صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4275

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

سياسة الإحباط في أميركا اللاتينية

  • 04-11-2019

لا تستطيع أميركا اللاتينية الآن أن تربط مصيرها بوعود العولمة الباهتة، ولا يمكنها أن تعود إلى الشعبوية على الطريقة القديمة، الأمر اليقيني الوحيد هو أن جماهير الناس لم تعد قادرة على الصبر طويلاً؛ فقد حطمت سنوات عديدة من الوعود كل التوقعات في وقت يبدو المستقبل قاتماً بشكل خاص.

في مختلف أنحاء أميركا اللاتينية، بدأ صبر الجماهير ينفد، مع العنف في تشيلي وعودة آل بيرون إلى السلطة في الأرجنتين، على مدار ما يقرب من أربعين سنة، ظل الزعماء والناخبون يناضلون لإعادة تنظيم الاقتصادات بما يتناسب مع الأسواق العالمية، وتخفيف وطأة عملية التكيف بالاستعانة بسياسات اجتماعية لحماية من هم في أسوأ حال، واتفقت ائتلافات يمين الوسط ويسار الوسط على الخطوط العريضة، وفي حين لم يخل الأمر من جدال حول الضرائب وغير ذلك من القضايا، فقد قبلت أميركا اللاتينية الحاجة إلى الأسواق الأجنبية والمستثمر الأجنبي.

ولكن على مدى السنوات العشر الأخيرة، تباطأت التجارة العالمية، وتتوقع منظمة التجارة العالمية نموا هزيلا لا يتجاوز 3% في أفضل تقدير، كما تشكل الحروب التجارية، والمعاهدات المعطلة، والعودة إلى القومية الاقتصادية تهديدا حقيقيا لأميركا اللاتينية وغيرها من المناطق التي تعتمد على الأسواق الأجنبية، وما زاد الطين بلة أن فجوة التفاوت في الدخل ازدادت اتساعا، ومع كونها المنطقة الأكثر ظلما على مستوى العالم في هذا الصدد، حققت أميركا اللاتينية بعض التقدم قبل عام 2015، ولكن بفِعل تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي والسياسات الاجتماعية المتعثرة انقلب هذا الاتجاه منذ ذلك الحين.

الآن، يجد قادة أميركا اللاتينية عبر الطيف السياسي أنفسهم في مأزق، ففي حين أدار العالم ظهره للعولمة والحدود المفتوحة لمصلحة تكتلات وطنية وإقليمية، واجهت الحكومات المؤيدة للعولمة تطلعات الناخبين الذي أخذوا على محمل الجد وعد الحقوق الاقتصادية والرفاهية الاجتماعية. في الوقت ذاته، أثبتت جاذبية التقاليد، والأسرة، والملكية قدرتها على إغواء قسم متزايد من السكان، على النحو الذي عمل على تعزيز دعم جايير بولسونارو في البرازيل، أو كيكو فوغيموري في بيرو، أو حتى خوسيه أنطونيو كاست في تشيلي.

لقد أصبح الناس في حالة من نفاد الصبر والسخط، كانت الأرجنتين في انهيار اقتصادي منذ عام 2017، فقد انخفضت الأجور الحقيقية، وازداد الفقر، وقبل ذلك بعامين، في عام 2015، فاز ماوريسيو ماكري بالرئاسة على وعد بأن يؤدي التعديل المالي وفتح الأرجنتين على العالم إلى تحفيز الانتعاش الاقتصادي، لكن سياساته عملت بدلا من ذلك على تمهيد الطريق لهزيمته، ففي غضون بضع سنوات، بدت حزمة الإصلاحات المؤيدة للسوق والانفتاح الاقتصادي غير متوائمة مع بقية العالم، وكان انحسار العولمة، ومعاداة الثقافات الأجنبية، وفرض سياسات الحماية، من الأسباب التي أدت إلى تحديد نغمة جديدة للسياسة، في حين طغت سحابة من الإحباط وانعدام اليقين بشأن المستقبل على أي أمل.

الواقع أن الإحباط يبتلي حتى تشيلي، وهي مثال المنطقة لسياسات السوق المفتوحة، ففي الثامن عشر من أكتوبر، دفعت موجة من الاحتجاجات حكومة الرئيس سباستيان بنييرا إلى الاعتماد على قوات الشرطة، والرصاص المطاطي، والغاز المسيل للدموع لقمع أعمال الشعب والنهب، وخلال الأسبوع التالي، شاهد العالم صورا بدت متناقضة مع استقرار "النموذج التشيلي"، وفي أعقاب أعمال الشغب والاستجابة الدموية من قِبَل الجيش والخيالة المسلحين ظهرت مقاطع فيديو لبنييرا وهو محاط برجال يرتدون الزي العسكري، معلنا أن البلاد "في حالة حرب"، وهو الخطاب الذي أثار ذكريات دكتاتورية أوغستو بينوشيه العسكرية التي دامت سبعة عشر عاما. وعلى الرغم من النمو الاقتصادي المبهر وتقليص الفقر في تشيلي منذ نهاية الدكتاتورية في عام 1990، فإن فجوة التفاوت لاحت ضخمة في الأفق، ونفد صبر أولئك الذين لم يروا الفوائد بعد.

وحتى الحكومات التقدمية يبدو أن الوقت داهمها، فقبل ذلك ببضعة أسابيع، عندما أعلنت حكومة الإكوادور خفض دعم الوقود، تسببت موجة من الاضطرابات الشعبية في إجبار حكومة الرئيس لينين مورينو على الفرار من العاصمة كويتو. ورث مورينو حكومة رافاييل كوريا من يسار الوسط، ولقد لجأ إلى صندوق النقد الدولي ووافق على الاشتراك في برنامج للتخفيضات المالية. وكما حدث في تشيلي، قوبلت المظاهرات الضخمة في الشوارع بالقمع الشديد. وفي نهاية المطاف، اضطر مورينو إلى تعليق السياسات المثيرة للجدال لاستعادة السلام.

في بعض الحالات، أدت الوعكة إلى الشلل، ففي بيرو لم تؤد استقالة الرئيس بيدرو بابلو كوتشينسكي في مارس 2018 إلا إلى تشجيع القوى الشعبوية من أتباع فوجيموري في الكونغرس وتحفيز المظاهرات التي أدانت عدم شرعية الساسة في بيرو، ويلقي تعطيل الكونغرس الشهر الماضي بموجب قرار صادر عن الرئيس الحالي مارتن فيزكارا بظلال من الشك على مستقبل البلاد.

ثم هناك موجات الصدمة التي خلفها فوز بولسونارو في الانتخابات الرئاسية في البرازيل العام الماضي، والذي جلب نهاية إجماع يسار الوسط الذي دام لفترة طويلة وأنذر بقدوم نظام جديد قائم على المحسوبية والفظاظة. وفي ظل توقعات صندوق النقد الدولي للنمو الاقتصادي هذا العام بنحو 0.8%، من الصعب أن نجزم إلى متى قد تكون خطبة بولسونارو وتصريحاته الحارقة كافية للإبقاء على أنصاره سعداء، وربما يداهمه الوقت هو أيضا.

كل بلد يمر بدراما خاصة به، لكن الأمر الواضح في مختلف بلدان المنطقة هو أن حكومات أميركا اللاتينية تواجه في ظل تفكك نسيج التكامل العالمي حالة من الاستياء الشعبي المتصاعد فضلا عن انخفاض حاد في ثقة الناس في الحكومات والمؤسسات. والنتيجة هي تصعيد الاحتجاجات وردود الفعل القمعية، مما يحول أي مظاهرة متواضعة إلى صراعات ضخمة.

حتى الآن، كانت الأرجنتين هي الاستثناء، حيث يجري توجيه الاضطرابات الاجتماعية عبر الانتخابات، ولكن ينبغي لنا أن نتذكر أن كثيرين من أولئك الذين صوتوا لآل بيرون صوتوا من قبل لإصلاحات السوق الحرة في عهد ماكري، ولكن ليس من الواضح إلى متى قد ينتظرون أن تتحقق وعود ألبرتو فرنانديز، على الرغم من أن الرئيس الجديد براغماتي ماكر، فحتى هو يدرك أن ولاءات الناخبين غير مستقرة، وخاصة عندما تمارس عليهم ضغوط تتدنى بهم إلى حد الكفاف.

لقد تغير شيء أساسي، فالآن لا تستطيع أميركا اللاتينية أن تربط مصيرها بوعود العولمة الباهتة، ولا يمكنها أن تعود إلى الشعبوية على الطريقة القديمة، الأمر اليقيني الوحيد هو أن جماهير الناس لم تعد قادرة على الصبر طويلا؛ فقد حطمت سنوات عديدة من الوعود كل التوقعات في وقت يبدو المستقبل قاتما بشكل خاص.

هذا ليس النوع نفسه من الاضطرابات التي تشهدها بيروت أو هونغ كونغ، حيث يخرج الناس إلى الشوارع لمحاربة أنظمة غير ديمقراطية، الأمر هنا يتعلق بالإحباط الاقتصادي، الذي يعمل على تضخيمه الغياب الواضح لأي بدائل للعولمة الفاشلة، ومكمن الخطر هنا بطبيعة الحال هو أن تلجأ الحكومات إلى التكتيكات على الطريقة الصينية فتحول الوعكة الاقتصادية إلى صراع حول مستقبل الديمقراطية، ومن المؤكد أن حديث بنييرا المشؤوم حول حرب داخلية، حين كان محاطا بضباط عسكريين في زيهم العسكري، لا يبشر بأي خير.

* جيريمي أدلمان وبابلو بريلوكا

* جيريمي أدلمان أستاذ التاريخ في جامعة برينستون، وبابلو بريلوكا طالب دكتوراه في التاريخ في جامعة برينستون.

«بروجيكت سنديكيت، 2019» بالاتفاق مع «الجريدة»