صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4534

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

محكمة التمييز الجزائية تُبطل تفتيش المساكن ليلاً

• لا يجوز إجراؤه دون ضرورة... وعلى المحقق الإشارة إليه في الإذن
• المحكمة قررت بطلان محاكمة المتهم أمام «الاستئناف» لعدم الإعلان

في حكم قضائي بارز، أبطلت محكمة التمييز الجزائية برئاسة المستشار عبدالله جاسم العبدالله، إجراءات التفتيش التي أعدها ضابط المباحث على أحد المساكن لإجرائها ليلا، بالمخالفة للإذن الصادر من النيابة العامة له بالتفتيش.

وقالت المحكمة، في حيثيات حكمها، إن الإذن الصادر للضابط لم يتضمن إمكانية التفتيش ليلا، وهو الأمر الذي كان يتعيّن الإشارة اليه بالإذن، خصوصا أن التفتيش ليلا لا يجوز إلا للضرورة.

وقررت بطلان حكم محكمة الاستئناف لصدوره في غيبة المتهم، وعدم سلامة الإعلان المعدّ من قبل مندوبي الإعلان لحضور الجلسة، لافتة الى أنه كان يتعيّن على محكمة الاستئناف تأجيل نظر الاستئناف لحين إتمام الإعلان.

وترجع وقائع القضية الى الاتهام المسند من النيابة العامة الى متهمين اثنين، إثر حيازتهما مؤثرات علقية ومواد مخدرة بقصد التعاطي، وحيازة سلاح وذخائر بالمخالفة لأحكام القانون.

وقضت محكمة أول درجة حبس المتهم الأول 5 سنوات مع الشغل والنفاذ، في حين قضت ببراءة المتهم الثاني من التّهم المنسوبة اليه.

وقالت «التمييز» في حكمها إن المتهم أنكر الاتهام بالتحقيقات وأمام محكمة أول درجة، وقام دفاعه على بطلان تحريات المباحث تأسيسا على عدم جديتها، وبطلان شهادة مجريها، وبطلان الدليل المستمد منها، وبطلان إجراءات الضبط والتفتيش، وبطلان محضر الضبط وشهادة القائم بإجراءات الضبط، وبطلان الدليل المستمد منها، وكيدية الاتهام وتلفيقه، وانتفاء صلة المتهم بالمضبوطات، وأن للواقعة صورة أخرى غير التي وردت في أقوال ضابط المباحث، وانتفاء أركان الجرائم المنسوبة للمتهم وإنكاره للاتهام، وبطلان الدليل المستمد من إجراءات فحص المضبوطات وعيّنة البول المأخوذة من المتهم، والحاضر معه طلب البراءة، ومن باب الاحتياط الامتناع عن النطق بالعقاب، وهذه المحكمة نظرت الدعوى وأضاف الدفاع أمامها دفعا ببطلان إجراءات تفتيش مسكن المتهم لإجرائه ليلا في غير حالة الضرورة، ولم تكن الجريمة مشهودة، بما يترتب عليه بطلان تلك الإجراءات وما أسفر عنها من أدلة.

وأضافت المحكمة أن الحكم المستأنف بيّن واقعة الدعوى في قوله: (تتحصل فيما أثبته وشهد به العمل ضابط بالإدارة العامة لمكافحة المخدرات أن تحرياته السريّة دلّت على حيازة المتهم الأول مواد مخدرة ومؤثرة عقليا بقصد الاتجار والتعاطي على إثرها استصدر إذنا من النيابة العامة حوالي الساعة العاشرة مساء، وتوجّه على رأس قوة من المباحث إلى مسكن المتهم الأول الواقع في منطقة الشعب، وهناك تم ضبطه وبرفقته المتهم الثاني، وأنه بتفتيش المسكن عثر في غرفة نومه على قطعة داكنة اللون مشتبه بها فوق الكوميدينو وسيجارة ملفوفة مشتبه بها، وعدد 2 كيس نايلون شفاف بداخلهما مادة بيضاء مشتبه بها، وعلبة ورق لفّ، كما عُثر أسفل سريره على حقيبة بيجية اللون وبداخلها سلاح ناري نوع رشاش يحمل رقم 2611618، وبجانبه مخزنان، أحدهما يحتوي على عدد 4 طلقات)، وإذ تكفل الحكم المستأنف بسرد واقعة الدعوى ومؤدى أدلة الثبوت التي ساقتها سلطة الاتهام، ومن ثم تحيل إليه هذه المحكمة بشأنها منعا للتكرار.

حرمة المساكن


ولفتت المحكمة الى انه «عن الدفع ببطلان إجراءات تفتيش مسكن المتهم لإجرائه ليلا في غير حالة الضرورة وفي غير حالة التلبس، وما ترتب عليها من أدلة فهو صحيح، ذلك أن للمساكن حرمة كفلها الدستور، فقد نصت المادة 38 منه على أن (للمساكن حرمة، فلا يجوز دخولها بغير إذن أهلها، إلا في الأحوال التي يعينها القانون وبالكيفية المنصوص عليها فيه)، ونصت المادة 78 من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية على أن (للأشخاص ومساكنهم ورسائلهم حرمة، وحرمة الشخص تحمي جسمه وملابسه وما يوجد معه من أمتعة، وحرمة المسكن تشمل كل مكان مسور أو محاط بأي حاجز، مستعمل أو معد للاستعمال کمأوی...) كما نصت الفقرة الأولى من المادة 85 من ذات القانون على أن (تفتيش المساكن يجب ان يكون نهارا، وبعد الاستئذان ممن يشغلون المكان، ولا يجوز الدخول ليلا، أو بدون استئذان، إلا اذا كانت الجريمة مشهودة، أو إذا وجد المحقق أن ظروف الاستعجال تستوجب ذلك...)».

وتابعت: «وفقا لهذه المواد سالفة البيان، والتي منها المادة الأخيرة، فإن للمساكن حرمة والقانون لا يجيز تفتيشها ليلا إلا في حالة الضرورة، ويكون ذلك بمعرفة المحقق، أو أن تكون الجريمة مشهودة، ولما كان ذلك، وكان الثابت من الأوراق أن ضابط الواقعة بعد استصداره إذنا بالقبض على المتهم وتفتيشه وتفتيش مسكنه انتقل بعد العاشرة ليلا إلى مسكن المتهم، وألقى القبض عليه وفتشه، فلم يعثر معه على أي مواد ممنوعة، ثم أجرى تفتيشا في مسكنه بحثا عن المواد المأذون له بضبطها، فعثر على المضبوطات ومن بينها مخدر الحشيش ومادة الفيتامين وسلاح ناري وطلقات، فإن قيام ضابط الواقعة بتفتيش المسكن وقع باطلا، إذ أجرى التفتيش ليلا ولم تكن الجريمة في حالة تلبس، فهو بعد ضبطه للمتهم لم يعثر معه على أي مواد مخدرة أو مؤثرة عقليا أو ممنوعة».

واردفت: «كما أن محضر التحريات، الذي صدر بناء عليه الإذن، خلا تماما مما يفيد وجود حالة ضرورة تفتيش المسكن ليلا، وإنما صدر الإذن وجاء في نهايته على أن ينفذ الإذن لمرة واحدة خلال 3 أيام من تاريخ تحريره، أي أن المحقق ذاته لم ير ان هناك حالة ضرورة تستدعي إجراء التفتيش ليلا، وإلا لذكر ذلك بالإذن، بل تم تحديد الإذن بثلاثة أيام وليس بساعات محددة، بما لا يفيد وجود حالة استعجال لإجراء التفتيش، ولم يذكر بالتحريات أو بالإذن الذي صدر بناء عليها على وجود ضرورة ملحة لإجرائه ليلا فور صدوره، وإذ أجرى ضابط المباحث تفتيش المسكن ليلا، خلافا لما أوجبته المادة 85 من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية، فإن التفتيش يكون باطلا وما ترتب عليه من أدلة».

إجراءات باطلة

قالت المحكمة إن «القاعدة في القانون هي أن ما يبنى على باطل فهو باطل، فإن هذا البطلان يستطيل إلى الدليل المستمد من هذا الإجراء، والمتمثل في أقوال ضابط الواقعة، فلا يعتد بشهادته عما قام به من إجراءات باطلة، وكذلك ما أسفر عنه تفتيش المتهم ومسكنه وأخذ عينة بول منه، لاتصال ذلك بإجراءات التفتيش الباطلة، وأن الأوراق قد خلت من أي دليل آخر مستقل وغير متصل بالإجراءات الباطلة يمكن الوثوق به ويصلح للتعويل عليه في إدانة المتهم عن التهم المنسوبة إليه».

واستدركت: «وحيث إنه متى كان ذلك فإن المحكمة لا يسعها إلا القضاء ببراءة المتهم مما أسند إليه، وإذ خالف الحكم المستأنف هذا النظر وسوغ إجراءات تفتيش مسكن المتهم وتحليل وفحص المضبوطات وأخذ عينة بول من الأخير، ثم عول في قضائه بإدانته على شهادة ضابط الواقعة وما أسفر عنه تفتيش المسكن من ضبط المضبوطات وتحليل عينة البول المأخوذة من المتهم، فإنه يكون قد جانب الصواب، ويكون استئناف المتهم صادف محله، مما تقضي معه المحكمة بإلغاء ما قضى به الحكم المستأنف بالنسبة للمتهم الأول من إدانته والقضاء ببراءته مما نسب إليه، عملا بحكم المادتين 1/172، 209 من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية، مع مصادرة المضبوطات، وهي المواد المخدرة والمؤثرة عقليا والسلاح وملحقاته والطلقات المضبوطة».

طرق الإعلان الصحيح

قالت «التمييز» في حييثات حكمها إن المشرع رسم الطريق الواجب اتباعه في إعلان الأوراق بالمواد الجزائية، ومن بينها ورقة تكليف المتهم بالحضور الجلسة المحاكمة، في المواد 16، 17، 18 من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية، ونص في الفقرة (ب) من المادة الأخيرة على أنه إذا لم يكن موطن المكلف بالحضور معلوما، تسلّم صورة الإعلان للنيابة العامة أو الادعاء العام بحسب الأحوال، وكان قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن تسليم صورة الإعلان للنيابة العامة، جاء على سبيل الاستثناء، فلا يجوز الالتجاء إليه إلا إذا ثبت عدم معرفة موطن المكلف بالحضور، فإذا سلّمت الصورة مباشرة للنيابة العامة، دون أي جهد معقول للتحري عن موطنه، فإنّ الإعلان على هذه الصورة يقع باطلا، ولما كانت المادة 122 من القانون ذاته، توجب على المحكمة قبل أن تفصل بالدعوى في غيبة المتهم، أن تتأكد من أنه أعلن إعلانا صحيحا بالحضور للجلسة التي حددت بمحاكمته، وكان الثابت من الاطلاع على الأوراق أن للطاعن موطنا معلوما، ورد ذكره تفصيلا بها، وبورقة الإعلان، والذي أثبت مندوب الإعلان فيها عبارة: (عند الانتقال تبيّن بعد سؤال أحد القاطنين بالمسكن، أنّه لا يوجد شخص بهذا الاسم، وعليه أعيدت الصحيفة)، مما ترى معه المحكمة أن القائم بالإعلان لم يبذل الجهد المعقول للتحري عن موطن الطاعن، وأن العبارة التي أوردها لا يمكن أن يحتج بها على أن العنوان لا يخصّ الطاعن، أو صحة انتقال المندوب إلى العنوان المحدد بتلك الورقة، وعلى صحة الإجراء الذي قام به لعدم ذكره بيانات الشخص الذي أفاد بأن العنوان لا يخص الطاعن، للتحقق من شخصية من التقى به المندوب وصحة المعلومات التي أدلى بها عن الطاعن على نحو ما أثبت بورقة الإعلان، فإن الإعلان على هذا النحو يكون قد وقع باطلا، وإذ خلت الأوراق مما يفيد علم الطاعن رسميا بتاريخ الجلسة المحددة لنظر الاستئناف، فإنه كان على محكمة الاستئناف تأجيل محاكمته لجلسة أخرى يتم إعلانه بها إعلانا صحيحا، ليتمكّن من الحضور، وإبداء دفاعه عن نفسه، وإذ كانت المحكمة قد قضت بالاستئناف في غيبة الطاعن، فإن قضاءها يكون قد بني على بطلان في الإجراءات، أثر في الحكم، مما يعيبه ويستوجب تمييزه، دون حاجة إلى بحث بقية أوجه الطعن.

ضابط الواقعة أجرى التفتيش ليلاً ولم تكن الجريمة في حالة تلبس

المادة 38 نصت على أن للمساكن حرمة فلا يجوز دخولها بغير إذن أهلها