صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4385

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

رحيل نزارباييف يسم بداية الهجرة الروسية الثانية من كازاخستان

  • 16-04-2019

لو أن نزارباييف بذل جهداً أكبر لتحديث التعليم بين الناطقين بالكازاخستانية وفرض تعليم اللغة الكازاخستانية على مَن ينتمون إلى الإثنية الروسية، لما تسارعت هجرة مَن ينتمون إلى الإثنية الروسية في كازاخستان منذ استقالته من منصبه كرئيس في الشهر الماضي.

من الواضح أن هجرة مَن ينتمون إلى الإثنية الروسية ومَن يتحدثون الروسية في كازاخستان تسارعت منذ استقالة نور سلطان نزارباييف من منصبه كرئيس في الشهر الماضي، مع أننا لا نملك إحصاءات رسمية عن حجم هذا النزوح.

كان نزارباييف القائد السوفياتي المركزي الأخير لهذه الجمهورية، وقد اعتبره روس كثر ضمانة التناغم الإثني، رغم أن نزارباييف يبقى في السلطة في الكواليس، إذ يشير إيغور بيريفيرزيف، معلق روسي مقره في كازاخستان، إلى أن القيادة التي ظهرت بعد نزارباييف تبدو أقل اهتماماً منه في الحفاظ على التوازن بين مصالح المجموعتين الإثنيتين الروسية والكازاخية.

بدلاً من ذلك، تبدو النخبة السياسية الناشئة أكثر التزاماً بمقاربة "الكازاخ أولاً"، مما يثير قلق مَن ينتمون إلى الإثنية الروسية، ونتيجة لذلك، من المؤكد أن هجرة هذه الأقلية الكبيرة من البلد ستزداد خلال الأشهر المقبلة، مما سيضفي على كازاخستان طابعاً كازاخياً أكثر بروزاً من أي وقت مضى وسيدفع الحكومة إلى تخصيص اهتمام أقل لمجتمع الإثنية الروسية، وهكذا يدخل هذا المجتمع في دوامة لا مفر منها.

رغم غياب الإحصاءات، ثمة أدلة واضحة على أن هذه الهجرة بدأت بالفعل، فيخبر بيريفيرزيف: "يقرأ سكان مدينة ألماتي الأصليون كل يوم تقريباً في وسائل التواصل الاجتماعي أن أحد معارفهم انتقل مع عائلته إلى روسيا"، مع أنه كان يتمتع ببحبوحة اقتصادية في كازاخستان، ويضيف هذا المعلق: "حتى أولئك الذين لم يعبّروا سابقاً عن رغبة مماثلة أو لم يملكوا أي دافع لاتخاذ خطوة مماثلة يفكّرون اليوم في الهجرة".

لا شك أن هذا الوضع يشبه من نواحٍ معينة ما حدث في مطلع تسعينيات القرن الماضي عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، ولكن خوفاً مما قد يسببه هرب الروس لاقتصاد هذا البلد وعلاقاته مع موسكو والمؤسسات الحاكمة الروسية، بذل نزارباييف قصارى جهده ليبطئ هذا الخروج بمنحه اهتماماً خاصاً لمن ينتمون إلى الإثنية الروسية في هذا البلد، مع أن حافزه إلى ذلك تراجع مع مواصلة الروس الرحيل وقدوم الشركات الغربية. عكس هذا خبرته السوفياتية، خبرة شملت تسميته من قبل الرئيس السوفياتي السابق ميخائيل غورباتشوف "أكثر من مرة" كرئيس وزراء سوفياتي محتمل. أما مَن خلفوا نزارباييف، فلا يملكون خلفية مماثلة، فضلاً عن أن بلدهم اكتسب اليوم طابعاً كازاخياً أشمل مقارنةً بما كان عليه عندما تسلم نزارباييف زمام السلطة في أواخر ثمانينيات القرن الماضي.

تعكس تركيبة الحكومة الكازاخستانية الإثنية هذا التبدل الديموغرافي المتنامي، ففي العقود الأخيرة، "تراجعت حصة غير الكازاخ في إدارة الحكومة باستمرار، ويؤكد بيريفيرزيف أنه "إذا كان أول رئيس وزراء لـ"كازاخستان المستقلة" رجلاً يحمل الاسم الأوكراني تيريشينكو، فإن الحكومة الحالية تتألف من الكازاخ فحسب"، ولا شك أن الإثنية الكازاخية تزداد بروزاً، وخصوصاً بعد اعتزال نزارباييف إدارة شؤون البلد اليومية، وهذا واقع يلاحظه الروس والكازاخ على حد سواء.

لكن هذه القصة تشمل حبكة قد تقود إلى تداعيات أكبر، حيث يتحدث عدد كبير من الكازاخ الأكثر نجاحاً الروسية، ونتيجة لذلك يوضح بيريفيرزيف: "لا يمتد الانقسام الكبير في المجتمع بين المجموعتين الإثنيتين بل بين العالم الناطق بالكازاخستانية والعالم المتكلم بالروسية والذي لا يقتصر على مَن ينتمون إلى الإثنية الروسية". ولا شك أن رحيل المجموعة الإثنية الروسية سيضع الكازاخ الناطقين بالروسية في موقف أكثر ضعفاً، وهكذا تساهم هجرة الإثنية الروسية في جعل كازاخستان بلداً إسلاميا أكثر تشدداً وتمسكاً بالتقاليد في وسط آسيا مقارنةً بما كان عليه سابقاً.

يؤكد بيريفيرزيف أن نسبة مَن ينتمون إلى الإثنية الكازاخية في المجتمع الناطق بالروسية في هذا البلد، والتي تُعتبر بحد ذاتها من نتاج السياسات السوفياتية، "ضخمة". لذلك ما زالت الحكومة، التي تتألف إثنياً من الكازاخ، تعقد اجتماعاتها باللغة الروسية، مما يشكّل إهانة كبيرة للكثير ممن ينتمون إلى المجموعة الإثنية الرئيسة في البلد ويتحدثون الكازاخية. بالإضافة إلى ذلك، يملكون أسباباً إضافية للشعور بالاستياء: يملك الكازاخ الناطقون بالروسية ثروات أكبر عموماً ويبدون أكثر ميلاً إلى أوروبا في حياتهم العائلية والاجتماعية.

ويشير بيريفيرزيف إلى أن الكازاخ المتكلمين بالروسية "ينظرون غالباً إلى الماضي لا المستقبل"، ويضيف هو ومعلقون آخرون أن نزارباييف دعم الكازاخ المتكلمين بالروسية حتى مع تنامي حصة مَن يتكلمون الكازاخستانية، إلا أن هذا الميل بلغ ذروته وبدأ بالتراجع.

لكن هذا الميل يقسّم المجتمع في كازاخستان: أولاً بين المجموعة الإثنية الروسية ومجموعة الإثنية الكازاخية المتحدثة بالكازاخية التي ازدادت نفوذاً أخيراً، وثانياً بين الكازاخ الناطقين بالروسية والكازاخ المتحدثين بالكازاخية، مما قد يؤدي إلى عدم استقرار اجتماعي وسياسي متنامٍ.

ربما كان بالإمكان تفادي هذه المشكلة لو أن نزارباييف بذل جهداً أكبر لتحديث التعليم بين الناطقين بالكازاخستانية وفرض تعليم اللغة الكازاخستانية على مَن ينتمون إلى الإثنية الروسية، لكنه لم يقم بذلك، أو بالأحرى لم يتسنَّ له الوقت، أما مَن سيخلفونه وسيرثون عواقب هذا الوضع على الصعيدين المحلي والدولي، فيبدون أقل التزاماً ببذل جهد مماثل.

هذه الخلاصة التي توصل إليها مَن ينتمون إلى الإثنية الروسية، لذلك يقررون الرحيل، مما يعزز احتمال أن يسيطر الكازاخ الناطقون بالكازاخستانية على نظام ما بعد نزارباييف، مقارنةً بما أُتيح لهم حين كان رأس الجمهورية السوفياتي الأخير ممسكاً بزمام السلطة.

* بول غوبل

*«مؤسسة جيمستاون»