مسؤولية الشركات... ‏ودور مجلس الرقابة

نشر في 16-11-2021
آخر تحديث 16-11-2021 | 00:00
هشام عماد العبيدان
هشام عماد العبيدان
لقد كان على المشرع لدى إعداده لقانون الشركات رقم 1/2016 ‏استقطاب أصحاب رؤوس الأموال من الراغبين بعدم خروج ‏الحصص خارج إطار المؤسسين إلا وفق شروط استثنائية؛ مثل ‏الشركات الحصصية العائلية، وكذلك الراغبين بتحديد مسؤولية ‏الشركاء عن ديون الشركة في إطار حصة كل شريك؛ مثل شركة ‏المساهمة العامة.‏

لهذا، فقد سمح المشرع بتأسيس شركة حصصية ذات ‏مسؤولية محدودة؛ حتى يتشجع أصحاب رؤوس الأموال نحو ‏استثمار أموالهم في شركة لا يسألون عن ديونها إلا في حدود ‏حصتهم في رأس المال (م/92 شركات).‏

لكن الإشكالية الكبرى في هذا النوع من الشركات، هو إدارتها؛ ‏حيث إن تحديد المسؤولية في إطار الحصص، قد يغري الإدارة ‏بتنفيذ عمليات مضاربة خطرة جدا؛ والسبب أن هذه الإدارة ‏تعرف أن الحد الأقصى للمسؤولية هو حصة كل شريك في رأس ‏المال.‏

هذا الواقع، فرض على المشرع أن يختار بين نقيضين؛ إما أن ‏يفتح حدود مسؤولية الشركاء عن الشركة؛ وهذا سيخالف طبيعة ‏الشركة المحدودة والغاية من وجودها، أو أن يتجاهل مخاطر ‏استغلال الشركة المحدودة؛ وهذا قد يؤدي إلى انتشار حالات ‏الإفلاس التي لا يجد فيها الدائنون ما ينفذون عليه من أموال ‏الشركة، وهو ما يقترب من مفهوم النصب إذا اكتملت أركان ‏الجريمة.‏

وقد اختار المشرع الحل الوسط؛ فأقر المسؤولية غير ‏المحدودة لإدارة الشركة تجاه الشركة والشركاء والغير، وذلك إذا ‏ثبتت مخالفة القانون أو عقد الشركة أو الخطأ في الإدارة.‏

ومن ذلك، أن تخاطر الإدارة في رأس المال بشكل يخالف ‏الغرض من إنشائها وفق عقد تأسيسها؛ كأن تكون الشركة مرخصة ‏بصناعة المواد الغذائية، فتقوم الإدارة بشراء أسهم في البورصة ‏بغرض المضاربة، ثم تخسر قيمة الأسهم؛ فهنا يكون ‏المديرون مسؤولين، بالتضامن في ذممهم الشخصية بشكل غير ‏محدود، بتعويض الشركاء عن مبلغ الخسارة.‏

كما أن إدارة شركة المقاولات مثلا، إذا لم تضع أمام مكان ‏الإنشاءات الخطرة أية تحذيرات للناس من المشاة حتى لا يقتربوا ‏من المكان، ثم أصاب أحدهم ضرر نتيجة عدم التحذير، فإن ‏المديرين يكونون مسؤولين بشكل غير محدود تجاه المتضرر ‏بتعويضه عما لحقه من ضرر.‏

لكن المشرع رأى أن وضع عبء المسؤولية كاملا على الإدارة ‏بهذا الشكل، قد يكون غير منطقي إذا توسعت الشركة في أعمالها ‏وازدادت المسؤوليات على الإدارة.‏

فالمديرون قد يخطئون في إدارة الشركة نتيجة تراكم ‏المسؤوليات، وستكون نتيجة الخطأ عليهم مبالغاً فيها، عندها قد ‏لا تكفي ذمم المديرين ذاتها لتعويض الشركة أو الشركاء الغير عن ‏أخطاء الإدارة.‏

لهذا، فقد ألزم المشرع شركة المسؤولية المحدودة التي يتجاوز ‏عدد شركائها 7 شركاء بتعيين مجلس رقابة على أعمالها، ‏بشرط أن تكون عضوية المجلس للشركاء من غير المديرين لمدة ‏‏3 سنوات قابلة للتجديد، بحيث يساهم هذا المجلس في فرض ‏المسؤولية غير المحدودة على إدارة الشركة المحدودة عبر ‏اكتشاف أخطائها، وتتمثل المهام الأساسية لمجلس الرقابة هذا، ‏فيما يلي (م/107 شركات):‏

• يراجع المجلس دفاتر الشركة، ووثائقها، ويجرد صندوقها ‏وبضائعها، والأوراق المالية، وأية مستندات أخرى تثبت ‏حقوق الشركاء؛ وهذا يسمح للمجلس بتحديد رأسمالها ‏الدفتري، والتأكد من وجوده.‏

• يطالب المجلس الإدارة بتقديم تقارير عن أعمالها؛ وهذا ‏يندرج ضمن نطاق العمل الرقابي الروتيني على الإدارة.‏

• يراقب المجلس ميزانية الشركة، وتوزيع الأرباح، وتقريرها ‏السنوي؛ وهنا يقوم المجلس بدور شبيه لدور مراجع ‏الحسابات، لكن هذا الدور رهنٌ بمدى قدرة أعضاء المجلس ‏على تدقيق الحسابات.‏

• يقدم المجلس تقريرا سنويا عن جميع أعماله السابقة إلى ‏الجمعية العامة للشركة؛ وهكذا يقر المجلس بما قام به، ‏فإذا قال في تقريره إن أمور الشركة تسير على ما يرام، فإنه ‏يصادق على ذلك تحت طائلة مسؤوليته.‏

وهنا نصل إلى النقطة الحاسمة في نجاح فكرة مجلس الرقابة ‏من عدمه، حيث إن قيام المجلس بمهامه بشكل روتيني تقليدي ‏بما يجعل أخطاء الإدارة تمر عليه دون أن ينتبه إليها، سيعني ‏توسيع نطاق المسؤولين بشكل شخصي غير محدود عن ديون ‏الشركة ذات المسؤولية المحدودة، حيث جاء في قانون الشركات قاعدةٌ مفادها أن مجلس الرقابة ‏في الشركة المحدودة غير مسؤول مبدئيا عن أعمال المديرين، إلا ‏إذا علم أعضاء مجلس الرقابة بما وقع من المديرين من أخطاء، ‏ثم أغفل أعضاء مجلس الرقابة ذكر هذه الأخطاء في تقريرهم ‏المقدم للجمعية العامة للشركة.‏

وإذا أمعنا النظر في شروط قيام المسؤولية غير المحدودة على ‏أعضاء مجلس الرقابة، وجدنا أن الاستثناء -وهو قيام المسؤولية- ‏سيكون هو القاعدة في أغلب الحالات؛ والسبب أن قرينة العلم ‏بالخطأ قد تقوم على أعضاء المجلس بمجرد قيامهم بالمهام ‏الروتينية ومصادقتهم على دقة المستندات والدفاتر، حتى وإن لم ‏يدركوا تماما طبيعة المخالفات التي تقوم بها الإدارة.‏

على سبيل المثال، فإن مجرد قيام مجلس الرقابة بعملية جرد ‏للمستندات ومصادقتهم على اكتمالها، يقيم الدليل على علم ‏أعضاء المجلس بما كان يكتنف هذه المستندات من نقص ‏وإغفالهم لهذا النقص، إذا لم يشر هؤلاء الأعضاء إلى هذا النقص ‏في تقريرهم إلى الجمعية العامة، ذلك حتى وإن لم يستطع ‏الأعضاء في الواقع اكتشاف النقص بسبب ضعف خبرتهم في ‏عمليات الجرد.‏

وهكذا يكون من حق دائني الشركة توسيع نطاق المسؤولين ‏عن ديونها الناتجة عن أخطاء المديرين بشكل غير محدود، إلى ‏ذمم جميع أعضاء مجلس الرقابة.‏

ولكن هذا الأمر لا يعد إيجابيا؛ فهو يتنافى مع طبيعة شركة ‏المسؤولية المحدودة؛ خاصة أن المشرع قد اشترط في أعضاء ‏مجلس الرقابة أن يكونوا من الشركاء، وهؤلاء قد لا تكون لديهم ‏الخبرة الكافية للقيام بعمليات المراجعة الميدانية، والتفتيش، ‏والتدقيق المالي؛ لذلك من الممكن جدا أن يقوموا بهذه المهمة ‏بشكل شكلي فقط.‏

‏ بناء عليه، يبدو أنه من الأفضل إلزام مجلس الرقابة بتعيين ‏لجنة خبراء تعمل تحت إشراف المجلس؛ بحيث تكون من ‏المتخصصين في مهام المجلس كما نص عليها القانون.‏

عندها تكون قرينة العلم بخطأ الإدارة، قرينة عادلة ومبررة ‏تجاه لجنة الخبراء المتخصصة وتجاه أعضاء مجلس الرقابة بعد ‏إعلامهم بهذا الخطأ من لجنة الخبراء؛ لأن المسؤولية عن المهام ‏الرقابية ستكون على عاتق لجنة قادرة على اكتشاف الخطأ، فإذا ‏أغفل تقاريرها هذا الخطأ، يكون ذلك مسوغا منطقيا وعادلا لفتح ‏نطاق المسؤولية المحدودة.‏

* هشام عماد العبيدان

back to top