خالد سعود الزيد وفعل القراءة

نشر في 12-10-2021
آخر تحديث 12-10-2021 | 00:00
كان يقرأ 30 صفحة يومياً
كان يقرأ 30 صفحة يومياً
كتب : أ. د. علي عاشور الجعفر

درج على حب القراءة منذ طفولته، لم يكن كأترابه منشغلاً باللعب فحسب؛ بل كان يقرأ ويلعب، ويلعب ويقرأ، يصنع الأمرين على التوازي دون طغيان، مستغرقا في القراءة حتى تحسبه لا يلعب، ومستهلكا في اللعب حتى تظنه لا يقرأ شيئا.

أعانه على ذلك ما وجده من كتب في دار أبيه الذي كان صاحب علم ومعرفة ومعلم أيضا، فضلا عن مكتبة المدرسة القبلية التي كان يستعير منها الكتب، وكذلك أخته (شيخة)، التي كانت تدرس في المدرسة القبلية للبنات، فتستعير الكتب أيضا، فيقرأ كل منهما كتابه ثم يتبادلانهما، حتى أتيا على الكتب التي كانت متوافرة في المكتبة كلها.

أخذته القراءة في عوالمها، جعلت وعيه ينضج مبكرا ويفوق أقرانه تفكيرا وإنشاء وإلقاء، وقد تجاوز قراءة السّيَر الشعبية للمتعة إلى قراءتها للبحث والتنقيب والتحقيق، حيث قرأ سيرة الزير سالم، وحاول أن يجمع أشعار امرئ القيس وأخباره من السيرة، مستدركا على السندوبي صاحب كتاب "امرئ القيس والمراقسة" ما فاته من شعر أو خبر.

إن هذا الوعي المبكر لأهمية السير الشعبية والرواية الشفاهية واعتمادها مصدرا أصيلا في التحقيق ينمّ عن عقلية بحثية توثيقية تقدّر المادة العلمية، وتدرك مبكرا أهمية الفولكلور باعتباره مصدرا من المصادر التي تُعتمد في التحقيق. تنوعت مصادر القراءة واتسعت دائرتها، وربما كشف لنا كتابه الأول "من الأمثال العامية" (1961) مدى التنوع القرائي من خلال المصادر التي اعتمدها في توثيق الرواية الشفاهية أو مقابلتها، كما بيّن ذلك الصديق د. عباس الحداد في تقديمه وتعليقه على الطبعة الثالثة من الكتاب التي صدرت أخيرا. وحين تصدى الزيد لتوثيق الحركة الأدبية والفكرية والثقافية في الكويت، وراح يترجم لأدباء الكويت في كتابه العَلامَة "أدباء الكويت في قرنين"، كشف لنا الزيد عن الروافد التي استقى منها مادته، والوثائق التي اعتمدها في تحريره، فضلا عن الوعي النقدي والتوثيقي والبحث العلمي الذي تبدّى لديه مبكرا وهو يصوغ عبارته الأدبية، ويكسوها بألفاظ قرآنية تجعلها تشعّ جمالا واختزالا للمعنى والدلالة.

ثم تطوّر مفهوم القراءة لدى الزيد وأخذ ينحو نحو قراءة الوجود وفهم النص القرآني، فهما يتوافقان وفهم المتدبرين والمتأملين، لا يتوقف عند فهم المفسرين، بل راح يَبْصُر ما في نفسه من معانٍ وآيات وعوالم انطوى فيها العالم الأكبر، "وفي أنفسكم أفلا تبصرون"، فأعمل عقله وطهَّر ثيابه، وهجر رجزه، وسعى إلى أن يكون من المتدبرين والقارئين لآيات الحق في الخلق والوجود.

وتجلى ذلك في تجربته الشعرية تصويرا وتعبيرا، فحسبك وهو ينشد قائلا في محمد صلى الله عليه وآله وسلم:

ما لمعناهُ في الحقيقة حدُّ

كلُّ شيءٍ من نُوره مُستَمدُّ

هو هذي العصورُ تترى تِباعا

هو هذي الجموعُ حين تُعَدُّ

هكذا مرّت تجربة القراءة عند الزيد، بدءا من الشغف لذات القراءة، ثم التحقيق والتأليف، وانتهاء بالتأمل والتدبر للوجود. رحم الله شيخي ومعلمي أبوسعود، وحديثه المتصل الدائم لنا بضرورة القراءة وأهميتها، إذ يقول لنا: كنت أقرأ في كل يوم ثلاثين صفحة على الأقل لا أتوقف عن ذلك. منذ تلك عرفت بعدها الدرس حتى أصبحت القراءة نديمي لا أحول عنها أبدا.

back to top