صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4673

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

جو بايدن أمام حقبة سياسية جديدة في كوريا الجنوبية

يتوقف مستقبل العلاقات بين واشنطن وسيول على تفهّم الولايات المتحدة لأولويات المعسكر الليبرالي الذي يسيطر راهناً على كوريا الجنوبية.

أصبح تنامي النفوذ الصيني من أبرز التحديات المطروحة على السياسة الخارجية الأميركية، مما يجعل كوريا الجنوبية حليفة أساسية لواشنطن لأن مكانتها الجيوسياسية وقِيَمها الديمقراطية لها دور محوري في رؤية الرئيس جو بايدن "لاسترجاع الولايات المتحدة"، لكن تثبت التغيرات المحلية البارزة في سيئول خلال السنوات الأربع الماضية أن العودة إلى حقبة ما قبل ترامب لن تكون سهلة. تحمل كوريا الجنوبية، بقيادة أقوى حزب حاكم في تاريخ البلد الديمقراطي، رؤية جديدة قد تترافق مع تداعيات سياسية كبرى على علاقاتها مع واشنطن، لذا يجب أن تفهم إدارة بايدن المقبلة سريعاً أولويات الليبراليين الحاكمين هناك لتصميم استراتيجية خارجية قادرة على تنشيط العلاقات الثنائية.

أولويات الليبراليين في كوريا الجنوبية

بشكل عام، تبدو السياسة الخارجية التي يطبقها الليبراليون في كوريا الجنوبية واضحة، فهي تُركّز على زيادة التناغم في علاقة البلد مع كوريا الشمالية، وتحقيق العدالة ضد اليابان، وتجنب تدخّل الدول الكبرى بما في ذلك واشنطن. تتعارض هذه الأجندة بشدة مع توجهات المحافظين في كوريا الجنوبية، إذ يفضّل هذا المعسكر تقليدياً اتخاذ مواقف متشددة من كوريا الشمالية، وإقامة تعاون استراتيجي مع اليابان، والاتكال على التحالف الأميركي الكوري الجنوبي والأفكار الإيديولوجية التي تعود إلى حقبة الحرب الباردة. يفهم صانعو السياسة الأميركية مواقف المحافظين جيداً، لكن لتقوية الروابط مع سيئول واسترجاع الدور الأميركي القيادي، يجب أن تعتبر إدارة بايدن التزامات الحكومة الراهنة في مجال السياسة الخارجية نقطة بداية لتحركاتها.

لم يسبق أن تعاملت أي إدارة أميركية بقيادة الحزب الديمقراطي مع إدارة كورية ليبرالية على مر سبعين سنة من العلاقات الثنائية. عندما تعامل جورج بوش الابن مع إدارة كورية ليبرالية (كانت أقل قوة بكثير من الحزب الحاكم راهناً)، أدى امتناعه عن مراعاة الظروف المحلية في كوريا الجنوبية إلى نشوء ثغرات سياسية خطيرة مهّدت في نهاية المطاف لتأجيج المشاعر المعادية للولايات المتحدة وتصاعد دعوات الشباب الكوري الجنوبي إلى انسحاب القوات الأميركية. تُشدد هذه الإخفاقات السابقة على أهمية تعديل الاستراتيجية الأميركية كي تتماشى مع الوقائع السياسية المتبدلة في سيئول.

توصيات للسياسة الأميركية

لن يتعرض التحالف بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية برئاسة مون جاي إن لأي تهديد وجودي على المدى القريب، لكن تواجه إدارة بايدن حزباً ليبرالياً حاكماً يتبنى مقاربة براغماتية وغير إيديولوجية في تعامله مع هذا التحالف الذي لا يرتكز من وجهة نظره على المنافسة التي كانت قائمة في زمن الحرب الباردة بل على رؤيته الإقليمية للسلام مع كوريا الشمالية والعدالة ضد اليابان والاستفادة من الوضع القائم بين بكين وواشنطن.

في ما يلي مجموعة توصيات يستطيع بايدن اعتمادها لتحسين العلاقة المحورية مع سيئول:


أولاً، يجب أن يحل بايدن الخلاف المرتبط بتقاسم تكاليف الدفاع بين الحلفاء، فقد ألقى هذا النوع من الخلافات بثقله على التحالف وأضعف القوة الأميركية بنظر بكين وبيونغ يانغ، حتى أن الرئيس ترامب طالب في مرحلة معينة بزيادة المساهمة المالية التي تقدمها سيئول بخمسة أضعاف وذهب إلى حد التهديد بسحب القوات العسكرية الأميركية. سبق أن تعهد بايدن بعدم "ابتزاز" حلفائه ويجب أن يقبل عرض سيئول بزيادة مستوى تقاسم الأعباء بنسبة تصل إلى 13%.

ثانياً، يجب أن تحترم إدارة بايدن تردد كوريا الجنوبية في الانحياز إلى طرف معيّن في المنافسة القائمة بين واشنطن وبكين. تفضّل سيول التعامل مع التهديد الأمني الصيني المتزايد عن طريق الحياد، ويرتكز المنطق الكوري الجنوبي في هذا المجال على مقولة كورية شهيرة: "يُسحَق السمك الصغير دوماً حين تتقاتل الحيتان"! بعد وصول الليبراليين إلى السلطة في كوريا الجنوبية، قد يؤدي فرض أي خيار عليهم إلى تأجيج المخاوف من تحوّل كوريا الجنوبية إلى قطعة شطرنج في المنافسة الأميركية الصينية أو برج مراقبة تابع للأميركيين على حدود الصين.

من المعروف أن عدد السياح الصينيين في كوريا الجنوبية يفوق المسافرين من بكين إلى الولايات المتحدة بست مرات، وترسل كوريا الجنوبية الطلاب إلى الصين أكثر من واشنطن اليوم، فمن وجهة نظر سيئول، تبقى التقلبات الدبلوماسية ضرورية لضمان صمودها الاقتصادي. في المقابل سيؤدي فرض الخيارات على سيئول، عبر الضغط عليها مثلاً للانضمام إلى الحوار الأمني الرباعي، إلى تأجيج مخاوفها من أن تصبح هدفاً للردود الانتقامية الصينية والأميركية في آن، لذا يُفترض أن يصبح الانحياز إلى الولايات المتحدة خياراً جاذباً على المستويين الاستراتيجي والاقتصادي، حتى بالنسبة إلى الحلفاء.

على صعيد آخر، يجب أن يدعم بايدن استمرار التواصل بين الكوريتَين، إذ لا يوافق الليبراليون في كوريا الجنوبية على المفهوم الأميركي القائل إن القمم التي جمعت بين ترامب وكيم جون أون كانت مجرد استعراض. في تلك الفترة، دعم 81% من الكوريين الجنوبيين عقد القمة، واعتبر أكثر من 78% منهم كيم جونغ أون "جديراً بالثقة" أو "ذات مصداقية عالية". وفق استطلاع في ديسمبر 2020، يدعم 73% من الكوريين الجنوبيين اليوم أن يبدأ بايدن محادثات مع كيم، وخلال التسعينيات، وقّع الرئيس بيل كلينتون على إطار عمل مع كوريا الشمالية وانتقده حينها الجمهوريون واعتبروه شكلاً من الاسترضاء. انقلبت الأدوار اليوم، إذ بات الديمقراطيون الذين انتقدوا الرهان الدبلوماسي الذي قام به ترامب مع كوريا الشمالية مضطرين لتقييم تداعيات دعم كوريا الجنوبية للتواصل المستمر في الوقت الراهن، فلا مفر من أن تؤدي العودة إلى المواقف المتشددة في ظل غياب أي استفزازات من كوريا الشمالية إلى اضطراب العلاقات مع سيئول، مما يزيد تعقيد جهود واشنطن العامة لتقوية ركيزة تحالفاتها في آسيا.

أخيراً، يجب أن يدرك بايدن وفريقه دور الوساطة في أي تعاون بين كوريا الجنوبية واليابان عبر تنظيم قمة ثلاثية محتملة. كانت إدارة ترامب غائبة على نحو لافت حين غرقت سيئول وطوكيو في خلاف تاريخي مرير بسبب مسائل السخرة ونساء المتعة، وفي ظل غياب الولايات المتحدة، نظمت الصين واليابان وكوريا الجنوبية قمماً ثلاثية، لذا يجب أن يصبح بايدن سريعاً جسر تواصل بين هذه الجهات ويوفر المنصة المناسبة لسيئول وطوكيو كي يحضر الطرفان على الأقل إلى طاولة المفاوضات من دون أن يتعرّض أيٌّ منهما للإحراج.

تعني القوة غير المسبوقة التي يتمتع بها الحزب الليبرالي الحاكم في كوريا الجنوبية أنّ بايدن سيضطر بعد 20 يناير للتعامل مع هذا التحالف بطريقة تعكس إدراكه لملامح السياسة الكورية الجديدة، وفي ظل تنامي النفوذ الصيني، قد لا يكون مستقبل هذا التحالف وحده على المحك، بل إن جهود استرجاع الدور الأميركي القيادي في العالم قد تصبح مُهددة أيضاً.

براين كيم – دبلومات

على بايدن وفريقه إدراك دور الوساطة في أي تعاون بين كوريا الجنوبية واليابان عبر تنظيم قمة ثلاثية محتملة