صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4494

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

طريق المعارضة الروسية لا يزال طويلاً!

  • 19-08-2019

في روسيا لا تزال قوى الأمن منضبطة ولا تبدي أي مؤشرات على عدم استعدادها لأداء دورها في حملات القمع الدراماتيكية، أما الاقتصاد، فيبدو راكداً لكنه لا يمرّ بأزمة فعلية، فرغم الاضطرابات السياسية ، رفعت وكالة «فيتش» تصنيف الاستثمار الروسي إلى درجة BBB، وهو المستوى الذي سجّله البلد قبل ضمّ شبه جزيرة القرم.

نزلت حشود واسعة من الناس إلى شوارع موسكو، فنشر الكرملين عناصر من الشرطة وقوى الأمن للتصدي لهم. مع ذلك، تابع سكان موسكو مسيرتهم متجاهلين سوء الأحوال الجوية وحتى التهديدات المخيفة بحصول أعمال عنف من جانب الدولة. لم تقع هذه الأحداث الأسبوع الماضي، بل في 28 مارس 1991، حين نزل 100 ألف شخص إلى الشارع احتجاجاً على محاولات منع بوريس يلتسين من المشاركة في الانتخابات الرئاسية للاتحاد الروسي.

استُخلِصت ثلاثة دروس من تلك الأحداث، فبعد التعبير عن إرادة الشعب بهذه القوة، أدرك الرئيس السوفياتي ميخائيل غورباتشوف أنه يحتاج إلى التصالح مع يلتسين، إلا إذا أراد أن يحكم بقوة السلاح، لكن تلك العملية الأمنية الواسعة والفاعلة كانت كفيلة بإقناع يلتسين أيضاً بأن تحدي الكرملين مباشرةً غير ممكن، لذا وافق على عقد نوعٍ من الاتفاق مع غورباتشوف.

لكن لمجرّد أن غورباتشوف سمح بتنظيم تلك الاحتجاجات، اعتبره فريق من المتطرفين حاكماً ضعيفاً، حتى أن صحيفة "إزفستيا" الموالية للكرملين عبّرت عن استيائها ووصفت "عجز" الكرملين بالموقف "المهين"، وبالتالي يجب أن يتولوا بأنفسهم إدارة الوضع، نتيجةً لذلك، وقع انقلاب شهر أغسطس السخيف وأدى إلى تدمير النظام السوفياتي الذي ظنوا أنهم يدافعون عنه.

ما المغزى من سرد تلك الأحداث؟ رغم الانهيار الاقتصادي، والإضراب الوطني، وتنامي الحركات الانفصالية، وإحباط الجهاز الأمني، وتشويه الأيديولوجيا الرسمية بالكامل، لم يتمكن 100 ألف متظاهر من إحداث فرق حقيقي، لكنهم أثروا على تحالفات النخبة الحاكمة وحساباتها، وكانت التسوية نتيجة حتمية للمواجهة.

تستحق هذه الأحداث أن نتذكرها الآن وقد نزل 60 ألف محتجّ إلى شوارع موسكو، فضلاً عن آلاف المشاركين الآخرين في مناسبات متضامنة معهم في أنحاء البلد، إذ يبدو هذا التحرك أكبر من أن يتجاهله الكرملين.

لا يتجاهل الكرملين هذه الحركة الاحتجاجية أصلاً، ويتّضح ذلك في إقدامه على نشر أعداد هائلة من قوى الأمن (أصبحت مندفعة ومدرَّبة وجاهزة لفرض النظام العام أكثر من الشرطة المستاءة والمتوترة في عام 1991)، واعتقال قادة المعارضة، وإجراء تحقيق عن مؤسسة مكافحة الفساد التي يقودها ألكسي نافالني، وحتى تنظيم مهرجانات للموسيقى والأكل لإلهاء سكان موسكو.

لكن ماذا سيحصل بعد نجاح المعارضة في جذب انتباه الكرملين؟ وما هي أهداف المحتجين الحقيقية؟ هل يريدون بكل بساطة إعادة قائدَي المعارضة إيليا ياشين وليوبوف سوبول وآخرين إلى اللوائح الانتخابية للمشاركة في انتخابات موسكو المحلية الشهر المقبل وإطلاق سراح المحتجين؟

لن تكون هذه الخطوات كافية لإنهاء الحركة الاحتجاجية، بل يشتبه خبراء السياسة في الكرملين في احتمال أن يُعتبر هذا التنازل مؤشر ضعف، مما يؤدي إلى توسيع المطالب كمراجعة عتبة الأصوات اللازمة للترشّح للانتخابات البلدية، وإقالة المسؤولين عن مختلف التجاوزات...

عملياً، تشكّل هذه التطورات كلها جزءاً من نزعة أوسع لإرساء الديمقراطية، وفرض إصلاحات قانونية بارزة، وتطهير النخبة الحاكمة، باختصار، إنها مرحلة تمهيدية لإطلاق ثورة حقيقية!

لم يقف ياشين والمعارضون الآخرون في وجه مجلس مدينة موسكو لرفض تقسيم الدوائر الانتخابية، بل أرادوا توجيه رسالة واضحة حول ضرورة إحداث تغيير منهجي.

كان المتشددون محقين تماما، مع أن أحكامهم تخدم مصالحهم الخاصة. من الواضح أن إقصاء مرشّحي المعارضة من اللوائح الانتخابية بهذه الطريقة الخرقاء شكّل خطوة غبية وقصيرة النظر، فقد وضعت الحكومة نفسها في موقفٍ لا تستطيع الانسحاب منه، أو تعجز عن التراجع عنه علناً على الأقل. هكذا تحوّلت المسألة إلى صراع على السلطة.

إذا تمكنت المعارضة من استعمال زخمها الراهن والفرص السانحة لها الآن، فيجب أن تطلق سلسلة من المطالب السياسية المنطقية والمؤثرة، بشرط أن تكون مقبولة من جانب الكرملين أيضاً.

الوضع الراهن لا يشبه عام 1991، رغم الانزعاج السائد في أوساط النخبة الحاكمة بشأن السياسة المعمول بها اليوم، فإن أكبر مخاوفها يتعلق بانهيار النظام القائم.

في غضون ذلك، لا تزال قوى الأمن منضبطة ولا تبدي أي مؤشرات بعد على عدم استعدادها لأداء دورها في حملات القمع الدراماتيكية، أما الاقتصاد، فيبدو راكداً لكنه لا يمرّ بأزمة فعلية، فرغم الاضطرابات السياسية كلها، رفعت الوكالة العالمية "فيتش" تصنيف الاستثمار الروسي إلى درجة BBB، وهو المستوى الذي سجّله البلد قبل ضمّ شبه جزيرة القرم. نسبت وكالة "فيتش" هذا القرار إلى سياسات الاقتصاد الكلي، وتراجع الديون الخارجية، والوضع المالي الصلب، كما ذكرت أن روسيا أصبحت اليوم في موقعٍ أفضل لتحمّل أي عقوبات أميركية جديدة.

على صعيد آخر، لا يزال الكرملين قوياً، ويبدو بوتين مشابهاً لغورباتشوف على مستويات عدة، مع أن الرجلَين كانا ليرفضا الاعتراف بنقاط التشابه بينهما. لا يريد بوتين أن يقود سلطة ملطّخة بالدم، بل يتمسك بالشرعية محلياً وخارجياً، ويرغب في تمويل مغامراته واختلاسات أعوانه ومشاريعه الفاخرة، لذا يحتاج إلى اقتصاد فاعل، لكن هذا الاقتصاد يعتمد على عدد كبير من المشاركين في أعمال الشغب التي يكافحها.

في مطلق الأحوال، يبقى بوتين ابن فترة الثمانينيات وقد عايش الرعب المرافق لانهيار النظام المتسارع في ألمانيا الشرقية والاتحاد السوفياتي معاً. حتى أعمال العنف المريعة التي حصلت في الاحتجاجات السابقة لا تضاهي الحملات التي يستطيع إطلاقها لو أراد ذلك، أو تلك التي سيطلقها على الأرجح إذا شعر بأنها البديل الوحيد عن الفوضى.

لا يتعلق التحدي الوحيد أمام المحتجين إذن بالحفاظ على حماستهم وشجاعتهم وزخمهم في وجه الاعتقالات والتهديدات من جهة ومهرجانات الأكل والموسيقى من جهة أخرى، بل يجب أن يضعوا مجموعة أهداف لدعم قضيتهم بوتيرة بطيئة لكن ثابتة، شرط ألا تشعر السلطات بأنها تعجز عن مواكبتها. تتمسك المعارضة بالحماسة والحق، بينما تتبنى السلطات أسلوباً وحشياً، وأمام هذا الوضع، على المعارضة أن تتحلى بالصبر كي تخوض اللعبة بذكاء وبراعة.

* مارك جاليوتي

* «موسكو تايمز»