مسؤولية الشركات... ودور مجلس الرقابة
لقد كان على المشرع لدى إعداده لقانون الشركات رقم 1/2016 استقطاب أصحاب رؤوس الأموال من الراغبين بعدم خروج الحصص خارج إطار المؤسسين إلا وفق شروط استثنائية؛ مثل الشركات الحصصية العائلية، وكذلك الراغبين بتحديد مسؤولية الشركاء عن ديون الشركة في إطار حصة كل شريك؛ مثل شركة المساهمة العامة.لهذا، فقد سمح المشرع بتأسيس شركة حصصية ذات مسؤولية محدودة؛ حتى يتشجع أصحاب رؤوس الأموال نحو استثمار أموالهم في شركة لا يسألون عن ديونها إلا في حدود حصتهم في رأس المال (م/92 شركات).لكن الإشكالية الكبرى في هذا النوع من الشركات، هو إدارتها؛ حيث إن تحديد المسؤولية في إطار الحصص، قد يغري الإدارة بتنفيذ عمليات مضاربة خطرة جدا؛ والسبب أن هذه الإدارة تعرف أن الحد الأقصى للمسؤولية هو حصة كل شريك في رأس المال.هذا الواقع، فرض على المشرع أن يختار بين نقيضين؛ إما أن يفتح حدود مسؤولية الشركاء عن الشركة؛ وهذا سيخالف طبيعة الشركة المحدودة والغاية من وجودها، أو أن يتجاهل مخاطر استغلال الشركة المحدودة؛ وهذا قد يؤدي إلى انتشار حالات الإفلاس التي لا يجد فيها الدائنون ما ينفذون عليه من أموال الشركة، وهو ما يقترب من مفهوم النصب إذا اكتملت أركان الجريمة.
وقد اختار المشرع الحل الوسط؛ فأقر المسؤولية غير المحدودة لإدارة الشركة تجاه الشركة والشركاء والغير، وذلك إذا ثبتت مخالفة القانون أو عقد الشركة أو الخطأ في الإدارة.ومن ذلك، أن تخاطر الإدارة في رأس المال بشكل يخالف الغرض من إنشائها وفق عقد تأسيسها؛ كأن تكون الشركة مرخصة بصناعة المواد الغذائية، فتقوم الإدارة بشراء أسهم في البورصة بغرض المضاربة، ثم تخسر قيمة الأسهم؛ فهنا يكون المديرون مسؤولين، بالتضامن في ذممهم الشخصية بشكل غير محدود، بتعويض الشركاء عن مبلغ الخسارة.كما أن إدارة شركة المقاولات مثلا، إذا لم تضع أمام مكان الإنشاءات الخطرة أية تحذيرات للناس من المشاة حتى لا يقتربوا من المكان، ثم أصاب أحدهم ضرر نتيجة عدم التحذير، فإن المديرين يكونون مسؤولين بشكل غير محدود تجاه المتضرر بتعويضه عما لحقه من ضرر.لكن المشرع رأى أن وضع عبء المسؤولية كاملا على الإدارة بهذا الشكل، قد يكون غير منطقي إذا توسعت الشركة في أعمالها وازدادت المسؤوليات على الإدارة.فالمديرون قد يخطئون في إدارة الشركة نتيجة تراكم المسؤوليات، وستكون نتيجة الخطأ عليهم مبالغاً فيها، عندها قد لا تكفي ذمم المديرين ذاتها لتعويض الشركة أو الشركاء الغير عن أخطاء الإدارة.لهذا، فقد ألزم المشرع شركة المسؤولية المحدودة التي يتجاوز عدد شركائها 7 شركاء بتعيين مجلس رقابة على أعمالها، بشرط أن تكون عضوية المجلس للشركاء من غير المديرين لمدة 3 سنوات قابلة للتجديد، بحيث يساهم هذا المجلس في فرض المسؤولية غير المحدودة على إدارة الشركة المحدودة عبر اكتشاف أخطائها، وتتمثل المهام الأساسية لمجلس الرقابة هذا، فيما يلي (م/107 شركات): • يراجع المجلس دفاتر الشركة، ووثائقها، ويجرد صندوقها وبضائعها، والأوراق المالية، وأية مستندات أخرى تثبت حقوق الشركاء؛ وهذا يسمح للمجلس بتحديد رأسمالها الدفتري، والتأكد من وجوده.• يطالب المجلس الإدارة بتقديم تقارير عن أعمالها؛ وهذا يندرج ضمن نطاق العمل الرقابي الروتيني على الإدارة.• يراقب المجلس ميزانية الشركة، وتوزيع الأرباح، وتقريرها السنوي؛ وهنا يقوم المجلس بدور شبيه لدور مراجع الحسابات، لكن هذا الدور رهنٌ بمدى قدرة أعضاء المجلس على تدقيق الحسابات.• يقدم المجلس تقريرا سنويا عن جميع أعماله السابقة إلى الجمعية العامة للشركة؛ وهكذا يقر المجلس بما قام به، فإذا قال في تقريره إن أمور الشركة تسير على ما يرام، فإنه يصادق على ذلك تحت طائلة مسؤوليته.وهنا نصل إلى النقطة الحاسمة في نجاح فكرة مجلس الرقابة من عدمه، حيث إن قيام المجلس بمهامه بشكل روتيني تقليدي بما يجعل أخطاء الإدارة تمر عليه دون أن ينتبه إليها، سيعني توسيع نطاق المسؤولين بشكل شخصي غير محدود عن ديون الشركة ذات المسؤولية المحدودة، حيث جاء في قانون الشركات قاعدةٌ مفادها أن مجلس الرقابة في الشركة المحدودة غير مسؤول مبدئيا عن أعمال المديرين، إلا إذا علم أعضاء مجلس الرقابة بما وقع من المديرين من أخطاء، ثم أغفل أعضاء مجلس الرقابة ذكر هذه الأخطاء في تقريرهم المقدم للجمعية العامة للشركة.وإذا أمعنا النظر في شروط قيام المسؤولية غير المحدودة على أعضاء مجلس الرقابة، وجدنا أن الاستثناء -وهو قيام المسؤولية- سيكون هو القاعدة في أغلب الحالات؛ والسبب أن قرينة العلم بالخطأ قد تقوم على أعضاء المجلس بمجرد قيامهم بالمهام الروتينية ومصادقتهم على دقة المستندات والدفاتر، حتى وإن لم يدركوا تماما طبيعة المخالفات التي تقوم بها الإدارة.على سبيل المثال، فإن مجرد قيام مجلس الرقابة بعملية جرد للمستندات ومصادقتهم على اكتمالها، يقيم الدليل على علم أعضاء المجلس بما كان يكتنف هذه المستندات من نقص وإغفالهم لهذا النقص، إذا لم يشر هؤلاء الأعضاء إلى هذا النقص في تقريرهم إلى الجمعية العامة، ذلك حتى وإن لم يستطع الأعضاء في الواقع اكتشاف النقص بسبب ضعف خبرتهم في عمليات الجرد.وهكذا يكون من حق دائني الشركة توسيع نطاق المسؤولين عن ديونها الناتجة عن أخطاء المديرين بشكل غير محدود، إلى ذمم جميع أعضاء مجلس الرقابة.ولكن هذا الأمر لا يعد إيجابيا؛ فهو يتنافى مع طبيعة شركة المسؤولية المحدودة؛ خاصة أن المشرع قد اشترط في أعضاء مجلس الرقابة أن يكونوا من الشركاء، وهؤلاء قد لا تكون لديهم الخبرة الكافية للقيام بعمليات المراجعة الميدانية، والتفتيش، والتدقيق المالي؛ لذلك من الممكن جدا أن يقوموا بهذه المهمة بشكل شكلي فقط. بناء عليه، يبدو أنه من الأفضل إلزام مجلس الرقابة بتعيين لجنة خبراء تعمل تحت إشراف المجلس؛ بحيث تكون من المتخصصين في مهام المجلس كما نص عليها القانون.عندها تكون قرينة العلم بخطأ الإدارة، قرينة عادلة ومبررة تجاه لجنة الخبراء المتخصصة وتجاه أعضاء مجلس الرقابة بعد إعلامهم بهذا الخطأ من لجنة الخبراء؛ لأن المسؤولية عن المهام الرقابية ستكون على عاتق لجنة قادرة على اكتشاف الخطأ، فإذا أغفل تقاريرها هذا الخطأ، يكون ذلك مسوغا منطقيا وعادلا لفتح نطاق المسؤولية المحدودة.* هشام عماد العبيدان