الاتجاه العالمي نحو الاستثمار المسؤول ESG

نشر في 06-01-2021
آخر تحديث 06-01-2021 | 00:00
شهدت السنوات الأخيرة ما يمكن اعتباره أكبر طفرة حصلت على التوجهات الاستثمارية حول العالم، هذه الطفرة تتمثل في مراعاة المستثمرين لعوامل أخرى غير البيانات المالية للشركة وأدائها المتوقع، فقد ظهر مؤخراً ما يطلق عليه عالمياً ESG Investing، وهو الاستثمار الذي يقترن بمراعاة عوامل بيئية، واجتماعية، وجوانب تتعلق بالحوكمة.

ويعود المصطلح الإنكليزي «ESG» إلى الحروف الأولى من ثلاث كلمات إنكليزية، وهي Environmental وSocial وGovernance. كما تطلق عدة مصطلحات على هذا النوع من الاستثمار، مثل الاستثمار المسؤول والاستثمار المستدام.

تحركات الحكومات والمنظمات العالمية

هناك اهتمام منقطع النظير من قبل الحكومات في تعزيز الجهود الهادفة إلى الاستثمار، وفق العوامل البيئية والاجتماعية والحوكمة، ولعل أبرزها ما يعرف بمبادئ الأمم المتحدة للاستثمار المسؤول UN PRI، والتي صدرت في عام 2006، وتعهد بالالتزام بها من خلال التوقيع عليها 63 طرفاً من مديري وملاك الأصول والمستثمرين حول العالم، وفي السنوات العشر الأخيرة زاد عدد الموقعين بنسبة 600 في المئة وتسارعت أطراف عديدة في تبني هذه المبادئ، حتى وصل عدد الموقعين عليها اليوم إلى 3038. كما أصدر الاتحاد الأوروبي مؤخراً قوانين عديدة تلزم الشركات المدرجة ومديري الأصول وصناديق المتقاعدين بالإفصاح عن مخاطر ESG المتعلقة باستثماراتهم. ووضعت المنظمة العالمية لهيئات الأوراق المالية IOSCO موضوع الاستثمار المستدام ضمن اجنداتها من خلال تكوين «شبكة التمويل المستدام» بين أعضائها، ونشر بعض الإصدارات والبيانات مثل تلك المتعلقة بإفصاحات المصدرين في الجوانب البيئية والاجتماعية والحوكمة.

توجهات العملاء ومديري الأصول

تثبت الأرقام والإحصائيات النمو المتسارع في أصول الاستثمار المسؤول وتبنيه الواسع من قبل المستثمرين، مما يجعله أبرز التوجهات العالمية في الاستثمار المعاصر، فقد أشارت بيانات Bloomberg أن حجم الأصول المدارة، وفق هذا النوع من الاستثمار، قد حقق قفزة استثنائية بنسبة 65 في المئة خلال 5 سنوات، من 22.8 تريليون دولار إلى 37.8 تريليوناً، وأشارت نفس البيانات إلى أنه من المتوقع أن تصل إلى 53 تريليوناً بحلول عام 2025، وبما يمثل نسبة 40 في المئة من مجموع الأصول المدارة عالمياً!

ومن خلال الاطلاع على تجربة أوروبا، والتي تعتبر الأكثر اهتماماً بالاستثمار المسؤول، فإن التحليلات تشير إلى أن حجم الأصول المستثمرة وفق عوامل ESG سيكون أكبر من حجم الأصول المستثمرة وفق الطرق الاعتيادية، بحسب دراسة نشرتها PwC. وقد دخلت الولايات المتحدة على هذا التوجه مؤخراً بشكل ملحوظ، حيث زاد حجم تدفقات الأموال لصناديق المؤشرات المتداولة ETFs، والتي تستثمر بناء على عوامل ESG بنسبة 318 في المئة خلال سنة 2020 حسب بيانات Bloomberg.

كما أشارت البيانات من نفس المصدر أن تدفقات الأموال العالمية لصناديق ETFs المبنية على عوامل ESG بلغت 75 ملياراً منذ يناير 2020 وحتى نهاية ديسمبر من ذات العام، مسجلة ارتفاعاً بنسبة 730 في المئة، مقارنة بتدفقات عام 2018. وتجدر الإشارة إلى أن شهر نوفمبر 2020 شهد أكبر حجم تدفقات أموال تاريخي لصناديق ETF المبنية على عوامل ESG.

ولا يخفى على الجميع أن التغير الديمغرافي يعني أن تركز الثروة، خلال عشرين عاماً، سيكون لدى فئة من تتراوح أعمارهم اليوم بين الثلاثين والأربعين سنة، حيث إنه من المقدر أن تكون الثروة التي سوف ترثها أو تخلقها هذه الفئة خلال العقدين القادمين بقيمة 80 تريليون دولار، حسب دراسة قام بها Bank of America. ومن خلال استبيان قام به نفس البنك، لوحظ تأكيد ما نسبته 87 في المئة من هذه الفئة أن عوامل ESG سوف تؤثر على قراراتهم الاستثمارية المستقبلية.

ويظهر كذلك جلياً اهتمام الشارع الأميركي Wall Street في التوجه نحو الاستثمار المسؤول، بالنظر إلى توجهات أكبر مديري الأصول في العالم، وهي شركة BlackRock، حيث بعث الرئيس التنفيذي للشركة Larry Fink برسالة إلى الرؤساء التنفيذيين لكبرى الشركات العالمية في بداية عام 2020، والتي أوضح فيها أن BlackRock ستقوم باتخاذ قراراتها الاستثمارية بناء على العوامل البيئية والمخاطر التي تؤثر على المناخ، وأكد في هذه الرسالة أن المستثمرين على قناعة تامة بأن «مخاطر المناخ هي مخاطر استثمارية». هذا التوجه الذي تعهد فيه الرئيس التنفيذي Larry Fink مرة أخرى في ديسمبر 2020 بأن سياسة BlackRock الاستثمارية، العام القادم، ستتضمن عوامل المناخ وعوامل التعددية في التعيين. ومما لاشك فيه أن حجم الأموال التي تديرها BlackRock والمقدرة بـ 7 تريليونات دولار، ستشجع الشركات على تبني قضايا ESG والإفصاح عنها بشكل مستمر ومفصل.

عوائد الاستثمار وفق معايير ESG

قد يظن البعض أنه من البديهي أن يكون العائد أقل عندما يتم الاستثمار في شركات تتبع معايير عالية للحفاظ على البيئة المناخية ودعم القضايا الاجتماعية وإرساء مبادئ الحوكمة، باعتبار أن استيفاء ذلك قد يكبد الشركات تكاليف إضافية أو يحرمها من إيرادات معينة. ولكن بعض الدراسات الاكاديمية أشارت إلى عكس ذلك في السنوات الأخيرة، حيث حققت المحافظ الاستثمارية، التي تراعي عوامل ESG إلى جانب القيام بالتحليل المالي، عوائد أعلى على المدى المتوسط والطويل، والذي قد يكون مصدره انخفاض المخاطر، والذي بدوره يؤدي إلى انخفاض تكلفة رأس المال.

وحتى نضرب مثالا واقعيا حديثا للمقارنة بين عوائد استثمار ESG والاستثمار الاعتيادي، فقد حقق الصندوق الأكبر حجما في هذه الفئة (iShares ESG Aware MSCI USA ETF) عائداً 20 في المئة حتى نهاية ديسمبر 2020، متفوقاً بنسبة 6 في المئة مقارنة بعائد مؤشر S&P500 لنفس الفترة، والذي بلغ 14 في المئة. ويجب أن نؤكد أن استعراض هذه المعلومات التاريخية ليس دعوة للاستثمار في فئة أو منتجات دون غيرها، وإنما لإعطاء فكرة عن أحدث ما يتم رصده بشأن العلاقة بين العوائد الاعتيادية وعوائد الاستثمار المسؤول.

مؤشرات الأسواق

هذا التوجه المتسارع نحو الاستثمار المسؤول ESG من قبل المستثمرين حول العالم، أدى إلى ظهور العديد من المؤشرات الاستثمارية من قبل جهات معتبرة كاستجابة لرغبات عملائها من المستثمرين. ومن الجهات المتعارف عليها لتقديم مثل هذه المؤشرات، على سبيل المثال: MSCI وS&P DJ وFTSE Russell، حيث أصدرت MSCI أكثر من 1500 مؤشر خاص بالاستثمار، حسب العوامل البيئية والاجتماعية وعوامل الحوكمة، وتقوم بإصدار تصنيف ESG للشركات حسب استيفائها لمعايير محددة.

ولا شك في أن وجود شركات مدرجة ضمن هذه المؤشرات يجعلها محط اهتمام جاذب لوجهة رؤوس الأموال من ناحية، ويعزز من سمعتها وثقة المستثمرين بها من ناحية أخرى.

موقف مؤسسة محلل مالي معتمد CFA مقابل الاستثمار حسب القيم البيئية والاجتماعية ومبادئ الحوكمة

مع تنامي وتسارع الاهتمام العالمي لهذا النوع من الاستثمار، أصبح لزاماً على ممتهني حرفة الاستثمار أن يقوموا بتأسيس فهم عن الآليات التي يعتمد عليها الاستثمار وفقاً لهذه العوامل، وذلك حتى يتسنى لهم اتخاذ القرارات الاستثمارية السليمة وفق التعليمات المناطة لهم من قبل عملائهم. واستجابة لذلك، قامت مؤسسة محلل مالي معتمد (CFA Institute) بإصدار ورقة بيان للموقف الرسمي حيال تضمين الجوانب البيئية والاجتماعية وجوانب الحوكمة في عمليات إدارة الاستثمار في يناير 2019، وكان أبرز ما جاء فيها ما يلي:

• ضرورة القيام بالبحث الموسع والتحقق من جميع المعلومات الجوهرية ذات الصلة بعملية إدارة الاستثمار، ولتحقيق ذلك يجب على المحللين مراعاة المعلومات المتعلقة بعوامل ESG.

• تشجيع القائمين على إدارة الاستثمارات على مراعاة عوامل ESG.

• التأكيد على تضمين ESG في منهج مؤسسة CFA وتوفير الأدوات اللازمة لأعضاء المؤسسة ومرشحي برنامج CFA، بالإضافة إلى القطاع الاستثماري.

• ضرورة توحيد وتطوير شكل نموذجي للإفصاحات بما يهدف إلى تحسين جودتها واتساقها، وبما يسهل مقارنة عوامل ESG بين القطاعات المختلفة.

وبالتالي، تعزم المؤسسة إصدار معايير إفصاح تتعلق بالمنتجات الاستثمارية، التي تراعي العوامل البيئية والاجتماعية وعوامل الحكومة، وقامت بنشر مستند استشارة لاستطلاع آراء الجهات المعنية حول العالم بشأن المعايير المزمع إصدارها. وتنوي المؤسسة نشر مسودة لهذه المعايير في الفترة القادمة، بهدف الحصول على ملاحظات الجهات المعنية قبل إصدار المعايير بشكل رسمي في نهاية عام 2021.

ومما يعكس حرص المؤسسة على زيادة الوعي حول هذه المواضيع، ستقوم مؤسسة CFA بزيادة المادة المتعلقة باستثمار ESG بنسبة 130 في المئة، ضمن منهج اختبارات محلل مالي معتمد CFA للسنة القادمة. كما تجدر الإشارة أن فرع لندن التابع لمؤسسة محلل مالي معتمد CFA قام مؤخرا بتقديم شهادة تتعلق بموضوع ESG وهي شهادة: CFA UK Level 4 Certificate in ESG Investing، والتي يمكن الحصول عليها بعد اجتياز اختبار مكون من 100 سؤال عبر الوسائل الإلكترونية.

أجندة مؤسسة CFA

لا يخفى على الجميع الدور الفاعل الذي لعبته الأطراف المشرفة على سوق المال الكويتي، خاصةً فيما يتعلق بزيادة الشفافية وتطوير سوق الأسهم من خلال التوافق مع المعايير العالمية. وكنتيجة لهذه الجهود ارتقى تصنيف الكويت في المؤشرات العالمية، والذي بدوره عزز وجود المستثمرين المؤسسيين والعالميين الذين يقومون بتوجيه أموالهم وفق المؤشرات التي ذكرناها سالفاً، مما يعني كذلك إمكانية تواجد شركات كويتية في مؤشرات ESG التي تطرحها هذه الجهات.

وعادةً ما نرى الجهات المشرفة على أسواق المال تصدر أحكاماً وقواعد للشركات المدرجة وشركات الخدمات المالية فيما يتعلق بجوانب الحوكمة، والتي تعتبر جزءا من المحاور الثلاثة للاستثمار المسؤول، إلى جانب الأمور المتعلقة بالبيئة والعوامل الاجتماعية.

وفي الكويت، أصدرت هيئة أسواق المال لوائح الحوكمة من خلال لائحتها التنفيذية. وفي الوقت نفسه، حصلت هذه الهيئة على عضوية المنظمة العالمية لهيئات الأوراق المالية IOSCO، والتي أشرنا لأجندتها الخاصة بمواضيع ESG في مطلع هذا المقال. ونلتمس من خلال التقرير السنوي 2019/2020 لهيئة أسواق المال اهتمامهم بهذا الموضوع، من خلال وضع مبادئ ESG ضمن نقاط التركيز لدى الهيئة. وقد قطعت شركة بورصة الكويت كذلك خطوات في التوعية بهذا الموضوع بما يعكس الاهتمام بهذا التوجه. فقد قامت شركة بورصة الكويت باستضافة MSCI في مناسبتين خلال هذه السنة للحديث عن مؤشرات ESG. فضلاً عن قيام بعض الكوادر العاملة في شركة بورصة الكويت في الحصول على شهادة CFA UK Level 4 Certificate in ESG Investing، مما يعكس جدية بورصة الكويت في احتواء هذا التوجه.

وبالتالي، نعكف حاليا في مؤسسة محلل مالي معتمد CFA -فرع الكويت على التواصل مع الجهات المعنية لبحث سبل التعاون، لتحقيق ما فيه حماية أكبر لمصالح المستثمرين وفق أفضل الممارسات المهنية.

back to top