صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4275

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

لن يجرؤ النسيان

  • 12-09-2019

النسيان لن يمسح كل شيء، سيبقى شيء ما لنا، غبار حنين، موسيقى ستبقى رائحتها على حافة تنور القلب، شذى يشعل مواقد نار لم تنطفئ في أقاصي الروح، سريان الريح ليلا بين الأثل الموغل في الصمت الموحش، بحة كلمات لا تزال عالقة في حرير الشراشف على الأسرّة الموشاة بالياسمين والزعفران، في الطرق التي تظنها كانت مسدودة قبل ذلك، فإذ بك تصادفها وجها لوجه كمرايا لم تغلق أبوابها بعد، ولم تنطفئ الغموض فيها، في بقايا الصهد الذي تراكم عليه الثلج ونتجاهله عمداً حتى نكاد نوشك أن نصدق أنه قد هدأ، في سفر المراكب التي أودعناها أمانة في ذمة البحار، وقد جزمنا أنها رحلت بغير رجعة، ولا سبيل لها أن تعود، لن يجرؤ النسيان على ألا يترك أثرا يدل على خُطاه، ولن يستطيع بأي حال من الأحوال أن يمحو كل الأدلة خلفه.

سيرتكب النسيان خطأ ما، غلطة فادحة هنا أو هناك، وسيعرف أننا نلاحقه سرّا حتى لو بدا أننا نتشاغل عنها، سنبحث عنه في الدهاليز المعتمة في داخل أرواحنا، وفي بشائر الضحى، تحت ضوء القمر، وفي رابعة النهار، ولن يهدأ لنا بال حتى نعرف حتى لو من باب الفضول كيف أصبح وكيف أمسى، وسنجرب أن ننكزه بعصا الذكريات، لنتأكد أنه ما زال على قيد الحياة، سنتربص له سرّا من خلف ظلال النخيل ونتتبعه، وسنشم أثره أينما حط رحاله من دون أن يدري، وسنقتفي آثار عُشبه وما تقصف من جفافه، وسنُلصق آذاننا في الأرض لعلّنا نستمع لهسيس ماء في جوف الأرض، ونصغي لنشيجه القادم من بعيد، لا بد من خطأ ما سيرتكبه النسيان، فلا جريمة كاملة سيتركها دون أن يخبئها في مكان عصيّ على العثور، لن يتركنا فارغين إلا من تفاهتنا وذكريات مصلوبة على أقبية المساجد والكنائس، ومن ثم يطلقنا في فضاء نتوه به، لا يشدنا إلى أرضه جذر، ولا تمتد لنا أذرع السماء، سيبقى لنا رغم أنف النسيان ما نتذكره ويتذكرنا ويغرسنا سنابل في قاع لم تحرث بعد، هل سيُبقي من ريشنا جناح بعوضة؟! نعم سيفعل، هل سيقابلنا على الرصيف في الضفة الأخرى؟! هل سيختبئ تحت أنسجة جلودنا؟! نعم سيفعل، سيطل بوجهه المليح أو القبيح، ولو بعد حين.

سواء هربنا منه أو هرب منا، سيكون النسيان حاضرا موجودا إلى أبعد مما نتخيل، ملتصق بنا مهما اختبرنا صبرنا وجَلَدنا، لن يتمكن، ومهما فعل لن يجرؤ أن يترك لنا ماء مهدورا في الممرات اليابسة التي لا تطل على مشارف فجر أو إكليل ندى، لن نكون عراة بدونه، ولن يكون متلحفا إلا بقلوبنا، حتى وإن أصبحنا تحت الأرض سيبقى لنا أثر ما على وجه الأرض يشاغب ذكرياتنا التي ستبقى أجنحة تنبش سعال الريح.