صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4354

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

المعضلة الفلسطينية

  • 13-02-2020

على الفلسطينيين أن يغيروا استراتيجيتهم وإلا فإن النمط السائد خلال العقود الأخيرة، حيث كل عرض جديد يأتي بأسوأ من العرض الذي سبقه، سيتكرر.

لقد شاركت بطريقة أو بأخرى في عملية السلام في الشرق الأوسط خلال الاثني عشر عاماً الماضي، ونادرا ما أكتب عنها، لأن كل ما يقال علنا سيثير استياء شخص ما، لكن نشر خطة السلام الأميركية التي طال انتظارها يمثل فرصة لتقييم الموقف الحالي.

أنا واحد من الأشخاص القلائل الذين ما زالوا يؤمنون بأن إقامة دولة فلسطين هو أمر مرغوب وممكن، الواقع أن أغلب المعلقين يستقبلون هذه الفكرة الآن بضحكة جوفاء، وقد تخلى عنها كثيرون من الإسرائيليين والفلسطينيين. أنا لم أتخل عن الفكرة، بسبب اقتناعي الراسخ- الذي ربما يكون غير منطقي- بأن العقل سيسود في نهاية المطاف، ويجب ألا يرغب الإسرائيليون بحكم الفلسطينيين إلى الأبد، فالفلسطينيون بحاجة للتحرر من الاحتلال وللكرامة بأن تكون لهم دولة مستقلة، أما الدولة ثنائية القومية فهي حل لا يحل شيئا وتحقيقه يتطلب موافقة إسرائيل وهذا محال، لذلك فإن الحل المنطقي الوحيد لهذا الصراع هو إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.

أستطيع أن أفكر في ألف شيء ينبغي على إسرائيل أن تقوم به لجعل قيام الدولة الفلسطينية أكثر احتمالاً، لكن الحقيقة هي أن مثل هذه الدولة ستقوم فقط إذا حدث تحول جوهري في الاستراتيجية الفلسطينية.

بالنسبة إلى الكثيرين في المجتمع الدولي فإن مجرد طرح المسألة بهذا الشكل مهين وغير عادل للفلسطينيين، فهم يشعرون بالتعاطف العميق مع القضية الفلسطينية، ويشيرون إلى التفاوت الهائل في الثروة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، والظروف المعيشية المروعة في غزة، والقيود المفروضة على حياة الفلسطينيين اليومية في الضفة الغربية، ومسألة إدارة القدس. لكن الفلسطينيين لا يحتاجون إلى استراتيجية للتعاطف بل إلى استراتيجية تفضي إلى إقامة دولة، ولن يقودهم مسارهم الحالي اليها، وإن أكبر مؤيدي الفلسطينيين على المستوى الدولي أعاقوا تطوير استراتيجية جادة، لأنهم يشجعون القيادة الفلسطينية على التركيز بشكل كامل على العدالة التاريخية للقضية بدلا من التركيز على واقع البيئة السياسية التي يجب أن تطبق فيها العدالة. القرارات ومبادرات الدعم وعبارات التضامن التي أمطرت على الفلسطينيين هي أرخص عملة في الدبلوماسية الدولية، أما في العالم الحقيقي فهي لا تشتري أي شيء.

تحقيق أي هدف سياسي يتطلب أن تبدأ بتحليل واقع الموقف الذي تواجهه بدم بارد، ولإقامة دولتين تعيشان جنبا إلى جنب في سلام، في ظل ظروف حيث توجد الدولة الأولى بالفعل وهي أكثر قوة بكثير من الدولة المقترحة، يعني أن الدولة الأولى القائمة يجب أن تشعر بالأمان تجاه إقامة الدولة الثانية، تماما كما يجب أن تُـزَوَّد الثانية بالدعم الدبلوماسي والسياسي الضروري. الحاجة للأمن تصبح ملحة أكثر عندما تتعايش الدولتان على مساحة صغيرة من الأرض، حيث لا يمكن الفصل بين السكان بسهولة.

والآن، تفحص الموقف الفلسطيني، ضع جانباً هوية رئيس وزراء إسرائيل وافترض أن للولايات المتحدة رئيسا هو الأكثر دعما وتأييدا للفلسطينيين على الإطلاق، وافترض أيضا أن المجتمع الدولي لا يزال متمسكا بعملية السلام وأن الشرق الأوسط خلاف ذلك منطقة هادئة، حتى في مثل هذه البيئة المثالية، كيف يمكن لأي مفاوضات أن تنجح، في ضوء الفوضى الحالية الغالبة على السياسة الفلسطينية؟ الدولة الفلسطينية ستضم غزة والضفة الغربية؛ الأولى خاضعة لسيطرة حماس، وهي منظمة لا تزال ملتزمة رسميا بتدمير إسرائيل، والثانية تسيطر عليها فتح، وهي ذاتها منقسمة بشدة، وكل من حماس وفتح تعارض الأخرى بشراسة؛ محادثات المصالحة بينهما هي مثال صارخ لعدم النزاهة. ولم تعقد أي انتخابات ديمقراطية طوال أربعة عشر عاما، مما لا يترك أي طريقة يمكن التعويل عليها في قياس الدعم الشعبي الذي تتمتع به الحكومة في رام الله.

لا يمكن التصور أن مثل هذه السياسة المفتتة قد تُـفضي إلى اتفاق جدير بالثقة لإقامة دولة، ولهذا سيكون من الصعب على أي رئيس وزراء إسرائيلي أن يقبل بها، ومن الصعب على أي رئيس أميركي أن يفرض إقامتها، وإن الوحدة السياسية الفلسطينية على أساس يتوافق مع التعايش السلمي مع إسرائيل ليست مجرد قضية جانبية مثيرة للاهتمام، بل هي شرط أساسي مسبق للنجاح.

تعارض القيادة الفلسطينية الخطة الأميركية الأخيرة بشدة، وخاصة نقل السيادة على غور الأردن إلى إسرائيل والامتناع عن إدراج أجزاء كبيرة من القدس الشرقية في الدولة الفلسطينية المستقبلية، وفي الأيام الأخيرة، قطع غاريد كوشنر، كبير مستشاري الرئيس دونالد ترامب، شوطاً كبيراً بالقول إن الخطة، التي صممها، مفتوحة للتفاوض، ولكن حتى الآن رفض الفلسطينيون مناقشة الخطة، أو حتى تلقي مكالمة من ترامب.

لا يمكن لهذا أن ينجح، لذلك شاركوا وقولوا لماذا الخطة غير مقبولة، وحددوا ما يجب تغييره، وطالبوا بعقد اجتماعات، ودافعوا، وخوضوا بالتفاصيل.

هناك ثلاث مجموعات من اللاعبين الذين يمكنهم أن يساعدوا عمليا في تحقيق هدف إقامة الدولة: الإسرائيليون، والأميركيون، والعرب. كيف إذن يمكن أن تُـفضي إدانة المجموعة الأولى، وإبعاد المجموعة الثانية، وإثارة غضب المجموعة الثالثة إلى التوصل إلى استراتيجية قادرة على تحقيق النجاح؟

بطبيعة الحال يرد الفلسطينيون بالقول إن المجموعتين الأولى والثانية منحازتان والثالثة لا تبالي، لكن الفلسطينيين لا يمكنهم ترك مقعدهم شاغراً.

في كل الأحوال، العرب ليسوا غير مبالين، فهم يهتمون بالفلسطينيين، وهم مهتمون بشغف بقضية القدس. لكنهم منهكون من كونهم عالقين بين التحديات المتعلقة بتثبيت الاستقرار الإقليمي وتطوير بلادهم، مما يتطلب إقامة تحالف وثيق مع أميركا وعلاقات مزدهرة مع إسرائيل، من جهة وبين قضية، يتوقع منهم دعمها ولكنهم مستقصون من إدارتها، من جهة أخرى. بدلا من الإصرار على عدم تعامل العرب مع إسرائيل إلى أن يحصل الفلسطينيون على السلام بعد التفاوض، النهج الذكي يستوجب تشجيع علاقات إسرائيلية عربية جيدة، وربط العرب بالمفاوضات، ثم استخدامهم للمساعدة في دفع الإسرائيليين نحو تبني مواقف أفضل. يجب أن يكون الهدف إنشاء إطار عربي إسرائيلي مشترك للمنطقة، حيث يشكل التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية جزءا من الأمر. هذا من شأنه أن يعطي إسرائيل الثقة في أن السلام مع الفلسطينيين يشكل جزءا من قبول إقليمي حقيقي ــ ليس كمكافأة في مقابل تنازلات تقدمها، بل كنتيجة طبيعية لروح الصداقة الجديدة. استُــقبِـلَـت الخطة الأميركية بالإشادة أو بالذم وفقاً للانتماءات السياسية. لكن هذه هي المرة الوحيدة التي تنتج فيها إدارة أميركية خريطة تضع على طاولة المفاوضات قضايا جرى التغاضي عنها لفترة طويلة للغاية. في الوقت الحالي، تمثل الخطة ما يمكن للسياسة الإسرائيلية أن تتحمله مع أن السياسة الفلسطينية لا يمكنها تحمله.

ولكن بصرف النظر عن الخطة المطروحة، يتعين على الفلسطينيين أن يغيروا استراتيجيتهم وإلا فإن النمط السائد خلال العقود الأخيرة، حيث كل عرض جديد يأتي بأسوأ من العرض الذي سبقه، سيتكرر، بأيدي الفلسطينيين فقط يستطيعون أن يجعلوا المستقبل مختلفا.

* توني بلير رئيس وزراء المملكة المتحدة الأسبق في الفترة من 1997 إلى 2007، ويشغل حاليا منصب رئيس معهد توني بلي

ر للتغيير العالمي.

«بروجيكت سنديكيت، 2020» بالاتفاق مع «الجريدة»