صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4496

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

«كورونا»... الحقائق مقابل الأوهام

  • 12-07-2020

مع تصاعد حالات الإصابة بفيروس كورونا المستجد في فلسطين، والتي لم تزد على 300 حالة طوال ثلاثة أشهر ونصف، ثم قفزت خلال الأسبوعين الأخيرين بعشرين ضعفا إلى ما يزيد على ستة آلاف حالة، ومع ارتفاع عدد الوفيات بعشرة أضعاف، من ثلاثة إلى ما يزيد على ثلاثين وفاة حتى لحظة كتابة هذا المقال، قررت كطبيب ومختص في الحقل الصحي، أن أكرس هذا المقال الأسبوعي لإيضاح حقائق طبية وعلمية يصر بعض الناس على تجاهلها، مقابل أوهام يتكرر تداولها على وسائل الاتصال الاجتماعي، ويُروَّج لها إما عن جهل أو تجاهل.

الوهم الأول: لا وجود لوباء "كورونا" وهو مجرد مؤامرة

الحقيقة: هذا الفيروس المستجد، ثبت علميا وجوده وأصاب حتى الآن ما يقارب ثلاثة عشر مليون شخص في العالم بمن فيهم أكثر من ستة آلاف في الضفة الغربية ونحو 3500 من الفلسطينيين في الخارج، وقد أودى بحياة نحو ستمئة ألف إنسان منهم 130 ألفا في الولايات المتحدة وحدها، ومن المتوقع أن تتضاعف هذه الأرقام خلال الأيام القادمة، حيث يزداد عدد المصابين بحوالي ربع مليون إنسان يوميا، والمرض لا يفرق بين الناس، يصيب الكبار والصغار، والمسؤولين والناس العاديين، الأغنياء والفقراء، وقد أودى بحياة مئات من الأطباء والممرضين الذين يعالجون المرض.

الوهم الثاني: هذا مرض خفيف مثل الإنفلونزا الموسمية

الحقيقة: هذا المرض أخطر بكثير من الإنفلونزا والرشح لأنه يسبب نسبة عالية من الوفيات خصوصا بين كبار السن وضعيفي المناعة، وتصل نسبة الوفيات بين المصابين إلى 5%، في حين أن نسبة الوفيات من الإنفلونزا لا تزيد على 0.1% أي أقل بكثير من 1%، وثانيا لأن فيروس كورونا المستجد يسبب مضاعفات لا تحدث مع الإنفلونزا مثل التجلط الدموي في الأوعية الدموية الكبيرة والصغيرة وهذا من أهم أسباب الوفاة.

وبكلمات أخرى، هذا المرض يقتل ليس لأنه يصيب الرئتين فقط ويعطل التنفس الطبيعي، بل لأنه يسبب جلطات دموية خطيرة، وآخر دراسة نشرت قبل أيام لتشريح جثامين ضحايا المرض، أظهرت أنه يسبب جلطات حادة في كل أعضاء الجسم دون استثناء، بما في ذلك الرئتين والكبد، والكلى، والدماغ والأطراف، بل أظهرت كذلك أنه يمكن أن يسبب تلفا دماغيا خطيرا.

الوهم الثالث: الاستخفاف بالمرض وإنكار وجوده، ظاهرة فلسطينية.

الحقيقة: الاستخفاف وإنكار وجود المرض وإهمال قواعد الوقاية ظاهرة عالمية، كشفت للأسف نقاط ضعف في النفس البشرية عند مواجهة كوارث خطيرة، حيث تتراوح ردود الأفعال بين الرُعب المبالغ فيه، إلى الإنكار التام لوجود الكارثة، وهذا الإنكار هو أحد أهم أسباب انتشار الوباء، وارتفاع نسبة الوفيات، بسبب إهمال قواعد الوقاية البسيطة.

الوهم الرابع: وسائل الوقاية لا أهمية لها، واستعمالها مجرد أمر شكلي لا ضرورة له.

الحقيقة: أن استعمال وسائل الوقاية البسيطة الأربع هي ضمانة فعالة جدا لوقف انتشار المرض، الكمامة إن تم ارتداؤها من الجميع تُخفض إمكانية الإصابة من تسعين في المئة (90%) إلى واحد ونصف في المئة (1.5%)، والتباعد الجسدي لما لا يقل عن مترين يخفض بصورة كبيرة إمكانية الإصابة، وغسل اليدين لعشرين ثانية بعد ملامسة الأسطح يخفض إمكانية انتقال الفيروسات لجسم الإنسان، ومنع التجمعات له دور حاسم في منع انتشار المرض.

المشكلة، أنه عندما تم إنهاء الإغلاق في الأراضي الفلسطينية لم يلتزم معظم الناس بهذه الوسائل البسيطة، ولم تُتخذ الإجراءات لمراقبة الالتزام بها نتيجة شعور خاطئ بأننا مختلفون عن الآخرين، ومحصنون، فتحول النجاح في المرحلة الأولى إلى فشل خطير يهدد حياتنا وكل نظامنا الصحي.

الوهم الخامس: الكمامة للمظهر وليست للاستعمال، والقفازات تُغني عن التعقيم.

الحقيقة: حمل الكمامة في السيارة أو في الجيب، أو وضعها على الذقن لا يعني إلا خداع النفس، ولا توفر الكمامة الحماية إلا إذا غطت الفم والأنف، وارتداء القفازات ولمس الأسطح بها، ثم لمس الوجه بالقفازات نفسها، يعني زيادة إمكانية الإصابة بالفيروس، ولا بد من تعقيم القفازات كالأيدي بعد لمس الأسطح، أو عدم ارتدائها ومواصلة غسل اليدين بانتظام لمدة عشرين ثانية، وبعد لمس الأسطح.

الوهم السادس: الوقاية من المرض تتضارب مع الاقتصاد.

الحقيقة: لا شك أن الإغلاق وتعطيل الاقتصاد يضر بمعيشة الناس، وخصوصا الذين يعتمد دخلهم على عملهم اليومي مثل عمال المياومة والمشاريع الصغيرة، وضعف الاقتصاد يسبب البطالة والفقر، وسوء التغذية، مما يؤدي إلى إضعاف المناعة وارتفاع إمكانية الإصابة بالمرض، وفي المقابل فإن انتشار المرض سيؤدي بسرعة إلى تحطيم النظام الصحي الضعيف أصلا، وارتفاع نسبة المضاعفات من كل الأمراض، بما في ذلك الوفيات، وانتشار المرض بصورة خطيرة كما يجري الآن في القدس والضفة الغربية سيؤدي إلى إضعاف الإنتاجية الاقتصادية، وسينتهي إلى استخدام الإغلاق التام والمتواصل، لمنع موت الناس بالآلاف، وهذا سيضر بالاقتصاد، ومجتمع غير صحي لن يكون لديه اقتصاد فعال.

المشكلة في المرحلة الأولى لم تكن في فرض الإغلاق ولا في رفعه، بل في طريقة رفعه، وفي التجاهل التام لوسائل الوقاية الأربع التي ذكرناها، وفي التجمعات الكبيرة التي حدثت في الأعراس والمآتم.

التزم الناس بالتباعد في الصلوات في معظم الجوامع، وتجاهلوا التباعد في الأعراس وغيرها من التجمعات، بما في ذلك في الأسواق، والحقيقة أن من الممكن خلق توازن بين الوقاية، وتشغيل الاقتصاد والعمل، وإهمال أي منهما سيؤدي إلى كوارث.

نعيش الآن الإغلاق ثاني، وعند الخروج منه لا بد من منع تكرار خطأ المرة الماضية، بالتزام الناس أولا بارتداء الكمامات دون إهمال، على وجوههم لا على ذقونهم! وبالتباعد الجسدي، وتغسيل الأيدي، وعدم التجمع في الأعراس أو المآتم، أو الاحتفالات كالاحتفال بالنجاح في التوجيهي. إذا تم الالتزام بوسائل الوقاية لن يكون إغلاق ثالث، وإن لم يتم الالتزام سيضطر الجميع إلى العودة إلى إغلاق شامل لا يريده أحد.

الوهم السابع: لا علاقة للوباء بالاحتكاك بالجانب الإسرائيلي.

الحقيقة: باستثناء الإصابات الأولى الناجمة عن الاحتكاك بالسياح الأجانب، وبعض الإصابات لدى القادمين من الخارج فإن 80% من إصاباتنا في المرحلة الأولى نجمت عن الاحتكاك بالجانب الإسرائيلي عبر العمال والزوار، وكان جنونيا تنظيم رحلات للداخل في فترة الجائحة.

اليوم تشهد إسرائيل كارثة بارتفاع الإصابات من 25 إصابة يوميا إلى أكثر من 1400 إصابة، وكان ذلك سبب انفجار الوباء الخطير لدينا في الخليل أولا، ثم في بيت لحم ونابلس ومناطق أخرى.

اليوم للأسف توطن لدينا الوباء القادم من الجانب الإسرائيلي وأصبح لدينا "انتشار مجتمعي" أي أن الانتشار أصبح محليا، وهو خطر بشكل خاص عندما يصيب المخيمات الفلسطينية التي تعاني الازدحام وصعوبة ظروف المعيشة.

الوهم الثامن: هذا المرض لا خلاص منه وسيبقى للأبد.

الحقيقة: هذا المرض يمكن الحد منه وتقليل الوفيات منه، بوسائل الوقاية، وحتى يتم اكتشاف علاجات فعالة له، وتطعيم آمن وفعال، وهي أمور قد تحدث خلال أشهر، أو سنة أو أكثر، وإلى أن نصل إلى العلاج واللقاح، لا حل سوى الالتزام بوسائل الوقاية: ارتداء الكمامات، التباعد الجسدي، تجنب التجمعات، والتغسيل والتعقيم المتواصل.

ولن يستطيع أي جسم رسمي أو غير رسمي بما في ذلك القطاع الصحي أن يوقف انتشار الوباء إن لم يساهم الناس بأنفسهم بذلك، وإن لم نُفعل ما تميزنا به كفلسطينيين، التعاون المجتمعي، وروح التطوع، والتعاون الواعي في مقاومة المرض.

لنتعاون جمعيا لحماية حياتنا وحياة أبنائنا وبناتنا، وآبائنا وأمهاتنا، وكل مجتمعنا، الذي يكافح المرض ويكافح الاحتلال ومخطط الضم.

* الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية