف أن الشيخ جابر الأحمد حليفنا الديمقراطي لم يدافع عنا ولا عن أخيه لأن ذلك يعني الوقوف ضد الشيخ عبدالله السالم مما لا يقبله أحد من العائلة. كذلك فإن الدعوة إلى الوحدة تعني في طياتها تعارضاً مع الحكم واستبدال حكم آخر به، ويبرر ذلك كون صيغة الوحدة أو الاتحاد غير واضحة ومبهمة، ولم يكن هناك مشروع قومي واضح يراعي ظروف كل دولة عربية وخصوصياتها فكان من السهل على أعداء الوحدة أن يشوهوا صورتها المطلوبة، مع أن هناك أشكالاً كثيرة في العالم لصيغ الوحدة أو الاتحاد تحافظ على خصوصيات كل دولة، كما هو واضح في الصيغ الأوروبية والأميركية.

وكذلك لا بد من الإشارة إلى أنه في تلك الفترة كانت العلاقات بين القوى القومية في الكويت ونظام الحكم في العراق متوترة بسبب معاداة عبدالكريم قاسم للوحدة العربية وشنه حملة تصفيات واسعة للقوى القومية والناصرية في العراق بمعاونة الحزب الشيوعي العراقي، وكانت مجلة «الطليعة» هي أول صحيفة عربية تفتح النار على هذا النظام.

هذا التوتر الموجود بين الحكم العراقي والقوى الوطنية في الكويت رأت فيه السلطة تطوراً إيجابياً، إذ إنها كانت تتخوف دائماً من أي تقارب بين القوى الوطنية في الكويت والعراق. وما كانت تدرك ما كان عبدالكريم قاسم يدبره للكويت، وتكرر ذلك مع صدام مع الأسف مما سيأتي تفصيله في الجزء الثاني.

هذه الإجراءات القاسية التي اتخذت بحقنا وبحق المكتسبات التي تحققت منذ أوائل الخمسينيات إثر مهرجان الشويخ كان لها رد فعل غاضب عندنا، فقررنا أن نرد على ذلك معتمدين على قوة الشارع الوطني وشعوره القومي، وأخذنا نحضّر لمظاهرة احتجاج شعبية.

عندها اتصلت بنا مجموعة من التجار المتعاطفين معنا قائلين إن إهانتكم هي إهانة لنا، وطلبوا منا فرصة للاتصال بالمسؤولين لرد الاعتبار لنا وحل هذه المشكلة، فوافقنا على ذلك قائلين: «الهون أبرك ما يكون» ولم نكن «غاوين مشاكل».

اتصل هؤلاء بالمجلس الأعلى ودار نقاش حول الأوضاع العامة وضرورة تطويرها، واقترح أعضاء المجلس الأعلى أن يتشكل مجلس استشاري منهم لمساعدة المجلس الأعلى في مهمته الإصلاحية، مما خفف من الغليان في أوساطنا. وتشكل المجلس الاستشاري للمجلس الأعلى على الشكل التالي:

- عبدالحميد الصانع.

- نصف اليوسف.

- محمد النصف.

- يوسف الفليج.

- حمد المشاري.

- مشعان الخضير.

- خالد العدساني .

انعكاس مهرجان الشويخ

اجتمع المجلس الأعلى للبدء بعملية الإصلاح، بعد تدخّل الوسطاء من التجار الذين أصبحوا مجلساً استشارياً للمجلس الأعلى، للتفاهم على خطوات الإصلاح المطلوبة. من هذا المنطلق تم استدعاء بعض الخبراء لوضع القوانين اللازمة لتطوير الأوضاع، وعلى رأسهم الدكتور عبدالرزاق السنهوري أستاذ القانون الشهير. وصدرت القوانين التالية:

- قانون الميزانية 1960/2/15

- قانون معاشات ومكافآت التقاعد للموظفين الكويتيين 1960/3/14

- قانون المرافعات المدنية والتجارية 1960/3/21

- قانون المختارين 1960/4/13

- قانون الشركات التجارية 1960/5/13

- قانون الجزاء 1960/6/11

- قانون النقد وإصدار العملة 1961/4/1

- إلغاء القضاء الأجنبي 1961/4/1

وصدرت أيضاً قوانين لتنظيم القضاء والجنسية الكويتية وجوازات السفر وإقامة الأجانب.

وقام المجلس الأعلى بتشكيل مجلس الإنشاء والتنمية الاقتصادية بالتعيين من:

- محمد عبدالرحمن البحر. - يعقوب يوسف الحمد.

- بدر السالم العبدالوهاب. - يوسف إبراهيم الغانم.

- حمود الزيد الخالد. - خليفة فهد الغنيم .

- طلعت الغصين، أمين السر .

وعقد أول اجتماع له بتاريخ 1960/1/11.

وعين مجلس للبلدية من:

- أحمد عبدالله الفهد. - حمود النصف.

- دخيل الجسار. - سليمان المسلم.

- عبدالرزاق حمد الخالد. - عبدالعزيز الراشد.

- عبدالعزيز إبراهيم الفليج. - عبدالعزيز الشايع .

- عبداللطيف الثنيان. - عبدالله الفلاح، مدير البلدية .

- مرزوق خالد الغنيم. - مرزوق العبدالوهاب.

- منصور المزيدي. - خالد الحسن، أمين السر.

وعين كذلك مجلس المعارف بتاريخ 24/ 10/ 1960 من كل من:

- عبدالعزيز حسين، مدير المعارف. - سليمان الحداد، أمين سر.

- فهد المرزوق. - عبدالرحمن المشعان.

- فيصل الزبن. - محمد ملا حسين.

- عبدالله مشاري الروضان. - عبداللطيف النصف.

- عبداللطيف الشايع. - فهد السلطان. - عبدالعزيز القطيفي.

وقد أثارت تلك التعيينات الواسعة جدلاً كبيراًً بيننا حول مدى قبولنا لمبدأ التعيين. كنا نظن أن قبولنا لذلك المبدأ وتحديداً بعد أن كنا قد حققنا مكاسب كبيرة بالانتخابات، إنما يعبّر عن انتكاسة كبيرة لنا، ويجعلنا نبدو وكأننا طلاب مناصب، ولعلنا ربما كنا أكثر حساسية للموضوع عند الأخذ بالاعتبار أن معظم الذين قبلوا بالتعيين لهم ماض مشرف في العمل الوطني. لذلك عندما تم تعيين أول مجلس - وهو مجلس التخطيط - اتصلت بأحد التجار الذي أكن له كل احترام وتقدير سائلاً ومستغرباً هذا الموقف، فشرح لي بالتفصيل كيف حورب من قبل النظام في عمله إلى درجة الإفلاس وكيف أصبح المنافقون مليونيرية.

وأدركت خطورة وقوع كل ثروة الكويت بيد النظام الذي استغلها لتركيع الآخرين، فأصبح الموظفون والتجار تحت رحمة النظام. وهكذا حرص النظام على الاحتفاظ بهذا الموقع ومحاربة كل نشاط تجاري مستقل وقتله. وبالتالي وفرت موارد النفط الهائلة السلاح الفتاك في السيطرة على الشعوب، وهو المنهج الذي اختطته دول النفط في المنطقة دون استثناء، وأصبحت دول مجلس التعاون الخليجي تحتل المركز الأول في العالم في مجال التخلف الاجتماعي والسياسي ومحاربة أي تطور سياسي، واحتقار الإنسان وحقوقه. وكل انفتاح يحصل هو نتيجة لضغوط داخلية أو خارجية قوية . هذا الموقف الذي عَدَدته متخاذلاً من البعض جعلني أشعر بالمرارة الشديدة وهو ما جعلنا نقف ضد بعضهم في انتخابات المجلس التأسيسي. ومع أن ذلك كان في نطاق ضيق جداً إلا أنني شعرت فيما بعد بعقدة الذنب وتأنيب الضمير، وكان عليّ أن أقدر ظروف الناس الاجتماعية والمعيشية ولا أقسو بالحكم عليهم وأظلمهم، فالناس متفاوتون في قدرتهم على العطاء وتحمّل المصاعب، والمفروض أن نطلب من الآخرين المستطاع الذي يمكن أن يساهموا فيه ولا نحمّلهم ما لا طاقة لهم به. وهذا درس تعلمناه، وترجمناه بشكل عملي وفاعل بعد سنة واحدة في الانتخابات لمجلس الأمة الأول وكذا في المجالس اللاحقة.

أزمة عبدالكريم قاسم

كانت مفاجأة عبدالكريم قاسم بعزمه على ضم الكويت للعراق فرصة ليراجع كل طرف موقفه للعودة إلى الجذور، إلى صيغة التفاهم التي أرساها الأولون والتي شكلت الضمانة الأساسية للاستقرار الحقيقي والتقدم الممتاز الذي حققته الكويت وميزت به نفسها من بقية دول المنطقة.

فعندما اتضحت للشيخ عبدالله السالم الصورة الحقيقية لمشاعر الكويتيين نحوه سارع إلى المصالحة الوطنية، فدعا كلاً من جاسم القطامي ويعقوب يوسف الحميضي وعبدالله حسين الرومي للعمل عنده في الديوان الأميري، بعد أن أكد لهم أن الكويت بلدهم وعلى الجميع التعاون لحماية الوطن.

وهكذا عادت المياه إلى مجاريها الطبيعية وترسخ التعاون بين القوى الوطنية الممثلة للشعب الكويتي وعبدالله السالم بشكل قوي، مما كان له أبلغ الأثر في وضع الدستور ولجم محاولات بعض المتنفذين في العائلة ممن وقفوا بشدة ضد المشاركة في الحكم.

وعند تشكيل أول وزارة سلّم الشيخ عبدالله السالم وكالة الخارجية لجاسم القطامي لوضع الأسس التنظيمية لقيام الوزارة ووضع استراتيجية العمل في الوزارة، مع معرفته التامة بتوجهات جاسم القطامي القومية. وفعلاً فقد أنجز جاسم القطامي هذه المهمة بنجاح معتمداً على المختصين العرب ذوي التوجه القومي، وجند خيرة الشباب الكويتي ذوي التوجه القومي للعمل في السلك الخارجي، ووضع أسس السياسة الخارجية الكويتية ذات التوجه القومي الواضح. ولا أذيع سراً عندما أقول بأن الإنكليز لما سارعوا بالاعتراف بالكويت وعينوا قنصلهم الموجود في الكويت سفيراً كان قصدهم فرض سفيرهم عميداً للسلك الدبلوماسي في الكويت لكونه أول سفير يقدم أوراق اعتماده، إلا أن عبدالله السالم بناء على نصيحة من جاسم القطامي قرر رفض ذلك وقرر دعوة مصر للاستعجال في إرسال سفيرها ليكون الأول وعميداً للسلك الدبلوماسي في الكويت، إلا أن تدخّل السعودية ومطالبتها بأن يكون سفيرها الأول غيّر القرار. ولا شك في أن هوية جاسم القطامي القومية ساعدته بشكل فعال للحصول على الدعم العربي لاستقلال الكويت.

وفي خطوة مماثلة دعا الشيخ عبدالله السالم كلاً من عبدالعزيز الصقر ويوسف إبراهيم الغانم للمشاركة في اللجنة الاستشارية للمجلس الأعلى وضم المجلسين ليشكلا مجلساً واحداً يسمى «المجلس المشترك» ليكون بمثابة مجلس للوزراء يساعد في إدارة الحكم في هذه المرحلة الانتقالية المهمة لدعم استقلال الكويت وحث الدول العربية على الاعتراف بالكويت، وانضمامها إلى جامعة الدول العربية، وأرسل وفداً إلى الأمم المتحدة لحثها على الاعتراف باستقلال الكويت وقبولها عضواً في الأمم المتحدة. وشكل وفداً من اللجنة برئاسة الشيخ جابر الأحمد للقيام بجولة في الدول العربية لتحقيق ذلك، وكان معه كل من عبدالعزيز الصقر ويوسف إبراهيم الغانم ويوسف النصف وعبدالعزيز الصرعاوي سكرتيراً فزاروا كلاً من مصر والسودان وليبيا وتونس والمغرب والأردن، وكان لقاؤهم مع جمال عبدالناصر مطولاً ومميزاً مما سهل مهمتهم. فقد اجتمع معهم جمال عبدالناصر وبحضور كل من أنور السادات وعلي صبري لمدة ثلاث ساعات استعرض فيها الزعيم عبدالناصر الوضع العربي باقتدار، وبيّن المخاطر الناشئة عن تهديد العراق للكويت وإساءته لحلم الوحدة العربية ومفهومها، وقد أكد أن الوحدة بالقوة مرفوضة وأن الوحدة يجب أن تتم بالاقتناع والقبول. واستنكر أيضاً دعوة الكويت للقوات البريطانية ولكنه أبدى تفهماً واستعداداً لنشر قوات عربية لإخراج القوات البريطانية وحماية الكويت، وقد قام بالفعل في نهاية اللقاء بالاتصال بمندوب مصر في الجامعة العربية ودعاه للبدء باتخاذ خطوات لدعوة الدول العربية للمشاركة في إرسال قوات عربية لحماية الكويت. وقد زار الوفد بعد مصر عدداً من دول المغرب العربي والسودان والأردن ولبنان.

سمعنا إعلان الوحدة بين سورية ومصر في «كشك معرفي» وإعلان الجمهورية العربية المتحدة برئاسة جمال عبدالناصر

جاسم القطامي ألحّ على عبدالكريم قاسم لمعرفة موقفه من الانضمام إلى الوحدة المصرية السورية فقال له: «أنا معروف عني المباغتة والكتمان» فأخبرنا أصحابه أن الرجل لا يريد الوحدة!

حين رجعنا إلى الكويت كنا أول صحافة عربية تعري موقف قاسم من الوحدة ولم تطلب الرقابة منا التخفيف!

فصلوا جاسم القطامي من شركة السينما وخالد المسعود من وزارة التربية... وتبرع لهما محمد الرشيد بمحلات في النقرة يعيشان منها

دخل علي عبداللطيف الثويني في البيت وأمرني بعدم المقاومة لأن لديه أوامر بإطلاق النار... فوضع الحديد في يدي وأخذني إلى الأمن العام

عبدالله المبارك أمر بإجلاسي على الأرض وتقدم بسيفه ليقطع رأسي لكن عبدالله الجابر أمسك به ليعفو عني فابتسمت لسماجة التمثيلية!

الثويني فك الحديد عن يدي لكنه رفض إرجاعي إلى البيت فتراكض سواقو التاكسي الكويتيون نحوي يحمدون الله على سلامتي وأوصلوني إلى البيت

في مهرجان ثانوية الشويخ اتفقنا أن أتحدث عن الشأن العربي وجاسم القطامي عن الوضع المحلي لأنه أقل حدة مني لتفادي التداعيات
back to top