صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4248

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

أشياء مألوفة

  • 25-01-2019

في الوقت الذي غاصت فيه الشمس خلف الحقول على الجانب الآخر من النهر، اختفى قرصها تماماً وبطرفة عين خلف الأفق. حينها عبرت الشاحنة الطريق السريع المحاذي للنهر، متجاوزة أطراف المدينة. لكن حالما ظهر الجسر، بدأت حركة السير بالازدحام، وتباطأت سرعة الشاحنة.

وقف الفتى في الجزء الخلفي من الشاحنة ونظر إلى الأمام، وكلتا يديه تمسكان بالإطار المعدني المثبت خلف كرسي السائق مباشرةً، وهذا ما أتاح له رؤية بانورامية لضفة النهر والطريق أمامه. لقد صعد إلى شاحنة القمامة مع أمه عند الطرف الشرقي للمدينة الكبيرة. توقفت الشاحنات في خط طويل، قبل أن تسير ببطء شديد، وتتوقف من جديد قبل أن تغادر الطريق السريع، وتسلك الطريق غير المعبد الذي يوصل إلى إحدى جزر النهر. يمرّ الطريق غير المُعبّد بجوار إحدى السواقي المتفرعة من النهر، والتي لا تلبث أن تنضم إليه مرة أخرى في الجهة الأخرى من الجزيرة. وحده الأفق الغربي لا يزال متوهجاً. ثمة قرية صغيرة تقع على التلال الشمالية المقابلة للطرف الآخر من النبع، وهناك أضواء تتلألأ من كل نافذة. لقد أفرط الفتى بالثقة عندما ظن أن أحد هذه المنازل سيكون له ولأمه.

جعلهم العشب الفضي، المُتمايل على ضفتي الساقية في الضوء الخافت، يشعرون وكأنهم وصلوا فجأةً إلى أرض غريبة وبعيدة جداً. عندما بدأت الشاحنات بإضاءة مصابيحها الأمامية، بدا وكأن هناك سحابة ناعمة من الغبار تغطي المركبات. التوى الطريق مبتعداً عن القرية ذات الأضواء الدافئة، وبدأت الشاحنات بتسلّق أعلى التلة، فأصاب وجوههم في الظلام شيء مثل حُبيبات القمح أو الأرز. كانوا ثلاثة رجال وامرأتين، بالإضافة إلى الفتى وأمه، التي اعتلتْ قمة كومة القمامة في مؤخرة الشاحنة. كان هناك ما يكفي من الخردة البلاستيكية كي يجلس عليها الجميع أو يلفّوا أرجلهم عليها وهم واقفون ومُتشبّثون بجدران صندوق الشاحنة. كانوا محاطين بالقمامة منذ بداية الرحلة، ولذا لم ينتبهوا لتلك الروائح الغريبة والجديدة التي تنبعث. لكن حالما وصلت الشاحنة إلى أعلى التلة وتوقفت في مرأب فسيح، بالكاد تمكنوا من التنفّس بسبب الرائحة العفنة. كانت الرائحة كريهة إلى حد لا يُحتمل، كانت مزيجاً كريهاً من كل رائحة قذرة في العالم؛ روث، ومياه مجارٍ، وطعام فاسد، وصلصة الصويا، وعجينة فول الصويا المتخمّرة. وثمة أسراب من الذباب تلتصق بوجوههم وسواعدهم وملابسهم في الظلام، وتحطّ بجرأة حول زوايا أفواههم وعيونهم، وتجسّهم بألسنتها اللاصقة والباردة.

أدرك الفتى أنه لا يجدر به إعلام الآخرين باسمه الحقيقي، لا سيما اسم عائلته. يحب الأولاد الذين يذهبون إلى المدرسة أن ينادوا بعضهم بعضاً بأسمائهم الكاملة، لكنّ هذا بالنسبة إليه، يخصّ أطفال المدرسة الابتدائية حصراً. لقد بلغ الثالثة عشرة من العمر في تلك السنة، لكنه كلما كان يجول في الأزقة، يضيف سنتين ويقول إنه في الخامسة عشرة من العمر. ذات مرة، تجمّع حوله الفتية الأكبر منه في حيّه، وحاولوا سحب سرواله للأسفل من أجل أن يتحققوا من شعر عانته دليلاً على عمره، فنطح أحدهم على وجهه وكسر له سنه الأمامية. وهم بدورهم لم يتركوه إلا وهو ينزف من منخريه، ولا بدّ أنهم كسروا أحد أضلاعه أيضاً، لأن صدره ظل يؤلمه لشهر لاحق مع كل شهيق أو زفير. لكنّ المهم أنه حافظ على كرامته.

كل فتى من فتيان الأزقة ناداه بلقب مختلف: النطاط، والمكبس، وصاحب العينين الجاحظتين (بغ آي). كلمة نطاط هي اختصار للجندب، لأنّ أستاذه في الصف الرابع قال إنّ لديه ساعدين طويلتين وساقين طويلتين تركضان بسرعة معاً، والمكبس، تشبيه بمالك الحزين أو اللقلق الأكثر وقاراً، واللذين لديهما أيضاً ساقان طويلتان وعنق طويل ونحيل. لم تهمه تلك الألقاب، لكنه اعتقد أنّ لقب بغ آي لم يكن بذلك القدر من السوء. لقد أطلق عليه ذلك اللقب، أحد ضباط الشرطة حيث كان يعيش سابقاً. ففي أحد الأيام، وبينما كان، وفتية آخرون، يتسلون بتحطيم نوافذ مركز الشرطة. قُبض عليهم وهم يحاولون الفرار، وأُجبِروا على الركوع أمام ضابط الشرطة بانتظار عقوبتهم. صفع الشرطي بغ آي على رأسه مراراً وتكراراً بمحاضر شرطة ملفوفة على شكل عصا، وأطلق عليه اللقب قائلاً. إياك أن تجرؤ على رفع عينيك باتجاهي، أيها الوغد الصغير ذو العينين الجاحظتين! سوف أنزعهما من محجريهما كلياً! دع والدك يأتي إلى هنا، يا صاحب العينين الجاحظتين! بعد ذلك، كلما حاول أحد أصحابه مناداته بلقب آخر، كان يضربه ضرباً مبرّحاً، لكن عندما ينادونه باسم بغ آي، لم يكن يغضب، حتى أنه أحياناً يأنف من الرّد، وسرعان ما اعتاد على تقديم نفسه بذلك الاسم كلما التقى أولاداً آخرين من عمره. لقد قبِل اللقب كي يُميّز نفسه عن الأولاد المتحدرين من عائلات محترمة والذين يسكنون في شقق فاخرة، لكنه اكتسبه أيضاً، بالطريقة نفسها التي يكتسب بها الكبار إحدى الشارات، بعد كل فترة جديدة يقضونها في السجن.

ترك بغ آي المدرسة في منتصف الصف الخامس. كانت أمه بائعة متجولة، بالكاد تجني ما يكفي لتوفير ثلاث وجبات في اليوم على مائدة الطعام، ولدفع إيجار غرفتهما الضيقة في الحي الفقير على سفح التلة. لقد اعتاد التسكع في أرجاء الأزقة مع فتية آخرين بعمره، لكن في مرحلة ما بدأ يذهب مع أمه إلى السوق كي يتمكن من القيام ببعض العمل في أحد أكشاك الملابس. كانت الأكشاك داخل مبنى جميل يقع بمحاذاة الطريق الرئيسي مباشرةً، لكن في الأزقة الخلفية وبعيداً عن الأنظار، تتجمّع معامل صغيرة تستغل العمال، ويقوم المالكون بتأجير كل مكان من أماكن العمل الضيقة هذه، حيث يستخدمون بضعة عمال للعمل على بضع آلات خياطة.

كان عمل بغ آي الركض جيئةً وذهاباً لتأمين النسيج والخيوط والأزرار والمواد الأخرى إلى العمال، وتسليم السلع الجاهزة إلى أكشاك الملابس في واجهة المبنى. ذات يوم، وفي وقت الغسق، توجّه إلى المكان الذي اعتادت أمه أن تضع فيه بضائعها. كانت النساء يحزمن أمتعتهن في نهاية ذلك النهار، لكنه لم يجد أمه، فسأل: «أين ذهبت أمي؟». صرخت إحدى النساء وقالت: «لا بدّ وأنها تواعد شخصاً آخر في الخفاء». أوضحت المرأة التي بجانبها قائلةً: «أظنّ أنّ والدك قد عاد».

«والدي؟». أشارت النساء إلى اتجاه الزقاق الذي يتم فيه تقديم الطعام.

بحث بغ آي في الزقاق الذي تفوح فيه روائح السمك المشوي وحساء النقانق المسلوقة. استرق النظر داخل كل مطعم على كلا الجانبين إلى أن وجد أمه تجلس إلى طاولة مقابل أحد الرجال. كان الرجل يدير ظهره ما جعل التعرّف إلى وجهه مستحيلاً، كان يرتدي سترة جيش ميدانية وقبّعة كرة قاعدة زرقاء اللون. تسلّل بغ آي على أطراف أصابع قدميه إلى الداخل. رأته أمه ولوّحت له بيدها، فمشى بغ آي باتجاه الطاولة، وبينما هو على وشك التحقّق إن كان حقاً والده التفت الرجل وحاول التربيت على رأس بغ آي، فأبعد رأسه إلى الخلف قليلاً. لم يكن والده. سحب الرجل يده بإرباك وقال: «انظر كم أصبحت كبيراً. يبدو وكأنك البارحة كنت تتعلّم المشي...». قالت والدته: «ألقِ التحية، هذا أحد أصدقاء والدك». أومأ بغ آي برأسه بطريقة فظة، وجلس إلى جانب والدته وأخذ ينظر إليه ببرود. كان لديه عينان كبيرتان برّاقتان وأنف كبير، جعله يبدو ودوداً بعض الشيء، لكنّ وحمةً زرقاء ضخمة غطّت كل الجانب الأيسر من وجهه تقريباً، بدءاً من تحت عينه إلى كامل خدّه. أين رأى بغ آي ذلك من قبل؟ بالطبع! الوجه الذي نصفه أبيض ونصفه أزرق، الذقن المُدببة والطويلة، والرداء الذي نصفه أحمر ونصفه أزرق. لم يكن سوى بارون أشورا من سلسلة قصص مازينغر زد. إنه الشرير واليد اليُمنى للدكتور هيل، الذي لطالما أعدّ خططاً شريرة رغم أنّ مازينغر زد، الروبوت الذي يدافع عن الخير، كان يحبطها دائماً. شدّ بغ آي قبضتيه بإحكام، وتأجّجت في داخله الرغبة في القتال، ثم أخذ يحملق إلى الرجل ذي الوجه الأزرق. تابع الرجل كلامه من حيث توقف عندما وصل بغ آي فقال: «إنه مجرّد كوخ، ولكنه مجاني. وسوف تكسبين ثلاثة أضعاف ما تكسبينه الآن. أين يمكنك أن تجدي صفقة مثل هذه؟». أومأت والدته برأسها ثم أمالت جذعها إلى الأمام وعلامات اللهفة على وجهها. قالت بتردّد: «لست أدري متى سيخرج والده، إذا ما تمكّنت من تسجيلنا فسأفعل كل ما يلزم». نظر الرجل إلى بغ آي الذي بقي يحملق إليه وقبضتاه مشدودتان فوق الطاولة ثم قال: «كم عمرك؟». لم يستطع بغ آي أن يخبره بأنه في الخامسة عشرة أمام والدته الجالسة هناك، لذا اعتصم بحبل الصمت.

أجابت بالنيابة عنه: «ثلاثة عشر».

فغر الرجل فاه بدهشة مبالغ فيها وقال: «ماذا؟ تبدو كبيراً جداً لتكون في الثالثة عشرة، أليس كذلك؟ في حال سألك أي كان عن عمرك، قل خمسة عشرة». أخفى بغ آي فرحته المُفاجِئة وتمتم بخجل: «جميع أصدقائي في الخامسة عشرة من العمر».

«يا إلهي، أحسنت. سنقول إنك أنهيت المدرسة المتوسطة». التفت إلى والدة بغ آي وقال: «سأسجّلك في المدينة، وهكذا تتمكنين من العمل في الصف الأول. وإذا عمل الفتى بالفرز في الصف الثاني، سوف تجنيان معاً ضعف ما يجنيه الآخرون». تمكّن بغ آي في تلك الليلة أن يخبر أمه أنه متحمس جداً لكي ينام فقال: «كنت في غاية القلق منذ أن أخبرنا مالك المنزل أنه يجب علينا الرحيل، لكن هذا جيد. فلدينا عمل الآن ومكان لنقيم فيه. كم هذا مريح». لقد تربى والد بغ آي ووالدته في ميتم. وفي مرحلة ما، هرب والده لوحده وتسكّع في أرجاء المدينة لفترة من الوقت قبل أن ينتهي الأمر به ضمن أحد طواقم العمل التي تشكّلت في كل منطقة داخل المدينة. ورغم أنه لم يكن قادراً على توفير ما يكفي ليصبح تاجر خردوات يعمل لحسابه الخاص، إلا أنه كان مسؤولاً عن جمع المواد القابلة لإعادة التدوير في إحدى المناطق الصغيرة. في تلك الفترة، عاد والد بغ آي باحثاً عن والدته. كانت قد كبرت في ذلك الوقت، ولا تزال تعيش في الميتم وتهتم بالأطفال الذين بالكاد استغنوا عن حفاضاتهم.

إنّ مشكلة جمع المواد المرميّة هي أنّ كثيراً منها في حالة جيدة جداً، حتى أنه يُطلب في بعض الأحيان من جامعي النفايات الاحتفاظ ببضائع مسروقة إلى أن يُصبح من الممكن بيعها، ولذا غالباً ما يجدون أنفسهم متهمين بالسرقة. وكلما ازدادت التقارير عن وجود سرقات، يُستدعى جامعو النفايات إلى مركز الشرطة طوال ساعات النهار، وتقوم الشرطة بإصدار أمر للمسؤول عن إحدى المناطق، كائناً من يكون، كي يختار أحد العمال من أجل أن يتحمّل المسؤولية. جامعو النفايات أولئك الذين سُجنوا مرة أو مرتين يتطوعون للعودة إلى السجن، وما إن يُنهوا مُدّتهم، لا تعود سرقة البوابات الحديدية للمنازل أو أخذ النحاس الغالي الثمن أو الألومنيوم من مواقع البناء أموراً ذات أهمية كبرى. ناهيك عن ذكر أنه عندما يقومون بتجميع المواد المرمية في المناطق السكنية، بإمكانهم اكتشاف المنازل الخالية من السكان بغية اقتحامها لاحقاً.