تحقيق معادلة النمو الاقتصادي... الاستهلاك أم الإنتاج؟

اقتصاد الولايات المتحدة عالق في «الدرجة الأولى» بسبب عدم المساواة

نشر في 04-08-2019
آخر تحديث 04-08-2019 | 00:01
No Image Caption
ازداد الإنفاق الاستهلاكي بالفعل خلال فترة الركود الاقتصادي لعام 2001 الممولة جزئياً عن طريق ائتمان سهل مصطنع حتى مع تراجع توظيف العمالة والاستثمار، وخلال الفترة الحالية عاد الإنفاق الاستهلاكي في الولايات المتحدة إلى أعلى مستوى له على الإطلاق في عام 2011.
هناك مثال شائع يشبه الاقتصاد بالسيارة باستمرار، وهذا التشبيه يعد القياس الأكثر شعبية في التقارير المالية والخطاب السياسي الأميركي إذ يقوم الخبراء الماليون والسياسيون بإخبار الشعب الأميركي مراراً وتكراراً بأن الاستهلاك هو «المحرك» الذي يدفع «النمو» الاقتصادي لأنه يشكل 70 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

ويؤكد «جوزيف ستيجليتز» أحد الخبراء البارزين والحائز جائزة نوبل للاقتصاد تأييده لنظريات النمو الغريبة القائلة، إن الاقتصاد يمكن أن يتحرك بـ «شراء اليخوت والسيارات الفاخرة وخدمات المدربين الشخصيين وطهاة المشاهير».

سيارة مختلفة

كما يدعي ستيجليتز أن اقتصاد الولايات المتحدة الأميركية عالق في «الدرجة الأولى» بسبب عدم المساواة إذ يتركز الكثير من الدخل بين عدد قليل جداً من الأثرياء الذين يميلون إلى توفير حصة أكبر من دخولهم وبالتالي لديهم «رغبات أقل للاستهلاك»، ما يجعل الرسالة الكينزية

(نسبة إلى جون مينارد كينز مؤسس المدرسة الكينزية في الاقتصاد) واضحة: إذا كنت تريد تشجيع سيارة الاقتصاد عليك بالاستهلاك.

ويقول كريستوفر سيمز الحائز جائزة «نوبل» في الاقتصاد عام 2011 إنه وتفعيلاً لتشبيه الاقتصاد بالسيارة، فمن المؤكد أن تفضيلات المستهلك ستكون بمنزلة عجلة القيادة، لكن المدخرات والاستثمارات الحقيقية ستكون المحرك الذي يدفعها إلى الأمام، أي أن الاستهلاك ليس كل شيء.

ويرى سيمز أن السجل التاريخي للنمو الاقتصادي يتعارض مع هذه «العقيدة الاستهلاكية»، فقد كان النمو الاقتصادي والكساد كلاهما دائماً مدفوعين بالتغيرات في الأعمال التجارية والاستثمار في السلع المعمرة، بينما كان الإنفاق النهائي على السلع الاستهلاكية مستقرًا نسبيًا خلال دورة الأعمال.

ولطالما كان الازدهار والانهيار في الأسواق المالية والصناعة الثقيلة والإسكان من أهم مؤشرات الركود والانتعاش، وأزمات مثل الأزمة المالية العالمية وكساد الـ «دوت كوم» والكساد العظيم تعكس أن الاستهلاك ليس العامل المؤثر الأوحد في الإبقاء على النمو، بل وربما ليس العامل المؤثر الأول.

وعلى سبيل المثال، فقد انهار الاستثمار أولاً خلال العقدين الماضيين من الازدهار والكساد مما أدى إلى انخفاض وتراجع التوظيف.

المستقبل أم الاستهلاك

كما ازداد الإنفاق الاستهلاكي بالفعل خلال فترة الركود الاقتصادي لعام 2001 الممولة جزئياً عن طريق ائتمان سهل مصطنع حتى مع تراجع توظيف العمالة والاستثمار.

وخلال الفترة الحالية عاد الإنفاق الاستهلاكي في الولايات المتحدة إلى أعلى مستوى له على الإطلاق في عام 2011، ومع ذلك يظل الاستثمار حتى يومنا هذا عند أدنى مستوياته في العقد الحالى مخلفاً أسوأ انتعاش في مستويات معيشة العمالة منذ الكساد العظيم (رغم التراجع في البطالة).

ويقول جون ستيوارت ميل، إن «الطلب على السلع ليس هو ذاته الطلب على العمالة»، ولا يترجم بالضرورة طلب المستهلك إلى زيادة العمالة، ذلك لأن «المستهلكين» لا يوظفون أشخاصاً ولكن الشركات تفعل.

ونظراً إلى أن عمليات التوظيف الجديدة هي استثمار محفوف بالمخاطر ومكلف مع عوائد مستقبلية غير معروفة، فإنه يجب على أصحاب الأعمال الاعتماد على توقعاتهم حول المستقبل وموازنة تلك القرارات بحذر شديد.

وبحسب المؤرخ الاقتصادي روبرت هيجز أحد أهم من كتبوا عن الكساد العظيم، فإن زيادة التشكك في المستقبل الاقتصادي يمكن أن تقلل من نمو الوظائف حتى في مواجهة الاستهلاك المزدهر.

واتسمت العقود القليلة الماضية في أميركا بانهيار المدخرات الحقيقية التي يشجعها «الائتمان المصطنع» بسهولة من مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إلى جانب النمو الهائل في الإنفاق الحكومي. كل هذه العوامل مجتمعة تسببت فى إحداث طفرة في الإنفاق تغذيها الديون بما لها من عواقب وخيمة.

إن زيادة الاستثمار هي التي تدفع النمو الاقتصادي بينما يؤدي الاستثمار المتراجع إلى الركود وتقليل فرص العمل كما كان الحال دائماً. وأولئك الذين يعزون ركوداً إلى قلة الطلب من المستهلك يعتمدون على مجموعة «سامة» من البيانات المريبة والنظريات الخطيرة.

الإنتاج قبل الاستهلاك

إذا أردنا تعريف الناتج المحلي الإجمالي فهو ملخص للمبيعات النهائية للسلع والخدمات الجديدة وليس للنشاط الاقتصادي كله. أي أنه لا يتم التعامل مع المواد الخام والبضائع الوسيطة وتكاليف اليد العاملة التي تشكل الجزء الأكبر من الإنفاق التجاري في الناتج المحلي الإجمالي، بل يتم دمجها في سعر البيع النهائي للإنفاق «الاستهلاكي».

ووفقاً لإجمالي الناتج المحلي فإن المعدات الرأسمالية، والتغيرات الصافية في المخزون وشراء المنازل المشيدة حديثًا هي فقط ما يشكل قوام «الاستثمار». لذلك فإن وضع البيانات في هذا الإطار يجعل استنتاج أن «الاستهلاك يدفع الاقتصاد» مفروغاً منه.

ولكن من أين يحصل هؤلاء «المستهلكون» على أموالهم لإنفاقها؟ قبل أن نستهلك، نحتاج إلى الإنتاج وكسب رواتبنا. ويتعين أن تتدفق الرواتب إلى المنتجين نتيجة لمساهمتهم -كل بنسبة ما- في خلق القيمة.

بالنسبة للموظفين فإن هذه الرواتب هي دخولهم، لكن بالنسبة لأصحاب العمل فالأجور تمثل المصروفات الأكبر لأى شركة. ومع ذلك، لا يعامل إجمالي الناتج المحلي أجور الموظفين أو الموارد على أنها «إنفاق استثماري» على الرغم من أن أي صاحب عمل يعتبر الرواتب أهم وأكبر استثمار يقوم به. وبدلاً من ذلك، تظهر أجور الموظفين في بيانات الناتج المحلي الإجمالي كاستهلاك عند إنفاق الدخل على السلع النهائية مثل الغذاء والملابس والأدوات والإجازات.

رقم واحد

ونظراً إلى أن الناتج المحلي الإجمالي هو رقم واحد مُجمع، فإنه يضيف إنفاق الاستهلاك والاستثمار معاً، لكن هذا التلخيص يخفي حقيقة أن هذين النشاطين يتعارضان فى الواقع على المدى القصير. فمن أجل الاستثمار أكثر اليوم ، علينا أن ندخر أكثر ونستهلك أقل.

ونتيجة لذلك، لا يكشف الناتج المحلي الإجمالي في حد ذاته عن أي شيء يتسبب في نمو الاقتصاد بل في أفضل الأحوال يوضح حجم الاقتصاد وما إذا كان ينمو أو يتقلص.

ويكشف البحث فى تفاصيل الناتج المحلي الإجمالي عن بنية ذات قيمة مضافة للإنتاج أكثر تعقيداً بكثير من التحليل المبسط الذي تقدمه غالبية التقارير الاقتصادية، فوفقاً للبيانات الحكومية، فإن أكثر من 70 في المئة من الأميركيين يكسبون دخلهم من العمل في الأعمال التجارية المحلية.

ومع ذلك فإن قطاع التجزئة في الاقتصاد الأميركي ساهم في 6 في المئة فقط من الناتج المحلي الإجمالي، وكما تظهر بيانات مكتب إحصاءات العمل حول التوظيف فإن نحو 11 في المئة فقط من الأميركيين يعملون في «المبيعات والمهن ذات الصلة»، وهذا يترك قدراً كبيراً من النشاط الاقتصادي والعمالة لقطاع «الأعمال التجارية» الذي يمثل معظم الاقتصاد الحقيقي خارج حسابات الناتج المحلي.

أما عملياً، فإن معظم أنشطة القيمة المضافة تحدث بين بنية واسعة من الشركات والعمال، تبدأ بالمواد الخام والمخططات وتلتقي على مدار أشهر بل وأحياناً سنوات إذا تضمنت البحث والتطوير قبل أن يصلوا لمرحلة البيع النهائية.

وفي كل مرحلة، لا يتم تمويل النشاط من خلال «الإنفاق الاستهلاكي» الحالي لكن من خلال مجموعة من الاستثمارات والمدخرات الجديدة مثل الأرباح المعاد استثمارها لكل شركة.

وكلما كانت طبيعة العمل أبعد عن إنتاج سلعة نهائية للشركة، كلما زاد اعتمادها على أسواق الائتمان وازداد تعرضها للتشوهات في جانب المدخرات والاستثمار.

ونظراً إلى أن التوظيف يمتد عبر هذا الهيكل الزمني مع وجود عدد قليل نسبيًا في مرحلة البيع بالتجزئة النهائية، فإن التغييرات في المدخرات والاستثمار لها تأثيرات هائلة على التوظيف.

لا تضع عربة التسوق قبل الحصان

هناك فكرة غير منطقية أساسية أنه يمكن تنمية الاقتصاد من خلال تشجيع الاستهلاك. عندما يستهلك الشخص -بحكم تعريفه- فإنه يستخدم المنتجات والعملية ذاتها تجعل ما لدينا أقل من ذي قبل.

كما أن زيادة توفر السلع والخدمات القيمة للمجتمع باستخدامها ليست مجرد فكرة مستحيلة وحسب بل إنها تكاد تكون عبثية أيضاً، فالاستهلاك هو الهدف، لكن الإنتاج هو الوسيلة.

وخلال معظم تاريخ البشرية، كان على الناس العاديين قضاء حياتهم في زراعة ما يحتاجونه من الطعام، أما اليوم فلدينا العديد من المليارات من البشر على الأرض، ومع ذلك، فإن الطعام أرخص وأفضل وأكثر تنوعاً من أي وقت مضى، رغم النسبة الضئيلة جداً للعاملين في الزراعة.

فوفقاً «لـفوربس» فإن «الوصول إلى عالم ثري مذهل لم يتم عن طريق تناول الطعام»، وإنما من خلال توفير البذور لزراعتها والاستثمار والاختراع في نهاية المطاف للخروج من الوظائف الزراعية، إلى الصناعية والخدمية والتجارية بما فرض تنوعًا غير مسبوق في الاقتصاد وأسهم في نموه.

ولذلك عارض «سيمز» الحائز نوبل ما يقوله «الكينزيون» من أن الحروب والكوارث الطبيعية والهجمات الإرهابية والغزوات الأجنبية أو البرامج التي تشجعنا على تدمير سياراتنا المستعملة تجعلنا أكثر ثراء لإنها تحفز الاستهلاك، ورأى أنها تجعلنا «بشكل جمعي» أكثر فقراً.

فكل ما سبق يقلل من كمية السلع والخدمات ذات القيمة المتاحة للمجتمع، وقد يعتبر البعض أن إعانات البطالة هي سياسة ضرورية على أسس إنسانية، لكنها لا «تحفز» الاقتصاد بأي حال من الأحوال، فمتلقي الإعانة في النهاية يستهلك دون إنتاج أي قيمة للآخرين.

إن تزايد العوامل المثبطة للناس أن يكونوا منتجين، والتي تنامت في السنوات الأخيرة بشكل لافت، لا تقلل من فرص العمل فحسب بل تقلل الإنتاج والنمو أيضاً.

ويقول الاقتصادي الشهير بول كروغمان، إن إعانات البطالة الموسعة أحد الأسباب الرئيسية لعقود من الركود الأوروبي وارتفاع معدلات البطالة «الهيكلية».

ويضيف كروغمان أننا إذا كنا نريد نمواً اقتصادياً سليماً ومستداماً، فإنه يتعين على كل واحد منا اكتشاف أكثر الطرق قيمة لخدمة الآخرين والمساهمة في توفير الثروة قبل أن نتمكن من الاستيلاء عليها من خلال الاستهلاك، فالإنتاج دائماً يجب أن يسبق الاستهلاك والمنطق المعكوس هنا يؤدي لكوارث الديون وغيرها.

قطاع التجزئة في الاقتصاد الأميركي ساهم بـ ٪6 فقط من الناتج المحلي الإجمالي
back to top