صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4277

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

إشكالية اللغة

  • 29-01-2019

"ذات ظهيرة، دخل الجندي الوصيف إلى المطبخ، لم نكن قد رأيناه منذ مدة، قال:

- أنتما يأتي يساعد إفراغ السيارة العسكرية؟

سألناه:

- هل سيأتي الضابط هذا المساء؟ لم يسبق لنا أن رأيناه.

قال الجندي الوصيف:

- الضابط لا يأتي الشتاء هنا. ربما لا يأتي أبداً، هو عنده لوعة الحب. ربما عثر على أحد آخر فيما بعد، نسي. هذه القصص لا يناسبكما. أنتما يحمل الحطب لتدفئة الغرفة".

النص أعلاه منقول عن ترجمة محمد آيت حنّا لرواية أغوتا كريستوف "الدفتر الكبير" أو The Notebook، كما ترجمت إلى الإنكليزية.

يتضح من النص أن المتحدث هنا لا يجيد اللغة التي اختارتها المؤلفة للسرد. فهو، أقصد الجندي الوصيف، لا يتقن اللغة التي يتحدث بها بقية المشاركين في العمل الروائي، لكننا أمام إشكالية كبيرة هنا، فالروائية في النص تتحدث عن مأساة الحرب التي يحتل فيها العسكر الغرباء المدينة، وما يلحق بهذه المدينة من خراب ودمار، وتسقط فيها الكثير من القيم والمبادئ. لا فرق بين الأطفال التي تنتهي براءتهم قبل أوانها، ورجل الدين الذي يسقط هو الآخر ليتجاهل الدور الملقى عليه.

الروائية مواطنة من المجر عاشت في سويسرا، واختارت اللغة الفرنسية للكتابة بها. وخلال النص لا تقدم لنا معلومات عن جنسية الجندي الوصيف أو لأي بلد ينتمي. فالكلمة التي نسمعها عن هؤلاء المحاربين هي أنهم غرباء. بالتأكيد العسكر المحتلون غرباء غالبا. وهذه اللغة التي اختار المترجم تهشيمها وتقديمها لنا بهذه الركاكة تدل على عدم إتقان صاحبها للغة أهل المدينة، لكنها لا تدل عليه ولا على هويته. ولو افترضنا جنسيته من السياق التاريخي، فيبقي ذلك تخمينا حين يتعلق الأمر بالنص الروائي المتخيل.

تقديم المترجم هذا المنطوق على لسان الجندي الوصيف يبدو ناقصا للمساهمة في الدلالة على هويته. النص المترجم لا يفي كدلالة واضحة على المتحدث وانتمائه، أو حتى قدرته على التعبير عن نفسه. ولو ترجمه بلغة عربية سليمة لما أحدث فرقا كبيرا للدلالة عليه. ربما ما رآه المترجم هو اختلاف هوية الجندي الوصيف عن هوية السكان، رغم أن ذلك الاختلاف كان واضحا في سياق الأحداث. أضف إلى ذلك، أن الأحداث تسير في أماكن بعيدة عن لغة النص، فالأحداث في المجر ولغة النص الفرنسية. أعني أن الحوار الذي قدمه لنا الجندي الوصيف كان بالفرنسية الركيكة، وليس بلغة أهل المدينة، حيث تجري الأحداث. وإشكالية هوية هذا الجندي بالتأكيد ستواجه القارئ الفرنسي أيضا.

مثل ذلك الموقف واجهني وأنا أترجم عملا لفولكنر بعنوان "شمس ذاك المساء". كانت الخادمة الإفريقية تخاطب أبناء السيد الأبيض في حوار يعكس لغتين متباينتين

- والدي يطلب أن تأتي لعمل الإفطار.

- أنا لم "أدرس" أي إفطار، سأذهب لأخرج نومتي.

ما ترجمته هنا هو حرفيا ما قالته كلمة بكلمة. أما سبب ذلك، فهو محاولة أن تصل للقارئ فكرة التباين بين السيد الأبيض ومخدوميه الذين يعملون لديه. اختلافهم اللغوي هو اختلاف اجتماعي وتعليمي وطبقي. هناك إسقاط واضح أن السيدة السوداء حرمت من تعليمها، لتبقى عاملة منزلية يصعب تحررها حتى بعد إلغاء عبوديتها. ومحاولة ترجمة الحوار بعربية سليمة سيفقد هذا المفهوم الذي قصده المؤلف معناه.