صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4296

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

لماذا تتعثر مشاريع الدولة؟

  • 24-10-2019

السؤال الصحيح؛ لِم لا تتعثر مشاريع الدولة في ظل الواقع الإداري والفني في وزاراتها ومؤسساتها؟ فالإدارات المسؤولة عن إدارة مشاريع الدولة ليست معزولة في جزيرة نائية، بل هي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بكفاءة أداء الإدارات الحكومية والمؤسسات الرقابية.

إن السبب الرئيسي لما تعانيه الكويت من مشاكل اليوم هو أنها تمر بأزمة إدارية (بمعناها الواسع) حادة ومزمنة، وقد انعكست على أداء معظم وزارات ومؤسسات الدولة والكثير من شركات القطاع الخاص، ولم تؤدِّ إلى تعثر مشاريعها فحسب، بل إلى انحدار مستوى الخدمات الأساسية؛ التعليمية والصحية والاجتماعية والأمنية والمرورية، كما أنتجت بيروقراطية قاتلة وفساداً واسع الانتشار واصطفافاً قبلياً وعائلياً وطائفياً ومذهبياً فتّت النسيج الاجتماعي للمجتمع وغيّر قيم الإشنسان إلى الأسوأ، فانتشرت الفوضى في جميع مناحي الحياة، حيث يلمس الجميع مظاهر كل ذلك التدهور. إنه وضع مأساوي مؤلم وحزين، ولكن مع ذلك، الكويت تستحق الأفضل.

الأزمة الإدارية- من وجهة نظرنا المتواضعة- هي الإطار العام لتعثر مشاريع الحكومة، ولكن عند الخوض في التفاصيل، أو بمعنى آخر، في أسباب تعثر المشاريع، يتضح أن من أهمها ما يلي:

1 - عدم تحديد الأهداف بصورة واضحة قبل البدء بالمشروع أو «سوء التخطيط» حسب تسمية ديوان المحاسبة. ومن أهم هذه الأهداف: اختيار الموقع الملائم للمشروع، والأخطار التي قد تواجه المشروع، إن وجدت، وكيفية التحكم بها أو الحد من تأثيرها، والتكلفة التقديرية للمشروع حسب الميزانية المعتمدة، ومدة تنفيذ المشروع، أو بصورة أدق، تاريخ تسليم المشروع إلى الدولة، وعلاقة المشروع بمشاريع أخرى قد يخدمها. وكل هذه الأهداف وغيرها كثيرة يجب دراستها بدقة.

2 - تضارب الاختصاصات وضعف التواصل بين أطراف المشروع المختلفة وغياب الحوار الفعال عند الحاجة وعدم الحصول على المعلومات في الوقت المناسب.

3 - تواضع البنية التحتية الإدارية والفنية في مؤسسات الدولة أو ما يطلق عليه ديوان المحاسبة «ضعف كفاءة تنفيذ الأعمال». فإلى جانب البيروقراطية القاتلة في وزارات الدولة والصراعات المستمرة بين الموظفين في المناصب الإدارية العليا، فإن القدرات الفنية والإدارية في مؤسسات الدولة متواضعة جداً. لقد تفاقم هذا الوضع منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي نظراً لقيام الدولة بتشجيع وتحفيز التقاعد المبكر، وتقاعد فعلاً الكثير من الإداريين والفنيين الأكفاء رغم عدم بلوغهم سن التقاعد، وبالتالي أفرغت مؤسسات الدولة من هذه الكفاءات، وتقلد تلك المناصب الإدارية الشاغرة مهنيون ذوو قدرات وخبرات محدودة لا تتناسب مع مسؤوليات هذه المناصب، مما أدى إلى التردد في اتخاذ القرار الفني وتجنبه- إن أمكن- عبر تشكيل لجان لكل شيء. وأصبحت النتيجة الحتمية للتردد والتباطؤ في اتخاذ القرار الفني الصائب هي إعاقة إدارة المشاريع.

4 - تعدد الوزارات والمؤسسات الرقابية التي تتعامل مع مشاريع الدولة، وأصبح المشروع يدور في حلقة مفرغة من الإجراءات والموافقات والصراعات بين هذه الوزارات والمؤسسات، حتى أمست هذه المؤسسات تعوق ليس مشاريع الدولة فقط، بل مسيرة التنمية والدورة التي يمر بها أي مشروع حكومي ابتداء من الوزارة ذات العلاقة بالمشروع مروراً بلجنة البيوت الاستشارية وديوان المحاسبة وإدارة الفتوى والتشريع وحتى توقيع العقد مع المستشار الهندسي، لا تقل هذه الفترة في أحسن الأحوال عن سنتين، وقد تصل أحياناً إلى أكثر من السنتين.

وازداد الوضع تعقيداً بعد إضافة الرقابة المسبقة إلى مهام ديوان المحاسبة، حيث أصبح الكثير من القضايا المتعلقة بالمشاريع، بما في ذلك الأوامر التغييرية، تعرض عليه للموافقة المسبقة. ولكم أن تتصوروا ما يسبب تأخير الموافقات من مطالبات للمقاولين ومن زيادة في تكاليف المشاريع وتأخير تسلمها تبعاً لذلك.

5 - مشكلة «التحويل إلى النيابة»- تتميز بها الكويت بجدارة تحسد عليها نظراً لتواضع القدرات الفنية والإدارية في مؤسسات الدولة، وعدم قدرة الجهاز الفني على دراسة القضايا الخلافية دراسة مهنية ومعرفة وجود شبهة تبديد المال العام من عدمه. أصبح التحويل إلى النيابة أداة لتحاشي المسؤولية بغض النظر عن جدية الشبهة. وهذا الوضع أدى إلى ظلم الكثير من الموظفين المهندسين والمكاتب الهندسية وشركات المقاولين، كما أدى إلى تحاشي اتخاذ القرارات الفنية في مؤسسات الدولة خوفاً من تحويل متخذي تلك القرارات إلى النيابة العامة– ومن يعرف عن قرب وزارات الدولة– يعرف ما تعانيه من شلل إداري يعكس نفسه على إدارة المشاريع.

6 - التأخير في الحصول على الموافقات الحكومية اللازمة لبدء الأعمال والفترة الزمنية الطويلة التي يستغرقها إيصال أعمال الخدمات من كهرباء وماء وصرف صحي وغيرها، وتأثيرها السلبي على أعمال التسليم والتشغيل.

وخلاصة القول؛ أن تواضع البنية التحتية الإدارية والفنية في وزارات ومؤسسات الدولة هو السبب الأساسي والرئيسي في تعثر مشاريع الدولة. ولا أرى في القريب المنظور وسيلة للارتقاء تدريجياً بالبنية التحتية إلا من خلال تعيين مكاتب إدارة الإنشاءات الهندسية المحلية لمساعدة المهندسين في وزارات الدولة الفنية على إدارة المشاريع والارتقاء بكفاءة مهندسي الدولة، والابتعاد عن المكاتب الهندسية العالمية المتخصصة بإدارة الإنشاءات، لأنه قد ثبت بالدليل القاطع عدم جدوى هذه المكاتب الهندسية العالمية نظراً لعدم إلمامها بالظروف والإجراءات المحلية والقدرة الفنية والإدارية للجهاز الإداري والفني في الوزارات الفنية، واسألوا وزارة الأشغال العامة عن تجاربها السابقة وكم من الأموال صرفت بدون أي جدوى.