صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4221

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

ليدي غاغا: النجاح يمتحن العلاقات وللنجومية ثمن

  • 28-01-2019

في فيلم A Star is Born (ولادة نجمة)، تجسّد مغنية البوب الأكثر شهرة في العالم دوراً يعكس إلى حد ما بروزها في عالم الغناء، وجاء أداؤها مفاجئاً حقاً. ذكرت ليدي غاغا التي بدت مميزة جداً بثوب أسود، وصندل عالي الكعب، ورموش كثيفة، وحاجبين أسودين: «شعرتُ بأنني ما زلت جنيناً». بدت هذه المغنية (متعمدةً ذلك بالتأكيد) كنجمات السينما الإيطالية في منتصف القرن الماضي، كمونيكا فيتي في صورة لأنطونيوني ضاعت منذ زمن أو كصوفيا لورين شقراء ناعمة. تقصد ليدي غاغا بعبارتها هذه أنها تحس أنها دخلت لتوها عالم الفن، محققةً جزءاً فحسب مما تخطط له. ولكن صعُب علي استيعاب هذا المفهوم نظراً إلى العقد المميز الذي حظيت به.

قبل 10 سنوات، مع صدور ألبومها الأول The Fame، انتقلت ليدي غاغا من مؤدية هزلية مبتدئة ومغنية في نوادي نيويورك إلى ظاهرة بوب عالمية في ما بدا طرفة عين. منذ ذلك الحين، قدمت خمسة ألبومات جديدة وألبوماً ضم أغاني أعمال سينمائية، فضلاً عن 18 أغنية فردية. أدت عرضاً في مباراة «سوبر بول»، وفازت بست جوائز غرامي وغولدن غلوب، وحققت إنجازات أخرى كثيرة. كذلك حصدت جوائز في عالم الأزياء، وتعاونت مع أشهر الفنانين، وقدمت أغنية ثنائية مع توني بينيت.

عندما كانت تصور بالتعاون مع شبكة Netflix فيلماً وثائقياً عن حياتها بعنوان Gaga: Five Foot Two (غاغا: قدمان وإنشان)، حصلت على دور رئيس في فيلم ضخم في هوليوود. عُرض عليها أن تؤدي دور جانيت غاينور/جودي غارلاند/بربارا ستريساند فيA Star is Born مع الممثل برادلي كوبر. يشير هذا كله إلى أننا لو قابلنا إنساناً يعيش في عالم موازٍ ويرفع معيار الإنجازات إلى مستوى عالٍ جداً يُعتبر معه ما حققته ليدي غاغا مبتدئاً في عالم الفن، فسيكون على الأرجح ليدي غاغا نفسها.

بعد بضعة أيام من لقائنا، عُرض A Star is Born للمرة الأولى في مهرجان البندقية السينمائي. حضرت ليدي غاغا هذا العرض بثوب من تصميم فالنتينو مزين بريش نعام وردي متماوج. ولكن خلال منتصف العرض، أدى حادث عابر إلى وقف عرض الفيلم لبرهة. رغم ذلك، ظل الحضور يصفق له وقوفاً طوال ثماني دقائق، وحظي بمراجعات مذهلة.

خلال تسلّمها جائزة غولدن غلوب في عام 2016 عن دورها في عمل راين مورفي American Horror Story: Hotel، أعلنت ليدي غاغا أنها رغبت في أن تكون ممثلة قبل أن تصبح مغنية، إلا أنها حققت النجاح أولاً في عالم الغناء. ولكن بعدما نجحت اليوم في التمثيل أيضاً، لا نعلم إلامَ قد تطمح بعد.

رقيقة وصلبة

ليدي غاغا المرأة رقيقة، إلا أن ليدي غاغا الفنانة صلبة. تبدو شخصياً ودودة إنما متحفظة، ولطيفة إنما حذرة، وشغوفة إنما هادئة على نحو خارق. منزلها دافئ وممتلئ بالناس: مساعدوها، ومدير أعمالها، ووالدتها سينثيا التي أتت لزيارتها من نيويورك. بدا لي هذا المنزل تقليدياً أكثر مما توقعت. علت كنباته البروفنسال الفرنسية أغطية، وقرب الموقد جهاز تلفزيون كبير وملصق للفيلم الإيطالي A Star is Born من بطولة جودي غارلاند، وهو هدية من صديق ليدي غاغا عميل «وكالة الفنانين المبدعين» (CAA) كريستيان كارينو.

تخبر ليدي غاغا: «أَغنيتُ شخصية آلي من خلال تجربتي في الحياة. لكنني حرصت في الوقت عينه على ألا تكون مطابقة لي. شكلت خليطاً متناغماً من الاثنين».

آلي موهوبة غير أنها تفتقر إلى الثقة بالنفس. تكتب الأغاني إلا أنها لا تنشد ما تكتبه. امتنعت عن السعي وراء حلمها بسبب صناعة لا تؤمن بها وتؤكد لها أنها لا تلائم هذا الدور. ثم تسمح آلي بتردد لجاكسون ماين (يؤديه كوبر) بإدخالها إلى عالمه ومشاركتها في موسيقاه إلى أن تلتقي مدير أعمال يبدأ بتحويلها إلى نجمة بوب معروفة.

رغم مواهب ليدي غاغا كمغنية، وكاتبة أغانٍ، وممثلة، تبقى موهبتها البارزة في السعي وراء الشهرة (حالة عملت في سبيلها بدأب، واستكشفتها، وتلمستها، وأطلقت اسمها على ألبوم، وأسطوانة مطولة، وعطر) ما أوصلها إلى النجومية العالمية. وحول هذا المحور، الذي يشكّل أحد المحاور الرئيسة التي يرتكز عليها الفيلم، تختلف ليدي غاغا مع نظيرتها الخيالية آلي: عندما قررت ليدي غاغا أن تصبح مغنية، لم تسمح لأية عقبة بأن تعوق طريقها.

موهوبة

في مستهل مسيرتها، فهمت ليدي غاغا أن ستيفاني جيرمانوتا، فتاة المدرسة التقليدية الكاثوليكية النشأة، موهوبة كفاية لتحقق النجاح، إلا أن ليدي غاغا وحدها تستطيع السطوع بأبهى حلة على المسرح العالمي. في المقابل، تبدو شخصية آلي أشبه بنافذة إلى عرض موازٍ على غرار حبكة Sliding Doors يُظهر ما كان يمكن أن يحدث. توضح ليدي غاغا: «عندما شاهدتُ الفيلم للمرة الأولى، فكرتُ في أنها بدت حزينة جداً في ختام الفيلم، إلا أنني لم أتنبه إلى مدى حزنها في مستهله. كانت فتاة مكتئبة تقدّم الطعام لتجني قوتها. كان لديها صديقها رامون الذي اعتبرته شخصية مهمة جداً في حياتها. كذلك كانت تعتني بوالدها في المنزل وتهتم بالسائقين الذين يأتون لتناول الفطور في الصباح. إلا أنها تخلت عن حلمها بأن تصبح موسيقية».

يشكّل فيلم A Star is Born الأخير هذا النسخة الرابعة من هذه الميلودراما الكلاسيكية عن تأثيرات الشهرة والإدمان في العلاقة. يؤدي كوبر شخصية جاكسون ماين، نجم روك يخبو نوره يقع في حب مغنية وكاتبة أغانٍ يلتقي بها بعد إحدى حفلاته لأنه يخشى العودة إلى المنزل. التقت ليدي غاغا برادلي كوبر قبل سنوات في برنامج Saturday Night Live، غير أنهما لم يتقربا أحدهما من الآخر إلا بعدما غنت في حفلة شون باركر الخيرية لمرضى السرطان عام 2016. أخبرها مساعدوها آنذاك بأن هذا الممثل سيحضر الحفلة وأنه يخطط لإخراج نسخة من A Star is Born وأنه يبحث عمن تؤدي الدور النسائي الرئيس. عرفت ليدي غاغا أنها ترغب في هذا الدور، فغنت La Vie en Rose، التي أصبحت لاحقاً أول أغنية يشاهد جاكسون آلي تؤديها وتجعله يقع في حبها. يخبر كوبر عن تلك الأمسية: «ذُهلت بكل معنى الكلمة. فاتصلت بوكيل أعمالها وقلت: هل يمكن أن ألتقيها؟ وفي اليوم التالي، قبلَت فقصدتُ منزلها وهكذا توطدت علاقتنا».

تشير ليدي غاغا إلى أن التقارب بينهما كان فورياً. تضيف: «ما هي إلا فترة وجيزة حتى أعددتُ له المعكرونة، وأطعمته، ورحنا نتحادث ونضحك. ثم أعرب عن رغبته في أن يسمعنا نغني معاً، وسألني عما إذا كان بالإمكان أن ننشد أغنية تُدعى Midnight Special. طبعتُ ورقة النغمات الموسيقية ووضعتها على البيانو. شعرت بتوتر كبير. وهكذا عزفت للمرة الأولى هذه الأغنية على البيانو وبدأنا الغناء. عندما سمعت صوت برادلي، توقفت عن العزف وقلت له: تستطيع الغناء!».

ساحرة

بعد اختيار ليدي غاغا لهذا الدور، عمل كوبر ومؤلفَا السيناريو إريك روث وويل فيترز على النص فيما صبت ليدي غاغا اهتمامها على أغاني الفيلم. يذكر كوبر: «كتبتُ الدور لها لتؤديه. طرحت عليها عدداً كبيراً من الأسئلة وأردتُ في استثمار الكثير مما أخبرتني به. أسهم هذا كله في ابتكار آلي. كنا سريعي التأثر معاً. آمنت بعمق بسحرها. لكن إدراك هذا السحر يختلف كل الاختلاف عن رؤيته إزاء عينيك كل يوم أثناء التصوير».

اعتمدت ليدي غاغا في تجسيدها مغنية مغمورة على عدم ثقتها بنفسها كممثلة. تروي: «لن أنسى مطلقاً المشهد الأول الذي صورناه معاً في ذلك المطعم المكسيكي. أحضر برادلي قليلاً من التاكو وحمله إلى الطاولة، ثم وجه إلي الكلام. إلا أن ما قاله اختلف عما احتواه النص ولم أعرف ما علي القيام به فاكتفيت بذكر الجمل المخصصة لي. قال بعد ذلك أمراً مختلفاً ولم أعرف أيضاً ما علي فعله لأنني ظننت أن من الضروري أن أتفوه بما ورد في السيناريو. لذلك رددت الجملة التالية. وعندما لاحظ برادلي مدى التزامي بالنص، قال لي: «هل أنت بخير؟ فأجهشت بالبكاء».

لكن ليدي غاغا تعلمت من خلال هذه التجربة التركيز أكثر على القصة بدل الجمل. لذلك عندما بلغَا مشاهد الحفلة في الفيلم حيث انقلبت خبراتهما، اتبعت التقنية ذاتها. تخبر: «عندما أنشدنا Shallow معاً في الحفلة، بعدما ركض إليّ وأرغمني على مرافقته إلى المسرح، لم أفكّر: لم أنجح بعد كمغنية بل اكتفيت بالتفكير: لم أنجح بعد كممثلة».

الألم في قلبها

عندما كانت ليدي غاغا في الرابعة عشرة من عمرها، كانت تتبضع في متجر في منطقة ويست سايد وهي تغني بشكل عفوي، فاقترب منها أحد الشبان الباعة وعرض عليها رقم هاتف عمه، وهو مدرب صوت. خصص دون لورانس، الذي تعتبره «الصمام الأبهري» في مسيرتها، الوقت في جدول أعماله للعمل معها. تذكر: «أتذكر لاحقاً أننا كنا نتحادث ذات يوم (اعتدنا التكلم قليلاً خلال الدروس لأننا أحببنا واحدنا الآخر كثيراً) وقلت له: لا أعلم ما السبيل إلى النجاح. كنت أجتمع بكثير من المحامين في عالم الترفيه وأطرق أبواب كثيرين محاولةً دفعهم إلى الاستماع إلى نماذج سجلتها على مسجلة تاسكام رباعية التسجيل، فأجابني: ربما تكونين في غرفة فيها مئة شخص ولا يؤمن 99 منهم بك. ولكن كل ما تحتاجين إليه واحد». بعد المدرسة الثانوية، انضمت ليدي غاغا إلى مشروع الفنون التعاوني 21 (Collaborative Arts Project 21) من خلال كلية تيش للفنون في جامعة نيويورك، إلا أنها تركته بعد سنة «عندما قررتُ التعبير عن أسفي لأبي وأمي وأن أكون فنانة مغمورة في منطقة لوير إيست سايد». عملت في ثلاث وظائف، في إحداها كراقصة. واعتادت الاتصال بالنوادي الليلية والادعاء بأنها مديرة أعمالها.

لكن ليدي غاغا تستدرك مضيفة: «أدركتُ أنني عندما بعت 10 ملايين أسطوانة، خسرت مات (وليامز، صديقها السابق ومصمم أزيائها القديم). عندما بعت 30 مليوناً، خسرت لوك (كارل، صديقها السابق). وعندما مثلت فيلماً، خسرت تايلور (كيني، خطيبها السابق). يبدو هذا أشبه بدوامة. هذه المرة الثالثة التي ينفطر بها قلبي على هذا النحو».

وفي مستهل A Star is Born، يعكس مشهد عن جاكسون لا آلي جوهر هذه التجربة. تتابع ليدي غاغا: «في الموسيقى كما التمثيل، أستمد دوماً قوتي من تجاربي السابقة، وتفاعلاتي العائلية، وعلاقاتي، وألمي، وسعادتي، وفرحي، وتقلبات حياتي: يكوّن كل هذا طابة ديسكو جميلة تكسّر الضوء وتعكسه. يمتحن النجاح العلاقات، والعائلات، وتفاعلاتك مع أصدقائك. ثمة ثمن للنجومية». لكنها تختم: «لا أستطيع تقديم الموسيقى والأعمال التمثيلية من دون استخدام الألم والشعور به، ذلك الألم في قلبي. أقصد: هل من مكان أفضل للتنفيس فيه عن هذا الألم؟ وإلا فما فائدته؟».

لا أستطيع تقديم الموسيقى والأعمال التمثيلية من دون استخدام الألم

في الموسيقى كما التمثيل أستمدّ دوماً قوتي من تجاربي السابقة