صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4843

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

كيف يمكن رؤية ما هو أبعد من المجموعة الشمسية؟

  • 25-07-2021

ينظر علماء الفلك بنحو عام إلى الشمس على أنها عائق أمام الأشياء التي يرغبون في دراستها. ولكنها قد تكون المفتاح الذي يمكنهم من مراقبة الكواكب الشبيهة بالأرض على بعد عدة سنوات ضوئية منا.

لكن بالنسبة إلى توريشيف هناك مشكلة محبطة. يقول: "نستنتج وجود هذه الكواكب. لا نراها". تقع الكواكب النجمية التي يحتمل أن تكون شبيهة بالأرض في أكثر الأحيان على بعد مئات السنين الضوئية. هذه مسافة بعيدة جداً بالنسبة إلينا، ولا تمكننا من رؤيتها مباشرة.

بدلاً من ذلك، علينا أن نستنتج وجودها، ويحدث ذلك عادة عن طريق رؤية ضوء نجمها يخفت قليلاً في أثناء مرور الكوكب أمامه، أو رؤية النجم يتأرجح بتأثير من جاذبية الكوكب. ولكن حتی مسح ضوء النجوم الذي يمر عبر الغلاف الجوي للكوكب بحثاً عن علامات على الأكسجين والماء يمكن أن يعطينا نتائج إيجابية كاذبة.

وهذا يجعل من الصعب جداً على علماء الفلك تقديم دليل قاطع على أن هذه الكواكب هي بالفعل مسرح عظيم للحياة. من يقول إنها ليست مجرد سراب هامد في الصحراء الكونية؟ لا عجب أننا نتحرق إلى إلقاء نظرة فاحصة عليها.

الحجم مهم

يمثل تصوير كوكب نجمي شبيه بالأرض. حتى لو كان مجرد بکسل واحد في الصورة - تحدياً هائلاً. يقول توريشيف: "إذا أردت أن أری أرضاً أخرى من مسافة 100 سنة ضوئية، فأنا في حاجة إلى تلسكوب يبلغ قطره 90 كم". ستغطي مرآة مثل هذا التلسكوب مساحة أكبر من لندن وباريس ونيويورك وطوكيو مجتمعة. أكبر التلسكوبات على الأرض لديها حالياً مرايا يبلغ قطرها نحو 10 م. حتی التلسكوب الكبير جدا الجديد Extremely Large Telescope، وهو قید الإنشاء حالياً في تشيلي، سيعمل بمرآة عرضها 39 م. "فقط" عند اكتماله في عام 2025. يقول توريشيف: "لا يمكننا رؤية الكواكب في الخلفية باستخدام التلسكوبات الحالية أو حتى تلك المخطط لبنائها في المستقبل القريب". إذا أردنا صورة أكثر تفصيلاً من النوع الذي يمكن أن يخبرنا شيئاً مفيداً عن الكوكب - نحتاج إلى مرآة قطرها أكبر من ذلك بكثير.

ولكن ما زالت الفرصة سانحة. فتوريشيف هو العقل المدبر وراء فكرة جريئة لاستغلال ثغرة فلكية، وهو شيء يصفه بأنه "هبة من الطبيعة"، إنه يعمل على طريقة جديدة تماماً لتصوير كوكب نجمي يشبه الأرض باستخدام أكبر ما في حوزتنا على مدى سنوات ضوئية آتية: إنه الشمس.

تشوه الأجرام الضخمة مثل الشمس نسيج الفضاء المحيط بها. الأرض، على سبيل المثال، عالقة في بئر من الجاذبية من صنع الشمس، ولهذا السبب نحن عالقون في مدار حولها. يضطر أي ضوء يقترب من المجموعة الشمسية من أي مكان آخر إلى اتباع هذا الانحناء المحلي للقضاء. ينتهی الضوء بالانحناء حول الشمس تحت تأثير يسمى تأثير عدسة الجاذبية Gravitational lensing فمثل عدسة مكبرة عملاقة، تضخم الشمس الضوء الآتي من الكواكب النجمية البعيدة بما يصل إلى 100 بليون ضعف.

لرؤية صورة لكوكب نجمي، علينا فقط أن نضع مركبة فضائية في المنطقة التي تجعل فيها الشمس ضوءه في بؤرة. فالشمس هي بمنزلة تلسكوب الكون الهائل الذي لا يمكن لعلماء الفلك أن يتخيلوا بناءه إلا في أحلامهم.

تضطلع الشمس بالجزء الكبير من المهمة بحيث إن كل ما تحتاج إليه المركبة الفضائية التي ترسلها لالتقاط الضوء هي مرآة قطرها متر واحده أي أقل من نصف قطر مرآة التلسكوب هابل الفضائي.

إن الإمكانات التي تعد بها تقنية كهذه هائلة. فبدلاً من رؤية الكوكب كله على بكسل واحد تظهر حسابات توريشيف أنه باستخدام الشمس يمكننا تحقيق دقة تبلغ 20 كم/بکسل.

يقول: "يمكن أن نرى القارات والمحيطات وأنماط الطقس"، وقد نرى الغابات والصحارى أيضاً. قد تغطي مدينة كبيرة مثل لندن أكثر من بكسل واحد. لذلك قد نكون قادرين على ملاحظة أن المناطق يتغير سطوعها مع حلول الليل، وتبدأ أضواء مدينة في الفضاء البعيد في السطوع.

يقول توريشيف: "كل هذا يصير ممكناً باستخدام عدسة الجاذبية الشمسية. ولكن ستقتصر مهمة كل بعثة على استكشاف مجموعة شمسية أخرى واحدة في كل مرة. يقول توريشيف: "لن نكون قادرين على توجيه المركبة نحو نجم جديد".


فالمحاذاة الدقيقة المطلوبة تتطلب أن يكون الكوكب الذي تريد تصويره في خط مباشر خلف الشمس، فنحن نتجه عادة مباشرة نحو الكوكب الذي تريد استكشافه، لكن لاستخدام هذه التقنية؛ علينا أن نبتعد عنه في الاتجاه المعاكس تماما.

يتطلب فحص نظام نجمي آخر باستخدام المركبة الفضائية نفسها الانتقال إلى منطقة أخرى من الفضاء، وهو أمر يتجاوز اعاد نطاق مقترح توريشيف الأولي، ولكننا سنكون قادرين على استكشاف كواكب متعددة تدور حول النجم نفسه. قد يكون النظام 1-TRAPPIST أول مرشح واعد. نعلم أن هناك سبعة كواكب بحجم الأرض تقريبا ويمكننا تصويرها واحدا تلو الآخر في البعثة نفسها. وسيستغرق تجميع الصور التي تعطينا لمحة كاملة عن كل كوكب نحو ثمانية أشهر.

الإبحار بعيداً

تستدعي كل هذه الإمكانات الواعدة طرح سؤال عن سبب عدم تجربة ذلك من قبل. والإجابة عن ذلك هي أنه يمثل تحدياً هندسياً هائلاً. تركز عدسة الجاذبية الشمسية ضوء أي كوكب نجمي في بؤرة يمكن رصدها تبعد نحو 650 وحدة فلكية (AU)؛ وتمثل الوحدة الفلكية المسافة بين الشمس والأرض.

لوضع الأمور في سياقها يجدر أن نذكر أن نبتون، وهو أبعد كوكب مؤكد في مجموعتنا الشمسية، يدور حول الشمس على بعد متوسطه 30 وحدة فلكية AU. قطع مسبار فوياجرا (1 Voyager)، وهو المركبة الفضائية التي سافرت إلى أبعد نقطة عن الأرض حتى الوقت الحالي، مسافة 150 وحدة فلكية فقط منذ إطلاقها في عام 1977، ويحمل المسبار نيو هورايزونز New Horizons التابع لناسا الرقم القياسي الأسرع مركبة فضائية تنطلق من الأرض، لكنه يسافر بمعدل يزيد قليلاً على ثلاث وحدات فلكية سنوياً في الطريق إلى بلوتو، بسرعات مماثلة، سيستغرق الأمر ما يقرب من 200 عام للوصول إلى بؤرة العدسة.

يقول توريشيف: "نحن في حاجة إلى أن تكون قادرين على الوصول إلى هناك خلال فترة تضاهي عمر انسان". فمن العدالة أن يرى من يبنون المركبة الفضائية ثمار عملهم، كل طفل بلغ من العمر ست سنوات يشعر أيضا بنفاد صبر، فنحن نريد إجابات عن هذه الأسئلة التي تحملها منذ الطفولة في أقرب وقت ممكن.

لإنجاز هذا الأمر، سنحتاج إلى نوع من الدفع Propulsion يختلف عن النوع الذي نستخدمه حالياً لإرسال بعثات بين الكواكب. فبدلاً من ذلك، يمكن أن تصل سرعة مركبة فضائية مجهزة بشراع شمسي Solar sail إلى 25 وحدة فلكية في السنة، وهذا يعني أننا يمكن أن تصل إلى هناك خلال نحو ربع قرن.

تعمل الأشرعة الشمسية بطريقة مشابهة لعمل أشرعة السفينة فتمتطي الرياح الشمسية التي تهب من الشمس أو تركب على تيار الضوء النفاث، وتدفع جزيئات ضوء الشمس التي تضرب الأشرعة المركبة تماماً كما تفعل جزيئات الهواء على الأرض.

يقول توريشيف: "إن بعثات مثل إيكاروس IKAROS اليابانية ولايتسيل LightSail (التابعة للجمعية الكوكبية The Plarietary Society] برهنت بالفعل بنجاح على عمل الأشرعة الشمسية في الفضاء...لدينا التكنولوجيا التي تحتاج إليها لتحقيق ذلك"، ستجهز مركبته الفضائية المقترحة ب 16 شماعة، مساحة كل منها 1000 م2، وقد راقت الفكرة الوكالة ناسا التي دعمت تمويل عمله ضمن برنامج المفاهيم المتقدمة المبتكرة.

• المصدر: مجلة مدار

سلسلة مقالات تنشر بالتنسيق مع التقدم العلمي للنشر.

تابع قراءة الموضوع عبر الموقع الإلكتروني:

www.aspdkw.com