صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4245

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

القنّاص

  • 01-03-2019

شيءٌ ما خاطئ.. شيءٌ ما لا يسير على ما يُرام. شعور داخليّ عميق يمزّقني.

في كلّ لحظةٍ في حياتي كنتُ أحملُ هذا الشعور. أتجاهلهُ أحياناً.. أكرهه أحياناً أخرى.. لكنّي في كلّ الأحوال أهربُ منه في بحثٍ دائمٍ عن التفوّق والكمال. غير أنّي كنتُ أعرفُ دوماً أنه هناك، في مكانٍ ما بداخلي وسيهاجمني إذا اختليتُ بنفسي للحظةٍ. سيخبرني - كما يخبرني دائماً - أن الأمور ليست في نصابها الصحيح، وأن عليّ أن أفعل شيئاً.

غير أني لا أعرف ما هذا الشيء الذي يجب أن أفعله.

هل يعرفه أحد؟

هل هناك من يعرف ما يجب أن تكون عليهِ الأمور حتى أصيّرها ولو بالقوّة إليه؟

هل يعرف أحدٌ كيف كان بادئ الأمرِ وكيف كانت حقائقُ الأشياء؟

ما الذي يجب أن يكون، وكيف حوّله الإنسانُ إلى النقيض؟

وما النقيض؟

لسنوات كثيرة تأقلمتُ مع هذا الشعور.

هناك في عمق ذاتي نصلٌ حادٌ يُدميني. يخبرني أنني لستُ في المكان الصحيح.

أحياناً أعرف ما يجب أن لا يكون، لكنني لم أعرف أبداً ما يجب أن يكون.

حيلي للهروب كانت كثيرة لا تنفد؛ غير أنّي تمنيتُ أن أفهم لِمَ ترافقني هذه الأفكار كشيطان يوسوسُ لي باستمرار.

تمنيتُ أن أضع يدي على سبب هذا الوسواس فأجتثّه من جذورهِ. وأن أفهم حقيقة ما يدور في أعماق هذه النفس الشقيّة.

قبل دخولي المدرسة العسكريّة الدوليّة IMS كان شعوري الطاغي هو أنني لا يجب أن أكون مع سمرة.

أن أترك أيام التشرّد والصيد معها إلى شيءٍ أكثر احتراماً.. أكثر تفوّقاً.. أكثر مجداً وخلوداً.

لهذا اشتركتُ في برنامج القنّاص.. منحتهم لقطة مقرّبة لثمانية إرهابيين يخترقهم رمح واحد؛ يدور بالتصوير البطيء.

لم ينتهِ عام بعد هذه الحادثة حتى كنتُ أتعلّم على يد العظيم أدهم الجبليّ استراتيجيّات الحرب والخداع؛ في المدرسة العسكريّة.

استطاع أدهم أن يفهم ما بداخلي. عرف كيف يتعامل معه ويحوّله إلى طاقة تمرّد هائلة. تعلّمتُ منه كيف أحوّل هذا الشعور بالضياعِ إلى طاقةٍ تدفعني إلى التفوّق.. إلى المجد.

أخبرني أن العظماء فقط هم من يحملون شعورهم هذا كدليلٍ يهديهم إلى سبيل الخلود. ثلاث سنواتٍ مرّت وأنا أتعلّم منه حتى صرنا صديقين، أو هكذا تمنيّت.

لكنه بعد الأعوام الثلاثة؛ غادرنا وسافر إلى دولة «كنعان» الصغيرة ليساهم في حل بعض القضايا هناك.

بعد رحيلهِ بفترة عاد الشعور القاتل يغزوني من جديد.

بدأتُ أشعرُ أن رغبتي في التفوّق هي سجنٌ يحبسني، وأن ثمّة شيئاً ما خاطئ في هذا. لم أعرف ما هو. لم أعرف أيُّ الأشياء هي الخطأ، ولا أيُّها هو الصواب. في أوقاتِ الاكتئابِ والعزلة أحسّ أن كلّ ما في حياتي خطأ. وأن ثمّة حياةً بديلةً بعيدةً كان عليّ البحثُ عنها.

اندمجتُ في العمل داخل المدرسة حتى اكتسبتُ صيتاً قويّاً وصل إلى خارجها، وبدأ القنّاصون الهواة في متابعة لقطاتي المصوّرة التي أذيعها على قناتي على الإنترنت بكثافة.

صرتُ كلما خرجتُ في إجازاتي أتعرّضُ لمحاولاتٍ عديدة للقنص من هواةٍ يريدون أن يصيروا قانصي القنّاص القائد؛ (مازن علي صالح). وبرغم انتشار اللقطات التي عرضتها وأنا أقتل هؤلاء الهواة إلا أن المحاولات لم تتوقف، وقتلي لهم لم يتوقف أيضاً.

الملل كان يقتلني وشعور الضياع هذا يمزّقني في أوقات السكينة. لهذا قررتُ أن أذهب بعيداً بعد أن أنتهي من سنوات الدراسة.

لم أحبّ أن أعود إلى سمرة التي صارت سيّدة أعمالٍ معروفة ولها علاقاتها القويّة. ولم أحب أن أعود إلى منزلي القديم بكلّ ذكرياتهِ البائسة.

الحياة خارج المدرسة تقتل أيّ طموحٍ ربّاه داخلي العظيم أدهم. وبدائلي كانت قليلة؛ كأن ألتحق كقائد أمن في إحدى شركات الأمن الكُبرى، أو أن أعمل حارساً شخصياً لكبار رجال السياسة، أو حتى أؤسس شركتي الخاصّة. وأيٌّ من هذا لم يكن ليروي ظمأ الجنوح إلى العظمة الذي صار يطيحُ بـي؛ ووحده - هذا الشعور - يستطيع مواجهة شعور الضياع القاتل.

بدا لي آنذاك أن استمرار عملي بالمدرسة - سائراً على درب أدهم - إغراءٌ أكبر من قدرتي على المقاومة.

هكذا تقدّمت بطلب الالتحاق للعمل في الفرق الأمنيّة التي تقودها المدرسة خارج البلاد. اخترتُ وسط إفريقيا حيثُ فرق الأمن التي تدير آبار البترول والذهب وجبال الماس.

تكوين ثروة صغيرة مثّل لي هدفاً أساسيّاً كذلك.

على أنني منذ التحقتُ بالفريق الأمني لمنجم زاريا هنا في النيجر - بعيداً عن أيّ كائنٍ يستطيع التفكير - لم أستطع التخلّص أيضاً من هذا الشعور المقيت.

قد تكون الحياة في المنجم هنا محبطة كثيراً لمن تعوّد القتال؛ على عكس ما توقعت. حتى حينما أخرج من المنجم - كاسراً أوامر قائد المنجم بعدم التعامل مع السكّان المحليين - لم أكن أجد أكثر من بضع فزّاعاتٍ تركض هنا وهناك وتطلق الرصاص.

أحياناً يكون الأمر أكثر متعة حينما أخرج مع أمجد رشوان في الليل لاصطياد بعض الهمج الذين يحرسون أماكن التخييم. هؤلاء تجد لديهم بعض الشراسة التي تعمل على تزجية الوقت ومروره.

صرتُ - هنا في زاريا - أكره تمضية الوقت وحدي؛ هرباً من هذا الشعور المقيت. نتدرّب أحياناً على القتال، نتكلّم عن الصراعات بين قادة فرق الأمن في وسط إفريقيا. نناقش فكرة: هل توجد حقاً مستعمرة على القمر؟

على أن حديثنا الأمتع كان عن أدهم الجبلي. لم أعرف بالضبط ما الذي يفعله في كنعان. كان تفكير أمجد يتوقّف عند حدود أنه يعالج بعض القضايا هناك. لكنه لا يفكّر في نوعيّة هذه القضايا التي تحتاج إلى رجل كأدهم حتى يحلّها.

لا يبدو الأمر بسيطاً خاصّة بعد انقضاء فترة الانتداب الدولي. أعرفُ مما حكاه لي أدهم ذات مرة أن ثمّة فريقين مختلفين هناك كل منهما يحاول السيطرة على البلاد، لكن أيّ البلاد هذه التي لا تحاول الفرق المختلفة بها أن تسيطر عليها. فقط البلاد التي ليس بها عقليّة كعقليةِ أدهم هي التي تغرق في الفوضى. عقليّة تستطيع أن تضم جميع القوى والأطياف والأفكار تحت سلطة لجنة حكماءٍ واحدة.

فقط حينما أفكّر في أدهم أو أتحدّث عنه أشعرُ بهذا السلام النفسيّ الهادئ، هو النموذج المثالي الذي يطمح إليهِ أي مقاتل. أحياناً يقارنه البعض هنا في زاريا بأراجوز المنجم سليم فخري الذي يقود فريق الأمن.

أمجد يضحك كثيراً كلّما اطلقتُ عليه هذا الاسم. من هذا البلياتشو الذي يقارن بالملك؟ لكن فهداً دائماً ما يحتاط. يخبرني أن الرجل ليس بالسذاجةِ التي أتوقعها. وأنهم لم يضعوه كقائد للمنجم لأنه أخرق كبلياتشو، لكني أوقنُ أن الكبار دائماً ما يحتاجون إلى الأراجوزات التي لا تفكّر تحتهم. وسليم فخري ليس أكثر من أراجوز مهيب المنظر يحاول أن يثبت لمن حوله أنهم أغبياء وأنه الوحيد «المطّلع» على الأمور.

صداماتي مع سليم بدأت منذ اليوم الأول ولا تزال مستمرّة. ربما يمكنني بمزيدٍ من اليقين القول إن سليماً من الأشياء القليلة في حياتي التي أعرف أنها من «الأشياء الخاطئة» التي لا تجعل الحياة مقبولة. لهذا كان بديهياً ألا تكون الأمور بيننا على ما يُرام. هذه طبيعة الأشياء كما هي طبيعة القط والكلب، أو الفريسة والصيّاد.

الحياة في زاريا تمرّ ببطءٍ ولا مبالاة. كأن الناس لم يعد يعنيهم مرور الأيام. ربما بعض الصخب الذي تحدثه هجمات الهمج علينا من فترةٍ إلى أخرى هو ما يجعل الحياة يمكن أن تُطاق.

لم أفهم عقليّة هؤلاء القوم؛ إن كان لهم عقل.

بالرغم من أني أحضرتُ أسيرة طوارقيّة منهم إلا أنها تُزيد الأمور صعوبة. كان لقائي بها غريباً وصادماً. وجدتُ لديهم قدراً من الغرور والتعالي كأن ليس لديهم مرآةٌ يرون فيها حقيقة ضآلتهم وضعف حيلتهم. كيف يتخيّلون أنهم برصاصهم وحرابهم المضحكة يمكن أن يفعلوا شيئاً مع ترسانة الأسلحةِ والمعدات بالمعسكر. لم أتخيّل أن يدفع الطمع الناس إلى هلاكهم. بريق الذهب حين يلمع يُذهب عقل الإنسان ويودي بحياته.

المرّة الأولى التي شاهدتُ فيها هجوماً مضحكاً من هؤلاء القوم. كان هذا في اليوم الأول الذي جئتُ فيهِ إلى المعسكر. كنتُ في مكتب سليم فخري مع فهد الذي أقابله للمرّة الأولى آنذاك. وقفتُ مندهشاً أتأملُّ هذا الغباء عبر شاشات المراقبة.

كان نحو مئتي فرد يتشكّلون كرأسِ سهمٍ ويوجهون مدافعهم قديمة الطراز نحو البوابة. نظر إليّ سليمٍ بتمعّنٍ وقال إنه سيسلمني قرار ردّ الهجوم والدفاع.

أدرتُ له وجهاً مندهشاً. قلتُ له: هل جئنا لنحمي المنجم من هذه الأغنام؟

قال بهدوء: لا تستهن بهم.

توجّهتُّ ناحية شاشة التحكّم ثم أمرتُ بالرد؛ دفقتين من الـ xow. شحب وجه فهد اندهاشاً، وتحفّز سليم نحوي.

تابعتُ القنابل الذكيّة وهي تنطلق ثم تسبح على بعد مترين في الهواء فوق رؤوسهم. لحظاتٍ ثم انطلقت لتلتصق كل قنبلة صغيرة بفردٍ منهم وتنفجر. كانت حصيلة الدفاع الذي كلفني إياه سليم كأوّل مهامي حوالى مئتي قتيلٍ ولا جرحى أو ناجين.

نظرتُ إلى وجه سليم بعد أن أتاني التقرير. كان غاضباً جدّاً. قال إن هذه تكلفة ماليّة كبيرة جدّاً لرد هجوم تقليدي يحدث كل يومين من مجموعةٍ من الهمج. قال إنه من غير الجائز ردّ كل هجومٍ بهذا الشكل. ستنفد ذخيرتنا سريعاً وسنحتاج إمداداتٍ مستمرّة. ليست هذه هي القيادة الناجحة.

قال فهد ساخراً وهو يتأمل شاشات المراقبة إنه ربما كان من الأفضل ترك بعض الأحياء حتى يأخذوا جثث قتلاهم وينظفوا المكان برحيلهم، بدلاً من أن ننظفه نحن.

كنتُ أستمع لكل هذا الغباء الذي يحدث أمامي وأفكّر، ربما كان قراري بالمجيءِ إلى هنا لم يكن قراراً صحيحاً منذ البداية.

ألقيتُ جسدي على المقعد الوثير وسألتهما ساخراً؛ أهكذا تُدار الأمور هنا في المعسكر؟ بحساب التكلفة والمجهود؟

جلس سليم على مكتبهِ متوجِّساً من هجومي عليه ولم يتكلّم.

قلتُ إنه لو كان مثل هذه الهجمات تحدث كل يومين فلا بد أن السبب هو هذا التدليل الزائد لهم. لو أن الأمور تُدار بطريقتي هذه فستنقطع مثل هذه الهجمات تماماً. سيعرفون أن من يأتي إلى هنا فقد اختار الموت الفوري. سيتحوّل المنجم إلى منطقةٍ محرّمة لا يعبر جوارها أي عاقل. وحتى إذا أردت الأمر بطريقتك، فستوفّر كل تكاليف الهجمات اليوميّة المحتملة وكل مجهودٍ في صدّها.

في المساء جاءت جماعات غفيرة من الناس دون أسلحةٍ. يدورون حول الجثث ويعلو نواحهم وصرخاتهم.

كنت أجلس مع فهد الذي رأيتُ صورتي في عينيه تتعملق منذ صباح اليوم. الشاشات تعرض صورهم وكان فهد يقول ساخراً إن قدومي إلى المعسكر قد تم توثيقه بأول حادثة تشهدها مدينة زاريا منذ سنواتٍ كثيرة.