صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4222

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

دولة الحريات... لا تعرف القمع

  • 04-09-2019

لم يكن وضع الدستور الكويتي وليد مصادفة أو فكرة عابرة، بل كان إرساءً لبناء دولة مؤسسية ودستورية متكاملة، جاء عن رغبة وصدق ووعي وإدراك لمفهوم الديمقراطية والحرية والمشاركة، ولذا فقد استهل ديباجته بأن هذا الدستور "يفيء على المواطنين مزيداً كذلك من الحرية السياسية والمساواة والعدالة الاجتماعية... وشورى في الحكم، مع الحفاظ على وحدة الوطن واستقراره"، ثم جاءت المادة (7) منه لتقرر أن من مقومات المجتمع الكويتي الأساسية: "العدل والحرية والمساواة، وأنها دعامات للمجتمع والمواطنين"، ثم جاءت المادة (30) من الدستور لتؤكد أن "الحرية الشخصية مكفولة"، وأعقبتها المواد المتتالية من (31 إلى 46) لتشيّد جميعها سياجاً متيناً من ضمانات الحريات ومبادئها وكفالتها بشتى أنواعها، حتى تكون درعاً منيعة تحفظ للمواطن مكانته وتمتعه بحريته دون قيد أو قمع أو رهبة أو تخويف أو فزع، وهو بناءٌ حبلُه متين وأساسه صلب في الدستور وفي ضمير الآباء المؤسسين الذين وضعوا هذا الدستور عن علم وإدراك ووعي وبعناية، وقد خصّت المادتان (36 و37) من الدستور حريتين أساسيتين هما القلب النابض لشريان حياة الإنسان الحر، ألا وهما "حرية الرأي" و"حرية الصحافة"، فجاءت المادة (36) مقررة بعبارة حاسمة جازمة بما يلي: "حرية الرأي والبحث العلمي مكفولة، ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غيرهما"، ثم جاءت المادة (37) متممة ومكملة لها بما يلي: "حرية الصحافة والطباعة والنشر مكفولة وفقاً للشروط والأوضاع التي يبينها القانون".

وجليّ مما أوردته هاتان المادتان أن الدستور الكويتي عمد إلى إتاحة كلتا الحريتين بصورة كاملة غير منقوصة لكل مواطن، وقرنهما لزوماً وحتماً بحرية الصحافة التي هي الوعاء الذي يمكن من خلاله إيصال الرأي والتعبير عنه كتابة أو شفاهة أو صوتاً وصورة، بما نعرفه اليوم بوسائل الإعلام المختلفة أو وسائل التواصل الاجتماعي المماثلة.

إلا أنه يبدو أن البعض من خفافيش الليل ومن عقليات الظلام، ما زالت في مواقع المسؤولية ببعض أجهزة الدولة، سواء السلطة التنفيذية أو السلطة التشريعية ممن لا يزال ينظر إلى الدستور وإلى الحريات على أنها هبات أو منح له الحق في سلبها وتقييدها ومنع الناس من التمتع بها، ولذا فقد وجدنا في سنوات قليلة ماضية تسابقاً محموماً، في ردة تشريعية سعت وتسعى إلى كبت الحريات ومنعها وملاحقة الكلمة وأصحابها ومحاصرة الرأي ومصادرته وإجهاض مفهوم الحريات وحق التعبير عن الرأي اللذين كفلتهما المادتان (36 و37) المشار إليهما سابقاً، بل وإلى ردة أوسع تهدف إلى إفراغ الدستور من معاني الحرية ومبادئ الأمان الفردي والحرية الشخصية التي قررتها كل المواد الأساسية المتعلقة بمقومات المجتمع الكويتي، كما أرساها الدستور، وهذه الردة بكل أسف، أخذت تنتشر وتزيد ترتيباتها وإجراءاتها والتشريعات المرتبطة بها تحت مبررات وحجج واهية لا أساس لها إطلاقاً، مثل حماية النظام أو حماية الدولة أو حماية الشخصيات العامة فيها، أو وضع الحرية في إطار من المسؤولية الجنائية المباشرة، وكل تلك التبريرات والحجج واهية متداعية؛ إذ إن وضع الدستور الكويتي والقوانين المرتبطة به وتنظيمها للحريات في التشريعات التي نظمت الحريات العامة وطرق ممارستها كانت منذ صدور الدستور الكويتي وحتى 2003 تشريعات مسؤولة وكافية ووافية في تحقيق التوازن بين الحرية والمسؤولية، إلا أن الردة التشريعية التي بدأت تنتقص من الحرية بدأت بالظهور منذ عام 2003، وأخذت بالتوسع إلى يومنا هذا على نحو مقلق ومؤرق ومفزع يتسم بالنفس القمعي والعقل البوليسي، ويبتعد عن النطاق الديمقراطي لضمانات الحرية التي أرساها الآباء المؤسسون، وهو ما يمثل في رأينا انقلاباً على أحكام الدستور ويمثل ردة لا يجوز السكوت عنها.