صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4248

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

بيت أمي

  • 25-01-2019

شيء ما يجب أن يقال بعد أن ذوى كل هذا العمر، ليس لأن أحداً ما سيقرؤه يوماً... لا... لا، هذا لن يحدث.

وما سأكتبه لن يرى النور أبداً، لكنني أكتبه لأن الأشياء التي نقولها تخرج من ذمتنا، وتغدو في ذمة الآخرين، أو في ذمة النسيان، لا فرق.

لكن ما نمنحه للنسيان لا يذهب كله كاملاً، يبقى داخلنا منه الجزء المر أو الأشد مرارة، وهو الجزء الذي نأخذه معنا ونلوكه دون أن نصرح به، والذي نسميه تجملاً «الذكريات»، وهي ليست سوى ما يرسب في قعر الكأس من الحكايات.

في البدء، كنا نحن النساء أصل الحكايات، ونحن من كن يقلنها ويلهمنها أيضاً. كنا نقولها حول النار، والغدران، في القصور، وحيث ما تطيب الرفقة، وكنا نقطع بها الليل، وننقل عبرها ما نحفظه ليمضي إلى غيرنا، كنا نحن الكتب في زمن اللاكتب. وكنا نقول الشعر والأغاني والمراثي، وحتى الأسرار التي نقولها ونحن نتلفت حتى لا يسمعنا أحد، كنا نرثها وتمرر عبرنا إلى من هم بعدنا، وكنا نضيف إليها نكهاتنا الخاصة بنا، ولكل امرأة نكهتها الخاصة والمختلفة في حكاياتها، تماماً كبهارات مطبخها الخاص بها، ولكن ذلك لم يعد، وكلنا نتشابه الآن كأننا خط إنتاج لمصنع يقدم بضاعة رديئة جداً.

جدتنا الأولى «في الحكايات» شهرزاد كانت تشتري لها بالحكايات عمراً جديداً كل ليلة، كانت تصنع حياة جديدة، هي لم تكن تحتال بتلك الحكايات على أحد كما يقول ذلك التأريخ زوراً، وما كان شهريار ليقبل تلك الحكايات لو كانت بليدة، لكنه وجد نفسه هو البليد جداً، الذي لا يعرف شيئاً عن العالم، حتى إن لم يكن يعترف بذلك، ولم يوثق التأريخ ذلك أيضاً.

شهريار وجد نفسه مفتوناً بتلك الحكايات والتأريخ، هو أيضاً رجل، ولو كان منصفاً لقال إن شهرزاد كانت تنقل إليه المعرفة، والحكايات، والعوالم الساحرة، وإنها أيضاً كانت تهبه الحلم، الحلم الذي يصنع خريطة الحياة.

واليوم اقتطعت أصواتنا منا، ولا نعرف متى بدأ ذلك تحديداً، ولا أحد يريد أن يعرف، لا أحد يريد حمل هذا الوزر، وزر قتلنا، وكلٌ يعيد أصل القتل إلى زمن أبعد، حتى غابت الحقيقة تماماً.

ومع الأيام، ضمرت جيناتنا الصوتية، حتى تلاشت لغتنا تماماً، ولم نعد أكثر من صدى، صدى باهت لما يملى علينا، أو صدى مزور لكل ذلك الذي يسكننا، نحن النساء.

لكني سأتحدث الآن، والخيبات الني عبرتني في عمري القصير كافية لتحصّنني ضد الخوف والخسارات، وما من شيء نخاف عليه الفقدان، ونحن النساء، بعد الترمل، وربما التقدم في العمر، لا يهمنا كثيراً الذبح باتجاه القبلة أو غيرها، ما يهمنا أكثر هو حد السكين الذي يعجّل بالخلاص وطلوع الروح.

فنجاني الثالث يبرد دون أن تلامسه شفتاي، أصابعي تمسك بمقبضه كأنني أخاف أن يغادر أو ينتزعه مني أحد، وعندما يبرد قليلاً، أحتضنه براحتي يدي، أتدفأ به، وأمرر عبره قلقي ورعشة يدي. أحب دفء الفنجان أكثر من القهوة، وأحب أكثر من القهوة رائحتها أيضاً، وأدور بكفي حول الفنجان مراراً، وعندما يبرد ولا يغدو صالحاً للاحتساء أفرغه في المغسلة القريبة، وأعود أملؤه من جديد.

وبين وقت واخر أرتشف منه قليلاً.

ولأن النافذة لا تفضي إلا إلى جدار، ولأنه ليس هناك ما يشاهد، أكرر التحديق في الصورة الوحيدة المعلقة في الجدار المقابل، وبعدد مرات لا أعرفها، كما لا أعرف عدد الصباحات الوحيدة التي أقضيها وحدي وأمامي كتاب مفتوح على صفحة واحدة أقرأ فيها ثم أنسى، وأعاود التحديق في الصورة المعلقة، وفي السقف أحياناً، ثم أعود إلى التحديق في الكتاب.

الصورة الوحيدة التي تزين حائط غرفتي المجردة إلا من البياض وحدها هي التي قبلت على مضض جرح الجدار، وغرس مسمار فيه من أجلها، وعدا ذلك أبقيت الجدران خالية من كل شيء.

الصورة التي أقرؤها كل يوم هي صورة منزلنا القديم في قريتنا البعيدة، المنزل الذي يقولون إنني ولدت فيه، منزل يبدو غريباً جداً عني، بعيداً جداً عني، وأشعر أنه من زمن مختلف، زمن يعود إلى عصور قديمة جداً، منزل لن أراه أبداً.

يستحيل أنني ولدت في هذا المنزل، إلا إذا كنت قد ولدت في أزمنة سحيقة، لكن هذا ما قيل لي، وما أحاول التيقن منه إن قدرت.

قيل لي إنني ولدت في هذه الدار التي أتأمل صورتها كل يوم: المنزل مبني من الحجر والطين وجريد أشجار العرعر كما يبدو، غرفتان متصلتان تطلان على فراغ ربما كان يوماً مزرعة، أو حتى مربطاً للدواب، وأمام الغرفتين ما يشبه الرواق المسقوف، ثم لا شيء.

هو ليس رواقاً بالمعنى الذي قد يخدع متخيله، هو امتداد خارجي للغرفتين المتصلتين، تسنده خشبتان قويتان وقديمتان جداً، وأظنه كان يستخدم كمخزن مكشوف ترمى على سطحه جلود الخراف لتجف وتنجو من الكلاب والقطط، وتُرمى على ظهره أو سطحه بذور المواسم المقبلة لتُحفظ بعيداً عن الدواب، وحتى علف الدواب والحطب والأشياء غير المستخدمة، وهي نادرة جداً، تخزن هناك، أو تترك هناك.

أتأمل الصورة كل يوم، كأنني أراها كل يوم للمرة الأولى، وكل يوم أطرح أسئلة جديدة، مرة أسأل: لم تُبنى الحجرتان متقابلتان مثلاً وبينهما فناء؟ لم حجرتان فقط، ولم كانتا بهذه المساحة الصغيرة جداً رغم كل هذا البراح الفسيح.

ومرة أتساءل لم لَمْ تزرع هناك أشجار؟ زراعة الأشجار عمل لا يتطلب الكثير من الجهد، ومرة أعود إلى عدّ الأحجار التي تبدو ظاهرة في الصورة، ومرات لا نهاية لها أحاول تخيل طفولتي وأنا أدرج على أرض هذا المنزل العارية، وأعود إلى قهوتي وكتابي، لكني ما ألبث أن أعود إلى الصورة والعمودين تحديداً محاولاً تخيل كم مرة تمسكت بهما وأنا أحاول تعلم المشي، وكم مرة اصطدم رأسي بهما، وهل نقش عليهما أحد كتابة ما؟

أسئلة معلقة، وما من إجابات لها، ولن أجد إجاباتها أبداً.

وكم تبدو حياتنا فقيرة عندما تكون الصورة الوحيدة الناجية من زمن طفولتنا هي صورة منزل عارٍ وقاسٍ، ويكاد يكون مقفراً من الحياة، وبكل تأكيد... كان خالياً ومقفراً من الحنان.

وددت لو قلت إننا جئنا إلى أبها بطائرة راكبين مقاعد الدرجة الأولى، ووصلنا شقتنا في حي الربوع (أو قرى)، ووجدنا الثلاجة عامرة بكل شيء، ووجدت علبة خاصة من الآيسكريم المفضل لدي، وودت لو قلت إن ستائر الشقة لم تعجب أمي ووعدها أبي بتغييرها بمجرد أن نستقر، وإن موعد تركيب التلفون الأرضي اليوم أو غداً على أبعد تقدير، وددت أن أقول أشياء كثيرة، لكنني حقاً لا أستطيع قول ذلك لسببين بسيطين جداً: أولهما أننا وصلنا إلى أبها أو ربما الطرف الشرقي منها بسيارة لوري حمراء مستأجرة، أبي وأمي الحامل في المقدمة، أو ما سمي حينذاك بـ«الغمارة»، وأنا وأختي نورة الأكبر قليلاً مني في حوض السيارة مع العفش القليل الذي جردنا منه بيتنا في القرية.