صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4864

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

قراءة ... في حركات الكويت الإسلامية (1)

  • 21-09-2021

كتاب د. الزميع ليس مجرد دراسة لمسيرة الإسلاميين الحركية في الكويت، بل يمهد لفهم ذلك بمقدمة شاملة عن تشكل ونمو هذا المجتمع، وأسباب هجرة الكويتيين «الأوائل» من الدول المجاورة، ويرى أن أهم هذه الأسباب، «تلك التي نجمت عن الفوضى السياسية السائدة في معظم أنحاء المنطقة، حيث لم تكن هناك حكومة مركزية تستطيع أن تحتوي هذه الفوضى المنتشرة بين القبائل».

نالت الحركة الإسلامية في الكويت اهتمام العديد من الباحثين، ممن نشروا حولها الكتب والأوراق البحثية والدراسات القيمة، كما اهتم بالموضوع نفسه الباحثون في الحركة الإسلامية العربية والخليجية وغيرهم، ويأتي كتاب د. علي الزميع تتويجاً لهذا الجهد العلمي الذي يستحق التقدير والثناء.

كتاب د. علي الزميع الواقع بجزأيه في ما يقارب الـ900 صفحة بعنوان "الحركات الإسلامية السنية والشيعية في الكويت"، بمنزلة دراسة لا مثيل لها في الشمول والإحاطة وعمق البحث.

الجزء الأول من الكتاب الموسوعي، أطروحة دكتوراه بالإنكليزية مقدمة لجامعة "إكستر" Exeter البريطانية، ترجمها للعربية المترجم القدير "بدر ناصر المطيري"، ويدرس هذا الجزء مسارات التأسيس ما بين عام 1950 و1981، نحو 30 سنة، ويتناول الجزء الثاني الفترة الممتدة إلى اليوم تقريباً 1981- 2019، نحو 40 سنة، وبذلك يجد القارئ بين يديه بحثا عميقاً لسائر الجماعات الإسلامية في الكويت منذ عام 1950 إلى اليوم، أكثر من سبعين عاماً.

د. علي الزميع ليس مجرد دارس جامعي، رمته "المصادفات الأكاديمية" لبحث هذا الموضوع المتفرع الشائك، بل يستفيد قارئ الكتاب من خبرات الباحث العميقة في المجال الديني والمذهبي والحركي، وتاريخ نشاطه السياسي الممتد في تيار الإخوان المسلمين، واطلاعه على تفاصيل غير متاحة للكثيرين، كما كان الباحث في مجال تجربته وبعض مراحل نشاطه، "ضابط اتصال" بين الإخوان والسلف وكذلك الشيعة، على ما جرى بين هذه الأطراف في فكرها ونشاطها من اتفاق وافتراق وتفاهم وتطاحن.

وتظهر معالجته لدقائق الجماعات الشيعية علاقته الوثيقة بهم وقدرته على كسب ثقتهم ونيل ودهم، فتتناول جماعاتهم بأقصى درجات الموضوعية، وتفهم اختلافاتهم ومخاوفهم من "الوسط السني" وضغوطه السياسية.

وكان د. الزميع فوق ذلك حائزاً ثقة التيار السلفي وقادراً على التفاهم معه لكونه ممن تتلمذوا على يد المؤسس الفكري للحركة السلفية في الكويت "الشيخ عبدالرحمن عبدالخالق"، ولذلك نرى د. الزميع لا يبخس الجماعة السلفية حقها ودورها بموضوعية، فيرصد مثلا ما جرى خلال الفترة 1974-1981 من ابتعاد الشيخ "عبدالرحمن عبدالخالق" عن الخط الإخواني وانتقاله للمدرسة السلفية، وما "أعقبه بالولاء التام للسلفيين، حتى أنه انغمس في حملة ضد الإخوان رغم أنه كان سابقاً ممن يميل إليهم". (ص205).

وكان الباحث د. الزميع، إلى جانب هذا كله، ممن تولوا المسؤولية الوزارية للأوقاف والشؤون الإسلامية الكويتية، واطلع وعرف ما ينتهي إلى أرشيفها عادة من تفاصيل الصراعات الإسلامية السنية، والسنية - الشيعية، والشيعية- الشيعية، وكل المعلومات الأساسية المتعلقة بهذه الجوانب.

كتاب د. الزميع ليس مجرد دراسة لمسيرة الإسلاميين الحركية في الكويت، بل يمهد لفهم ذلك بمقدمة شاملة عن تشكل ونمو هذا المجتمع، وأسباب هجرة الكويتيين "الأوائل" من الدول المجاورة، ويرى أن أهم هذه الأسباب، "تلك التي نجمت عن الفوضى السياسية السائدة في معظم أنحاء المنطقة، حيث لم تكن هناك حكومة مركزية تستطيع أن تحتوي هذه الفوضى المنتشرة بين القبائل، القبائل الوهابية، وبني خالد، وبين الوهابيين والعتوب، وبين كل هذه القبائل مجتمعة والقبائل الشيعية القاطنة على طول الشواطئ الإيرانية للخليج".

حيث يرى الباحث أن هذه القبائل داخل الجزيرة العربية أو إيران، "كانت تنتقل من مكان إلى آخر تبعاً لانتصارها أو هزيمتها، لذلك كان غياب الاستقرار السياسي واشتعال الصراع الداخلي هو الصفة الغالبة للحياة في شبه الجزيرة العربية وإيران في ذلك الوقت". (ص29).

وتحتاج هذه النقطة إلى شيء من التوضيح. فالمجتمعات الشيعية مثلا على الجانب العربي من الخليج كالبحرين والأحساء، مجتمعات حضرية غير قبلية، وهي مجتمعات زراعية قديمة ثابتة، ولكن الوضع الاقتصادي على كل حال كان بالغ السوء فيما يبدو، ولهذا كما يقول الباحث، "اضطر التجار إلى الانتقال من مكان إلى آخر سعياً وراء المراكز التجارية الأكثر استقراراً وأماناً، فكانت مدينة الكويت عامل جذب لهؤلاء الباحثين عن أسباب الأمن والنماء، كما كانت الكويت من أكبر مراكز الغوص على اللؤلؤ"، والى جانب هذا، كانت "السيطرة الوهابية الصارمة على مناطق من الأحساء والقطيف بعد هزيمة بني خالد سببا وراء دفع جماعات من الشيعة للهجرة والقدوم الى الكويت". (ص30).

كان للحركة الدينية في الجزيرة العربية ممثلة في الحركة الوهابية خاصة وفي صراعاتها مع الآخرين، تأثيرها السلبي على العمل الإسلامي القادم من الكويت، فقد تسببت هذه التجربة في نفور الكويتيين من الحركات الدينية والتزمّت... وحتى كلمة "الإخوان"!

يقول د. الزميع: "وبشكل عام لم يكن سكان المدينة الكويتية يميلون نحو الحركة الوهابية، كما لم يعارضوها طالما بقيت حركة دينية فقط"، (ص79) وهذه ملاحظة مهمة في "تشخيص المزاج الديني" لقطاع مهم من الكويتيين في تلك المرحلة، ونرى برهان ذلك في كتاب وأفكار المؤرخ عبدالعزيز الرشيد الذي يحاول جاهداً الجمع بين المحافظة الحنبلية وأفكار المصلح الشيخ محمد رشيد رضا. ومما ساعد في نفور الكويتيين من التعصب الديني ما يشير اليه الباحث من "معارضة الأسرة الحاكمة في الكويت لانتشار الوهابية وتعاليمها داخل المجتمع الكويتي"، وذلك خوفا من النتائج السياسية لانتشارها، وإن كان للوهابية أثرها في القبائل، كما يقول د. الزميع ويقارن الوضع داخل المدينة وفي البادية، فيقول: "كانت الكويت حتى بداية عقد الخمسينيات تحتفظ بطابع بسيط وتقليدي فقد كان أغلبية السكان متدينين يحافظون على أداء شعائرهم الدينية، وينطبق هذا الوصف على السكان داخل المدينة وفي البادية، مع تفاوت في درجة فهمهم للإسلام وممارستهم لشعائره". (ص77)

ولكن بعكس المدينة، "كانت البادية خالية من العلماء والأنشطة الدينية بشكل عام، نظراً لطبيعة الحياة البدوية التي تعتمد على التنقل والترحال المستمر، وقد حال ذلك دون وجود أي نشاط ديني أو علمي فيها"

ويضيف د. الزميع: "وللبدو طبيعة تدين خاصة تتميز بالتطرف في بعض المسائل، لتأثرهم بالحركة الوهابية التي كان مقرها بالقرب من حدود الكويت في مناطق البدو المجاورة لوسط الجزيرة العربية، ونتيجة لذلك تأثرت الكويت بهذه الحركة وفكرها، شأنها في ذلك شأن سائر مجتمعات الجزيرة والخليج التي تأثرت بها بشكل أو بآخر". (ص78).

ويضيف د. فهد الزميع في تحليل مجتمع البادية ضمن بحثه المعد ربما سنة 1988 ولا شك أن الحياة في الوسط القبلي الكويتي قد تجاوزت ذلك بمراحل، يقول: "ولا يزال حتى الآن يلاحظ هذا التأثر بين جماعات البدو من خلال الحرص على بعض مظاهر التدين، مثل إطلاق اللحى وتقصير الملابس، والبعد عن تدخين السجائر، والخوف من كل فكر وافد جديد حذرا من أن يؤدي إلى الابتداع في الدين، لهذا كانت هذه الجماعات أضيق أفقا في المجتمع، فقد عارضوا التوسع في تعليم البنات وقاوموا مظاهر التغيير الاجتماعي الأخرى، يُظهر ذلك كله كيف كان للتأثير الوهابي بصمة على قطاعات من المجتمع التي خالطت وتواجدت في محيط البيئة الوهابية. (ص79).

وقد تثير هذه الملاحظات البعض ضد الباحث، ولكن د. الزميع ينتقد "الحضر" كذلك بقوة وصراحة كما سنرى، فقد حصل المواطنون الكويتيون داخل المنطقة الحضرية بموجب تحليل الباحث على معظم عوائد النفط من خلال توفير السكن المجاني، ونظام التأمينات، وأنواع المساعدات، وهناك من استفاد من الثروة المتدفقة بشكل أكبر، يقول: "كان المستفيد الأكبر هم بعض رجال الأعمال وسماسرة العقار الذين جنوا منها ثروات طائلة"، ويضيف د. الزميع أن الفئات الأفقر في المجتمع، "لم تحصل على نصيب من الثروة النفطية عند توزيعها، إما بسبب حالتها الاجتماعية التي حرمتها من أي علاقة مع السلطات المعنية أو لغيابها عن المدينة وقت التوزيع". (ص40)

وينتقل الباحث بعد هذه المقدمة التاريخية الاجتماعية الى بداية العمل الإسلامي الحركي المنظم!

يتبع غداً،،،

خليل علي حيدر