درجات التعثُّر المالي... ولحظة تدخُّل المشرّع الكويتي

نشر في 25-01-2022
آخر تحديث 25-01-2022 | 00:00
هشام عماد العبيدان
هشام عماد العبيدان
كانت البيئة المالية في الكويت قبل عام 2020 تربةً خصبةً لحدوث حالاتٍ واسعةٍ من التعثُّر المالي، ليس بالضرورة إلى درجة الإفلاس، ولكن إلى حدود حالاتٍ واسعةٍ من امتناع المشاريع التجارية والشركات عن سداد التزامَاتِهَا في ميعاد استحقاقها، إلى جانب حدوث فشل واسع في القروض.

كما عانت الشركات المساهمة الكبيرة، ويمكن الاستدلال على ذلك من نقص السيولة المُتَرَاكِم في بورصة الكويت خلال عشرية 2010-2019، وما قد زاد من صعوبة الموقف هو انتشار جائحة كوفيد-19 ونتائجها المالية السلبية.

وما كان يَنقُصُ النظام القانوني الكويتي في الحقيقة، هو تجديد نظام الإفلاس جذرياً من مجموعة موادٍ في قانون التجارة، إلى قانونٍ تفصيلي مُتَكَامِلٍ يضمُّ آلياتٍ تُعَالِجُ حالات التعثُّر المالي بشكل أوسَعِ حتى من مفهوم الإفلاس.

بناء عليه، فقد صدر القانون رقم 71 بتاريخ 25 أكتوبر 2020 بقواعد مالية؛ مثل التسوية الوقائية، وإعادة الهيكلة، إضافة للإفلاس التقليدي.

لكن يبقى التساؤل دائماً في عالم الأعمال:

إذا كانت الأزمات المالية هي مصير محتوم للمشاريع، وظروف شبه طبيعية يَمُرُّ فيها كل مشروع، فما هي اللحظة التي يتدخَّل فيها القانون ليفرض على المشروع تنظيماً جديداً لعملياته المالية والتشغيلية؟

علينا هنا البحث في درجات التعثُّر المالي، كالتالي:

- التعثُّر مع القدرة على سداد الديون في وقت استحقاقها: كأن يتوقّف المشروع عن بناء مُجمّعٍ تجاريٍّ لعدم توافر السيولة، لكن يَبقَى ملتزماً تجاه جميع الدائنين بسداد ديونه في وقتها دون تأخيرٍ.

في هذه الحالة، يمكن اعتبار التعثُّر المالي طبيعيا، لا يستَدعِي تدخُّل المشرع، لكنّه يبقى مُؤشِّراً مالياً سلبياً قد يؤثِّر في المركز المالي للمشروع، وفي قيمته السوقية.

- التوقُّف عن سداد الديون في وقت استحقاقها، ثم تسديها خلال فترة الإنذار: وهي حالة جوهرية جدية تُظْهِرُ وجودَ تعثُّرٍ مالي حقيقيٍّ، لكن يَبقَى المشروع خارج دائرة التنظيم القانوني للتعثُّر المالي؛ والسبب هو استمرار القدرة على الوفاء بالديون خلال فترة الإنذار، التي حدَّدها قانون الإفلاس بأسبوعٍ واحدٍ فقط (مادة 1، تعريف التوقُّف عن الدفع).

هذا التعثُّر مع الإنذار المُرَافِقِ له، لا يُؤثِّرُ فقط في قوة المركز المالي، بل يُشكّل إشارةً خطيرةً ومُقلِقَةً لجميع دائِنِي المشروع، ويَجعَلُ منه قابَ قوسَيْن أو أدنى من الخضوع لقواعد قانون الإفلاس.

بعد هذه المرحلة يبدأ القانون بالتدخّل، كما يلي:

- التوقّف عن سداد الديون بعد مرور مهلة الإنذار، رغم توافر سيولةٍ كافيةٍ، ورغم إمكانية استمرار المشروع: هنا لا تَكتَرِثُ إدارة المشروع بإنذار الدفع، الأمر الذي يكشف عن احتمالَيْن:

- إمَّا إهمالٌ جسيمٌ بإدارة الالتزامات المالية.

- أو تعثُّرٌ ماليٌّ خطيرٌ.

بناءً عليه، فإنَّ توافر قدرٍ كافٍ من السيولة لدى المشروع، لن يحميه من الخضوع لقواعد القانون، كالتالي:

- طلب التسوية الوقائية من المشروع المدين نفسه (مادة 57)، خوفاً من تَرَاكُمِ المُطالَبَاتِ عليه، وطمعاً في الحصول على تسويةٍ مُبَكِّرةٍ من الدائنين تُوقِفُ الغرق في الديون.

- طلب افتتاح إجراءات إعادة الهيكلة من المدين نفسه (مادة 97)، إذا تمّ رفض طلبه بالتسوية من الدائنين، وكان يَخشَى الوصول إلى مرحلة إعادة الهيكلة أو حتى الإفلاس. وتتضمّن عملية إعادة الهيكلة اتفاقا بين المدين والدائنين على جدولة الديون أو تأجيلِهَا أو تقسيطها في مقابل ضمانات وخطط تشغيلية كفيلة بإعادة المشروع إلى الطريق الصحيح.

- طلب افتتاح إجراءات إعادة الهيكلة من الدائنين (مادة 97)، رغبة منهم بعقد اتفاقٍ مع المدين يُغيِّر من طريقة الإدارة المالية للمشروع؛ بما يَحفَظ حقَّهُم جميعا من حدوث تهريبٍ لأموال المدين أو محاباة لأحدهم على حساب آخرين، دون الوصول إلى درجة تصفية المشروع وحلِّه لوجود أملٍ باستمراره في العمل.

- توافر أسبابٍ تَدفَعُ إلى الاعتقاد بإمكانية عجز المركز المالي للمشروع، مع إمكانية استمرار المشروع.

وهي حالة اعتبرها المشرع الكويتي مماثلة لحالة التوقّف عن سداد الديون.

- العجز في المركز المالي للمشروع مع إمكانية استمرار المشروع.

تفتح الحالتان السابقتان على المشروع نفس الإجراءات القانونية السابقة (المواد 57، 97، 131).

وإذا تطوّرت أزمة التعثُّر المالي، يدخل المشروع بخطر الإفلاس الفعلي، بشرط توافر الشروط التالية (مادة 131):

- التوقّف عن سداد الديون بعد مرور مهلة الإنذار، مع عدم إمكانية استمرار المشروع.

- العجز في المركز المالي للمشروع، مع عدم إمكانية استمرار المشروع، وأن تكون أعمال المدين غير قابلة للاستمرارية.

عند وصول المشروع إلى هذه الدرجة من الغرق في المركز المالي، يجوز للقاضي افتتاح إجراءات الإفلاس (مادة 131).

بالنتيجة، يمكن تأكيد أنّ المشرع الكويتي قد حاول التوفيق بين اعتبارَيْن في قانون الإفلاس رقم 71/ 2020؛ وهُمَا حماية حقوق الدائنين من جهةٍ، وعدم التسرُّع بإشهار إفلاس المشروع المتعثُّر من جهة أخرى.

فمن ناحية حماية حقوق الدائنين، فقد سَمَحَ لهم طلب إعادة الهيكلة لمُجرَّد وجود أسباب تدعو إلى القلق فيما يخصّ الامتناع عن سداد الديون، ومن ناحية عدم التسرّع بالإفلاس، فقد منح المشروع فرصة للاستمرار إذا تمّ تقديم خطَّة جِدِّيةٍ تستطيع أن تُعِيد المشروع إلى الحياة من جديدٍ.

لكن الإشكالية الواضحة من قانون الإفلاس 71/ 2020 هي أنَّه قد تَعَامَل بشكلٍ سطحيٍّ مع آليات التسوية الوقائية وإعادة الهيكلة، حيث إنّ المشرع ساوى في كثير من الأحكام بين التسوية الوقائية وإعادة الهيكلة، رغم الاختلاف الكبير من حيث عمق تأثير كلِّ إجراءٍ على المشروع المتعثّر، والصورة التي سيَخرُج عَبرَهَا من الأزمة.

وبناء عليه، فإنّ قانون الإفلاس 71/ 2020 قد أغْرَقَ في وصف تفاصيل الإجراءات، وأهْمَل البحث في الحيثيات، والاحتمالات، والأشكال القانونية التي يُمكِن أن تُساعِد المشروع على الخروج من أزمته مع حماية حقوق الدائنين في آنٍ معاً.

back to top