صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4709

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

وجهة نظر : النموذج الاقتصادي سبب الفشل!

  • 05-04-2021

ورد خبر من مصدر خاص بمؤسسة بلومبيرغ المالية الإخبارية، أن مؤسسة البترول تزمع الاقتراض من بنوك محلية ودولية نحو 6 مليارات دينار (20 مليار دولار) للصرف على مشاريع تشغيلية ورأسمالية لحقول النفط.

وقالت «بلومبيرغ»، معلّقة، أن الباعث لذلك هو سحب مخصصات المؤسسة 7 مليارات دينار لسدّ عجز ميزانية الدولة.

الخبر أصبح أقرب الى الأسطورة منه الى الواقع، فهذا ليس من باب الإمكانية الفنية، لأنّه حلم البنوك، ففيه استثمار تراكمي ضامن (في الربح والخسارة لمشاريع المؤسسة)، لكنّ صعوبته تكمن في حصوله على موافقة مجلس الوزراء، لأنها ستصطدم بالعقبة السياسية، خاصة في المجلس التشريعي الحالي بظروفه المعروفة، وقد بانت بوادره من خلال تصريحات رئيس لجنة الميزانيات، التي أبدى فيها اعتراضا على سوء إدارة المؤسسة لميزانيتها (من تهم الهدر والفساد والتنفيع).

وللعلم، فقد حلّت الكويت في المركز الثاني عالميا من حيث نسبة ديون شركات النفط الوطنية الى الناتج المحلي الإجمالي للدولة، بنسبة تزيد على 35 بالمئة، وذلك وفق البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير ضمن رصده لدور شركات النفط الوطنية في اقتصادات الدول الأوروبية ونظرائها من الدول النفطية التي تمتلك شركات نفطية عملاقة مملوكة للدولة، في تقريرها الصادر حديثا عن الانتقال لعام 2021 بعدما شهدته الاقتصادات خلال عام 2020 من ظروف استثنائية، وقد تراوحت بقية دول المقارنة في تقرير البنك إلى 15 بالمئة!

كانت مؤسسة البترول (ضمن موافقة سابقة لمجلس الوزراء لقروض بـ 16 مليار دينار) قد وقّعت في أكتوبر 2020 قرضا بـ 3 مليارات دولار من 8 بنوك محلية، وهو ما يمثّل أكبر صفقة تمويلية للبنوك الكويتية في عام 2020، في ظل تداعيات أزمة كورونا، في حين يصل إجمالي المطلوب على المؤسسة نحو 63 مليار دولار نهاية العام المالي 2019/ 2020.

وللعلم، تبلغ أصول مؤسسة البترول 148 مليار دولار، وفق الحساب الختامي لعام 2019/ 2020، في حين بلغت أرباحها للعام نفسه 1.3 مليار دولار، حوّلت 90 بالمئة منها الى ميزانية الدولة، وهذا يعني أن أرباح المؤسسة كانت 0.9 بالمئة، وهذه نسبة ضئيلة جدا لا تستطيع حتى الصمود أمام وديعة عادية في بنك عادي!

جدل توجّه المؤسسة للاقتراض وعدم الاستعانة بأرباحها المتراكمة سببه حصافة الجدوى في تسديد أرباح الاستثمار لفوائد قروضها بأرباح إضافية، وهذا مقبول من الناحية النظرية، بالنظر إلى أرباح المؤسسة المتدنية جدا إذا ما قورنت بمثيلاتها الخليجية، رغم وجود توجّه بديل حكومي سابق لإدراج بعض شركات المؤسسة (30 بالمئة في أسواق المال) لما فيه من مزايا تفوق عبء الدين، حيث يتحمل المستثمر عبء الخسارة، وفيه ترقية لمدّخرات المواطنين، وفيه تقوية لبورصة الكويت عالميا.

هذه الميزات اصطدمت بمعوقات الحوكمة وقواعد الإفصاح، والتغييرات الهيكلية للإدارات حسب الملكيات، وقواعد الرقابة لمسؤولية الإدارات والإدارات التنفيذية. ويعتبر فشل مشروع القروض السابقة، من أسباب تعثّر مشاريع المؤسسة وخسارتها، وذلك لأسلوب المؤسسة في بناء نماذجها الاقتصادية (Economic Model)، المغرية نظريا لمشاريعها وتمريرها على مجالس إداراتها المختلفة، مما يؤدي الى أعباء مالية تراكمية غير متوقّعة على مشاريعها، فيقلل من قيمتها، بل ويميته في المهد!

ولا أدلّ على ذلك من ديون مشروع النفط الثقيل الذي رفع كلفة برميل النفط الكويتي من 8 الى 12 دولارا (وقد أعلنت المؤسسة العزوف عن الاستمرار في تطويره).

ومما لا شك فيه أن المؤسسة بحاجة الى رأسمال لتمويل مشاريعها الاستكشافية وتطوير حقولها الجديدة، زيت خفيف وغاز الجوراسي، وصيانة مصافي البيئي، وإكمال وتشغيل مصفاة الزور، ومنشآت لمعالجة المياه المصاحبة (التي وصلت الى أكثر من مليون برميل يوميا) وخطط مشاريع البتروكيماويات الطموحة المحلية والخارجية وغيرها.

وافترض أن ما تستقطعه المؤسسة من المردود السنوي من النفط (10 - 20 بالمئة) لا يكفي لهذه الاستثمارات، وأنها فقدت فوائضها المالية وأرباحها للمليارات السبعة! هذا الفائض الذي لم يستغل لمخططاتها نتيجة التأجيل والتأخير.

وقد ادعت المؤسسة مرارا وتكرارا أن بطء الدورة المستندية هو العقبة الأساس في طريق تخطيط المشاريع وتنفيذها! هو ادعاء رغم وجود عوامل أهم تقع على عاتق المؤسسة، أغلبها وأهمها تأخير إنجاز المشروعات نتيجة لضعف التنسيق بين بعض الدوائر والأخطاء والمتغيّرات الفنية.

يبدو أن المؤسسة أخذت الموافقات على تطبيق مشروع الشراكة نموذج BOO (بناء، تملُّك، تشغيل) على منشآت إنتاج 9 حقول نفط وغاز العميق في شمال الكويت.

وهذا النموذج، وإن كانت فيه مزايا كثيرة كتحمل العبء الرأسمالي والتشغيلي ومشاركة القطاع الخاص (شكلية)، لكنّ تجربة الـ BOT السابقة الفاشل أغلبها، تجعلنا نتحفظ عن التطبيق لأسباب نشرحها في عرض آخر.

في اعتقادي أن تأخر إنجاز المشاريع الأساسية سببه أخطاء المقاولين والأوامر التغييرية المتكررة، وهما سبب فشل جدوى المشاريع الاقتصادية الناجحة، أما بطء الدورة المستندية، فهو بسبب فقدان الثقة بجدوى المشاريع، وذلك لطرح نماذج اقتصادية للمشاريع بصورة أكاديمية أقرب للخيال! فلو كنت ناظرا لجدوى اقتصادية المشاريع المحلية لاخترت المعطيات التالية في جدوى الأرجح (Most Likely):

• معدل تضخم 6 في المئة بدلا من 3.

• لأضفت إلى موعد مردود «الكاش» 3 سنوات إضافية من بداية الإنشاء (معدل التأخير 2.7 سنة لمشاريع الكويت).

• لوزنت الربحية (NPV) على 20 بالمئة بدل 10.

• لحسبت رأسمال المشروع مع الكفيل بإضافة 40 بالمئة (ومن دون الكفيل لإزالته).

• لاحتسبت نسبة المخاطر على 20 بالمئة.

لعل الاختصاصيين يرون أن المعطيات مضحكة وخارج النمط الاعتيادي، لكن هكذا فشل للمشاريع يستوجب هكذا تحوّط في بناء النموذج الاقتصادي، ومن ثم تجاوز الثغرات المعرقلة منذ البداية، لا في أواسطها أو في نهاياتها!

* خبير واستشاري نفط

د. عبدالسميع بهبهاني