صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4247

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

القبر رقم 779

  • 08-02-2019



في المستشفى

لو أنّ الماضي يعود ليحدث اليوم هل كنتُ سأغيِّر شيئاً ممّا حصل! هل غرفة العناية المشدّدة هذه ستكون غرفةً مضاءةً بالشموع والدفء في أحد منتجعات سويسرا، أو حتّى أحد شاليهات فاريّا! هل كنتُ سأُنجِبُ مثلاً! أو هل كنتُ سأتزوّج أصلاً...! هل كنتُ لأبيع اللوحة فأحصل على ثروة تجعلني أحيا حياة العزّ والجاه والرفاهية!

منذ متى تريد أن تبدأ الإعادة لو أنّكَ امتلكتَ آلتكَ الخاصة للسفر عبر الزمن؟ هل ستجري تجارب بين مرحلة وأخرى لتقرر متى ستبدأ بالتغيير! هل حقّاً لو عاد بكَ الزمن وأعدتَ بناء حياتِكَ وأحداثها، ستغيّر قرارات اتّخذتها! ماذا لو لم تعرِف بأنّكَ تعيد ما جرى، ولم تعرف ماذا فعلتَ في المرة السابقة، هل حقّاً لن تتخذ حياتك وقراراتك المنحى نفسه!

لقد كنتَ عندما تختلف مع أبنائكَ، صدقاً أو مُمازِحاً، تقول: «قاعِد على قلوبكُن ورح عيش لفوق المئة، وبدّي شوف أولاد ولادكن»، وها أنتَ في الخامسة والستّين، ممدَّدٌ، لا حول لكَ ولا قوّة، على سرير في مستشفى، تكاليفه بسيطة، تنتظر أن يدخلَ عليكَ طبيب ما، أو ابنٌ ما، أو حفيد ما، لينظر مشفِقاً، أو ليكذِبَ مجدّداً حول مرض السرطان الذي وصل إلى مراحل متقدّمة في نهشِ رئتَيكَ، وكما سمعتهم يقولون، وصل إلى أجزاء من الكبد.

جميعهم يكذبون بشأنِ مرضِكَ، بأصواتهم ونظراتهم ودموعهم وشفقتهم ودعمهم... ما عدا نبيهة، كيف يمكن أن تكذب، وأن تصدِّق نفسها بأنّ ما تقوم به من مناورات قد ينطلي عليك! فأنت تعرفها أكثر مما تعرف هي نفسها، لقد احتفلتما بعيد زواجكما الثاني والأربعين منذ شهرين، قبل زواج ريتا بأسبوعين تقريباً.

ريتا هي ابنتنا الصغرى، أتمّت الثامنة والعشرين في الربيع، ولكنّها بالنسبة إليّ قد أتّمت الأربعين أو الخمسين، فهي صديقتي من بين أبنائي الستة، أربعة شبّان وابنتَين، جميعهم متزوّجون، رحلت هيَ، آخر العنقود، وها أنا راحل من بعدها.

هل سأموت قريباً، بعد يومين! شهرين! سنتين... عينا نبيهة تشيان بأنّ أيامي ليست كثيرة، بل هي معدودة، وأنفاسي المتقطّعة، والتي باتت لا يصل منها إلا ما ندر إلى الرئتين تشي بذلك أيضاً. لم أستطِع النوم منذ سهرةِ عرس ريتا لأكثر من ساعتين متواصلتين، فشعوري بالاختناق، لا بل كنت أختنق فعلاً، كان يوقظني بشكل هستيري. أشعِل سيجارةً، أمشي قليلاً، أخرج إلى الشرفة، أتنفّس وأملأ الرئتين من خلال شهيق عميق على مدى عشر مرات أو عشرين، ثمّ أعود لأنام، فلا أنام. حتى وصلتُ إلى هذه الأيام، فأنا لا أنام أبداً.

أصبح همّي في الحياة، أن أنام، أن أغفو من دون أن ينقطع نفسي، أن أغفو للحظة حتّى، من دون خوف من أنّها ستكون الغفوة الأخيرة، فهناك أمر وحيد كنتُ أودّ أن أنهيه بنفسي لو أنّ الحياة أعطتني مزيداً من الوقت. اللوحة.

يقولون إنّ الطبّ سيجدُ حلاًّ للسرطان، وسيستطيع المرضى التخلّص من أورامهم والاستمرار في حياتهم مثل مرضى السكّري أو الضغط. ولكنّكَ لن تكون من أولئكَ، فأنتَ في زمنِ العلاج الكيميائي للسرطان، الذي لا يفعل شيئاً سوى أنّه يطيل مدّة معاناتك، ويطيح بجسدكَ ويستبدله بكائن غريب، هزيل ضعيف، لا يقوَى على الحركة والكلام والتعبير، حتّى ملامحك يسرقها منك، فلا يعود من يراكَ يعرف ما بك، ليتفاعل بجدٍّ معك!

عندما أصاب المرضُ ليلى أختي، لم أزرها، في بيتها وفي المستشفى، فأنا أعرف ما سيفعله المرض والعلاج بها، لم أستطع أن أتخيّل وجهها الممتلئ وقد أصبح «جلدة وعظمة»، لم أستطع أن أتخيّل بأنّ عينيها، حيث السماء بجميع أبعادها، ستصبحان كجُحرَي فأر في أرض بور. ليلى الممرّضة التي أعطت من حياتها لحياة الآخرين، والتي لم تتزوّج بسبب ظروف عملها الذي لم يوافق عليه أحد ممن تقدّموا لطلب يدها، والذي جعل والدتي تسعى لدى إقطاعيّي المنطقة لكي يطردوها من عملها، علّها تقبل بأحد المتقدّمين، ماتت من دون شعرها البنّي، صلعاء، من دون ملامح، تزن ثلاثين كيلوغراماً كحدٍّ أقصى، لأنني شعرتُ بأنها طفلة بين يديّ عندما حملتها من السرير وأعطيتها لأخي الذي وضعها في التابوت.

لن أطلب منهم أن يتركوني أختنقَ لأموت، وأن لا يقوموا بواجبهم معي والبدء بالعلاج الكيميائي، فلا أنا شجاع بما فيه الكفاية لأستخدم الرصاصة الأخيرة، في صراعي مع الموت، مع يقيني بأنها فارغة، ولا أنا بواردِ أن أحرمهم من الشعور بالرضى عن النفس، لأنهم لن يقصّروا معي بشيء، وسيفعلون ما بوسعهم لأعيش معهم أيّاماً أكثر.

كم سيطول حزنهم، حزنها، نبيهة، حتى ريتا وغادة، هل سيكون حزن النساء أقسى وأطول، أم أنّ حزناً في قلوب الرجال يكون أعمق، يحفر حتّى يكاد يمزّق الشرايين ويكسر عظام الصدر.

جاك الكبير لن يطول حزنه، فعلاقتنا عاديّة منذ بدأ يكبر، وعندما سافر إلى فرنسا أصبحت أقرب إلى الرسمية. ميشال قد يطول به الأمر لشهرين قبل أن ينسى، أظّنه الوحيد الذي يستطيع أن ينسى، فهو الطبيب، وقد مرّت عليه حالات كثيرة مماثلة، ومات أناس بين يديه، أو على الأقل عاينهم وعالجهم. شادي لا أعرف ماذا سيحصل له، حتّى أنني أظنّني لا أعرفه وهو لا يعرفني! أمّا عمر فهو الذي لن ينسى، وسيظلّ يفكّر بأنه كان مقصّراً معي، ولم يعطِني وقتاً كافياً، وخاصّة بعدما تخصّص في مجال الرسم، وأصبح يشق طريقه في مجال التعليم الجامعي، لأنني أرسم أيضاً مثله، لا بلّ هو يرسم مثلي! ولكنّ الأمر الأهم، هل سأخبرهم بأمر اللوحة، ومن سأختار لأَستأمنه عليها!

حكاية أبي

لم أجرِّب من قبل الكتابة، لذلك قرّرت أن أبدأ تجربتي الأولى بالكتابة عن سيرة شخص عاديّ، أب لستة أولاد، تزوّجوا جميعهم، وهو الآن يعاني من السرطان، ولكنّه لا يعرف أنّه مصابٌ به، هذا أفضل، ولكن نرجو الله ألاّ يعلم بالأمر من أحد زوّاره من الأصدقاء والأقارب. نحن نتّخذ جميع الاحتياطات إذا زارنا أحدهم، في المنزل أو في المستشفى، أمّي تقف والضيف عند الباب لحظات تبدو فيها صارمةً في تأكيدها على الضيف أن يتوخّى الحذر، «إن عرف يموتُ خوفاً ورعباً ولن ينتظر حتّى يجهز المرض عليه».

ما سأرويه لا أعرف إن كان سيُصَنّف قصّة، أو رواية، إن استطعت التوسّع في سرد الأحداث والتفاصيل، ولكنني سأحاول، علّني أصل في تجربتي هذه إلى مكان ما، تصنيف ما، فنّ ما...

هل أصبح كاتباً حقّاً وأمتهن الكتابة، إنها «لا تطعمُ خبزاً» كما يقول الكثيرون، ولكن طالما أنني موظّف، وزوجتي كذلك، فلا خوف علينا وعلى الأولاد، لذلك لا أجد مشكلة في المحاولة، لديّ أوقات فراغ كثيرة، وظيفتي الحكومية تدعمني كثيراً في هذا المجال، فأنا، إن تقيّدتُ بالدوام، أخرج عند الثانية والنصف. كنتُ أعود مباشرة إلى البيت، ولا أمرّ على أمّي وأبـي عادة، قد أمرّ مساءً كلّ يومين أو ثلاثة، ولكنني، ومنذ عرفنا بمرضه، أمرّ صباحاً قبل ذهابـي، وبعد الظهر عند عودتي، والآن أمرُّ على المستشفى. أهاتف أمّي قبل انطلاقي في السيارة سائلاً إيّاها عمّا تحتاجه أو يحتاجه من هم معها من عمّاتي أو إخوتي وأخواتي.

هل سيموت حقّاً! وهل يموت الأب؟ لطالما أخبرنا إنّه يرى جدّي بشكل منتظم مرّة أو مرّتين في الشهر في منامه، جدّي مات عام 1989، أي قبل أقلّ من ثلاثين سنة بقليل، فهل حقّاً مات جدّي، الأب بالنسبة إلى خليل المصري، والدي، لم يعنِ لي الأمر شيئاً، فهل أنّ جدّي لم يمُت، أم أنّ أبـي لم يُمِتهُ بعد، وقد مات بالنسبة إلى أبنائه الباقين، وبالنسبة إلى الناس والطبيعة، وبالنسبة إلى الله! وأبـي، هل سيموت، هل سأدعه، سندعه يموت؟

سأحاول الكتابة بشكل يوميّ، ولن أخبر أحداً أنني أكتب عنه، هو لن يفيدني بشيء الآن عن حياته وذكرياته، لأنّ صوته بُحَّ بشكل كبير، ولا يُجهِد نفسه في الحديث إلاّ عن شكواه وعن الألم، ولكنه، ولكثرة ما سرد علينا منها، ولكثرة ما لذاكرتي من قوّة، مثله، أظنني لن أحتاج إليه. قد أحتاج للحديث مع صديقيه، العم أبو علي والأستاذ صلاح، إن أردتُ الخوض في تفاصيل لم يذكرها، أو في أحداث قد يكون نسيها أو تناساها.

سأمرّ كلّ يوم إلى مقهى «قهوة وكتاب» قبل عودتي من المستشفى إلى البيت، ولن تلحظ نورة تأخّري، لأنني عادةً لا آكل وجبة غدائي معها ومع الأولاد، إنما بعد قيلولتي، بين الخامسة والسادسة، لذا سأخبرها إنني سأبقى في المستشفى إلى هذا الوقت. سأكتب عنه، ولكن سأحاول أن تكون كتابتي مميّزة، لذا سأبدأ السيرة من نهايتها، أو مما قبل النهاية، وأغدو نزولاً نحو الماضي، سأبدأ من الأسبوع الماضي، وأنتهي عام 1952. سوف لن أخبره، ولكنني في كلّ لحظة تمرّ سأرجوه أن يبقى إلى أن أنتهي، علّه يكون راضياً، عنّي وعن نفسه، إذا قرأ عن حياته وكان خارجها، أرجوكَ ابقَ معنا حتّى أنتهي.

في المستشفى

هل حقّاً ذاكرتكَ قويّة كما تقول، وتذكر فعلاً كيف سحبتكَ «أم صبحي» الداية من أمّك، وهل حقّاً قصدتَ أن تبكي حتّى لا تضربكَ على مؤخّرتِكَ! كم كنتَ واثقاً ممّا تقول عندما تسرده على أبنائكَ منذ كانوا أطفالاً، لا بل رُضَّعاً، وكنتَ تهدِّدهم دائماً بتلك الذاكرة إذا هم حاولوا الكذب أو الالتفاف حول موضوع ما، أو التلكُّؤ في فعل أمر ما بحجّة أنّك لم تطلب ذلك أو طلبته بشكل مغاير، وكانوا مقتنعين تماماً بأنّك ستتذكّره بتفاصيله، فكيف لشخص يسرد عليهم كيف وُلِدَ بأن ينسى ما قاله بالأمس القريب.

هي فعلاً ذاكرة قويّة، وهذه سمةٌ أعتزّ بامتلاكي لها، ولكنّها منذ بدأت أتعب ويتآكلني الورم، ومنذ سيطرت عليّ فكرة العودة بالزمن وتغييره، أصبحت وكأنها لعنة حلّت عليّ منذ صغري، لتظهر في الوقت المناسب، وهو الآن.

ما رأيكَ إذاً لو نتّخذ من هذه اللعنة ما يمرّر وقتك البطيء من دون نوم، بالسفر عبر هذه الغرفة، إلى ماضيكَ، والبدء بتغييره. الجميع يكذبون ويخفون مرضك عنك، فلتكذب الآن ولتصدّق أنك تغيّر مصيرك هذا، علّك تصل قبل أن تموت إلى تحقيق أحلامكَ في أحلام يقظتك المستمرة.

ولكن من أين سأبدأ، الذكرى الأقدم التي ما زالت واضحة عن طفولتي، هي عندما كنتُ في المدرسة، وكان الأستاذ حيدر يوجّه عصاه مباشرة إلى أيدي وأرجل ومؤخّرات من لا يحفظون جدول الضرب، أو من لا يجيدون تصريف الأفعال، وقد حان دوري وسألني عن تصريف الفعل «عاد»، ولم أعرف.

كانت عصاهُ تنزل على كفوف الصبية أقوى من الصاعقة، وكنت أقفز كلّما ضربني على يد، وأنفخ داخل كفّيّ عندما أضمهما، وأفركهما كما نفرك اللوز لنقشّره. لم أبكِ مرَّة، ولم أتوسَّل أبداً ليتوقَّف، وفي المرّة الأخيرة التي طردني بسببها، ما استدعى «قتلة» جديدة من أبـي، وأخرى من أمّي، أمسكتُ عصاه، وأوقعتها من يده، فما كان منه إلاّ أن أمر اثنين من الأطفال الضخام، فثبّتاني بالفَلَق، وأخذ هو يضربني على أسفل قدميّ. سمعَ أهل القرية جميعهم صراخي وبكائي والشتائم التي لم أعرف من أين جئت بها وأنا بعد في العاشرة من عمري.