حمار صادق

نشر في 04-08-2018
آخر تحديث 04-08-2018 | 00:00
No Image Caption
دعوني سادتي أولاً أقدم أبطال قصتي حسب درجة أهميتهم وأدوارهم في صنع الحياة، وليحكي لكم كل منهم دوره في قصتنا:

لا تستغربوا سادتي حينما قدمت الحمار (أصيل) على نفسي، فقد اكتشفت متأخراً أنه أهم كائن مرّ في حياتي، لأنه كان المسؤول الأول عن توفير لقمة الخبز لي ولعائلتي الفقيرة، وتحمل مسؤولية إطعامنا مع الخال صادق المشلول في زمن تساقط فيه الرجال، وعجزوا عن توفير لقمة الخبز لعائلاتهم.

أولاً: حمار خالي صادق

(يُدعى الحمار للعرس إما لجلب المياه وإما لجلب الخشب...). مثل إنكليزي

اسمي أصيل، وفي الحقيقة هذا الاسم لا علاقة لي به، وإنما أطلقه عليّ أحمد كاتب هذه القصة ولا أعرف سبباً له، فنحن معاشر الحمير لا علاقة لنا بالأصل والفصل والسلالة والعشيرة، بل مجرد حمير من الفصيلة الخيلية، خلقنا الله لكي يستخدمنا الإنسان في مختلف الأعمال الشاقة التي يعجز عنها. وأنا شخصياً لا أعرف عشيرة لي، ولا أنتمي سوى لمجمع الحمير في الأرض، فكل حمير الأرض باختلاف ألوانها وأشكالها أهلي، ولك أن تتخيل، عزيزي القارئ، حجم عشيرتي المنتشرة في كل ربوع الأرض. فنحن مجموعة واحدة تربطنا روابط الحمورية وقوانينها التي فطرنا الله عليها، ولا يوجد لدينا شيخ أو قائد، ولا نحتاج إلى من يعلمنا الطريق إلى الله. فنحن نعرف الله بالفطرة ونؤمن به ونطيع تعاليمه وننتهي عن نواهيه، وحياتنا بسيطة خالية من التعقيدات، وهمومنا تقتصر على كيفية مساعدة الإنسان، ذلك الكائن الغريب الذي خلقنا الله وسخّرنا لخدمته والسهر على راحته، ونحن نقوم بذلك على أكمل وجه. ورغم المعاناة وسوء المعاملة التي نتلقاها من الإنسان إلا أننا لم نشتكِ يوماً ولم نعصِه أو نثرْ ضده أو نتآمر ضد حكمه، واكتفينا بالدعاء إلى الله أن يهديه ويحنِّن قلبه علينا حتى يعاملنا بلطف ويخفف من ظلمه لنا.

وبما أنني أخاطب عقولكم، سادتي القراء الأفاضل، عندما أروي لكم حكايتي التي عشتها بينكم وكنتم أنتم أبطالها بالدرجة الأولى، وحيث أنكم تعتمدون العشيرة والدين والنوع واللون والمعتقد والجنس، لذلك سمحت لنفسي باستخدام كلمات تتماهى مع أفكاركم ومعتقداتكم من مثل (ابن عمي) و(من عشيرتي) و(من جماعتنا) و(من ربعنا) و(غريب) و(من غير ملة)، رغم تحفظي الشديد على استعمال هذه المفردات. فنحن حمير الله في الأرض كلنا أخوة، وكل حمار يمشي على أربع هو (من ربعنا) و(من عشيرتنا)، ونحن عشيرة واحدة وملّة واحدة كما أخبرتكم.

في ليلة شتائية باردة ولدتني أمي تحت سقيفة.

أحسست برعب لا متناهٍ حينما فتحت عينيَّ على هذا العالم الغريب الذي أراه أول مرة؛ كائنات من حولي تنظر إليّ وتهلل فرحاً، أشكالها غريبة، خفت منها كثيراً، وخصوصاً من قرونها التي تعلو رأسها. أعجبني قسم آخر من الكائنات الغريبة الصغيرة الحجم مقارنة بالكائنات ذات القرون المخيفة والتي كانت تصيح بطريقة جميلة... مااااااع... مااااااااع. تبينت أمي من دون كل الكائنات التي حولي، فلجأت إليها حالما استطعت الوقوف على أرجلي الأربع، فأحسست بالدفء والطمأنينة بعد أن كان البرد والخوف يفتكان بجسدي الضعيف. تناولت وجبتي الأولى من حليب ثدي أمي الذي عرفته بالغريزة؛ كانت وجبة رائعة ولذيذة لا أزال أتذكرها حتى الآن. اكتشفت إحساس الشبع، كان إحساساً رائعاً، إلهياً بحق، تذوقت حلاوة الكون في حليب أمي تلك اللحظة. بعد أن انتهيت من وجبتي الأولى قدمتني أمي للحيوانات المحيطة بنا والتي كانت تراقبني بفرح، فتعرفت إلى البقرة التي قالت عنها أمي إنها بمثابة خالتك يا ولدي. ثم تعرفت إلى النعجة الجميلة والمحبوبة ذات الشكل الرائع وأولادها الصغار وأوصتني أمي باحترامها لأنها صديقة مقربة منها. ثم تعرفت إلى كائن غريب مخيف يختلف شكله وصوته عن الجميع اسمه كلب. خفت منه كثيراً ولم أرتح لنظراته، ولكن أمي أخبرتني بأنه صديق لنا وهو كائن جيد ووفي.

ما إن انتهت ليلتي الأولى، التي قضيتها في التعرف إلى البقرة والنعجة والكلب، والاستماع إلى نصائح أمي التي كانت تنظف جسدي بلسانها، حتى حل الصباح وانتشر الضياء، وتغير شكل الكائنات من حولي فأصبحت أراها بشكل أوضح. استغربت الذي حدث، فلم أعرف ما هو السر الذي دفع الأشكال لتتغير وتصبح أكثر وضوحاً؟ سألت أمي فقالت: إنه ضوء النهار يا ولدي. لم أفهم ما معنى ضوء النهار، ولكني أيقنت أنه أحسن من الحال السابق وأجمل، والذي سمته أمي ظلام الليل.

كثرت أسئلتي عن الأشياء والكائنات المحيطة بـي، وأعجبتني الدجاجة وفراخها. وحده هو الكلب الذي كان يخيفني ولا أعرف سبب ذلك الخوف.

سمعت البقرة تقول لأمي: «يبدو أن ولدك ذكي، فهو يسأل باستمرار عن كل الذين حوله».

أجابت أمي: «نعم، إنه ذكي يشبه والده كثيراً».

لم أفهم معنى كلمة الوالد، فحاولت أن أسأل عن معناها، لكن صوت الكلب الذي علا فجأة قطع سؤالي، ثم تغير وأصبح كأنه البكاء، عندها دخل كائن غريب إلى المكان يختلف عن كل الكائنات الموجودة؛ فهو لا يمتلك أربع قوائم، وإنما يمشي على اثنين، وهو طويل إلى حد ما. أحسست بارتباك حيوانات الحظيرة، ومنها أمي، التي كنت تواقاً لسؤالها عن هذا الكائن الذي تهابه كل الكائنات؛ فالبقرة صارت تصدر أصواتاً غريبة والدجاجة وفراخها أيضاً، وشمل الحال الخراف الصغار وأمهم. لم أستطع أن أتبين حقيقة حال حيوانات الحظيرة ومنها أمي، فهل هي فرحة بدخول هذا الكائن أم خائفة؟

خفت وارتبكت عندما توجه الكائن الغريب إليَّ من دون الموجودين وهو يصدر أصواتاً غريبة لم أفهمها ولم أتبين معناها، فلذت بين أرجل أمي محاولاً التخلص من قبضته التي امتدت لتسحبني من بين أقدام أمي. لم تفعل أمي شيئاً ولم يصدر من خالتي البقرة ولا النعجة، صديقة أمي، أي فعل تجاه هذا الكائن الذي أمسك بـي بقوة. حاولت أن أتخلص من قبضته ولكن دون جدوى، وارتعبت من صوته الذي لا يشبه أصوات الكائنات من حولي، وفي لحظة أفلتني فركضت بما عندي من قوة تجاه أمي مرعوباً باكياً، والتي حاولت أن تهدئ من روعي ولكن دون فائدة. لم تعلم أمي إن سبب بكائي هو موقفها السلبـي تجاه السماح للكائن الغريب، بالإمساك بـي بقوة وسحبـي من بين أيديها.

بعد لحظات من بكائي فهمت سبب سكوت أمي ورضا خالتي البقرة وسلبية النعجة صديقة أمي، حيث بدأ هذا الكائن المجهول ذو القدمين بتوزيع الطعام والماء على كل حيوانات الحظيرة. كان يحضر الطعام بكل أنواعه من مخزن صغير خارج الحظيرة، ويضعه أمام الحيوانات التي أخذت تلتهمه بشراهة. لم أفهم في بداية الأمر الذي يحصل ولماذا يقدم هذا الكائن الطعام لحيوانات الحظيرة، فسألت أمي، التي كانت تأكل من معلف أمامها، عن الحال وعن الكائن؟ فأجابت: «إن هذا الكائن هو الإنسان وهو الذي يمتلكنا جميعاً».

لم أفهم ما معنى (يمتلكنا جميعاً) فسألت: «ما معنى يمتلكنا جميعاً؟».

أجابت خالتي البقرة التي كانت تستمع لحواري مع أمي: «(يمتلكنا جميعاً) تعني أن حياتنا وأسبابها مرهونة بوجوده، ونحن لا نستطيع أن نحيا بدونه، فهو الذي يرعانا ويوفر لنا طعامنا وماءنا وأسباب حياتنا، ومن دونه نموت».

أضاف جواب خالتي البقرة حيرة أخرى فقلت: «ما معنى (نموت)؟».

تدخلت صديقة أمي النعجة وقالت: «الموت يعني الفناء، يعني نهاية كل شيء، يعني الخروج من الحياة التي دخلتها أنت الآن، يعني أن يتوقف كل شيء ويتلاشى، يعني أن تفقد أمك وكل ما حولك...»

كان جواب النعجة مرعباً بالنسبة إليّ، فخفت كثيراً من الموت ومن فقد أمي بوجه خاص. خفت من الموت وكرهته في تلك اللحظة، وأحببت الإنسان كثيراً، ذلك الكائن الذي يحميني وأمي من الموت، وقررت أن أسمح له بمسكي من رقبتي بقوة في المرة القادمة...

ترعرعت في تلك الحظيرة الجميلة وسط أمي وخالتيّ البقرة والنعجة، وكانت المحبة هي عنوان علاقتنا مع بعضنا البعض، كان الكلب هو الكائن الوحيد الذي لم أحبَّه، كنت أخافه.

فهمت لغة الإنسان، وأصبحت أترجم ما يقول لأمي وخالتي، وعرفت أن هذا الإنسان اسمه (خنساء) كانت خنساء جميلة جداً، وكانت تُحسن معاملتنا نحن حيوانات الحظيرة، وكانت غالباً ما تلعب معي في بستانها الصغير وتركض خلفي بعفوية وجمال وهي تضحك.

كنت أستغرب حزنها بين فترة وأخرى حيث كانت تمتنع عن اللعب معي، بل في أحيان كثيرة تنسى إطعام حيوانات الحظيرة في تلك الفترة من كل شهر على الأغلب. كانت تبكي بحرقة في هذه الأيام من كل شهر، فقد لاحظتها تحزن خمسة أيام من كل شهر وفي مرات عديدة يمتد حزنها إلى سبعة أيام. لم أفهم سبب ذلك في بداية الأمر، ولكني فهمت أنها تحزن وتبكي كلما حضر إلى المكان إنسان آخر اسمه (حميد)، فهمت لاحقاً أنه زوجها.

كرهت حميداً أكثر مما كرهت الكلب المخيف، لأنه كان السبب في حزن خنساء الجميلة وبكائها، التي تمتلكني وأمي وتعتني بنا وترعانا وتوفر لنا طعامنا وماءنا. كما أنه كان السبب في بكاء النعجة صديقة أمي حيث كان يأخذ أولادها الواحد تلو الآخر، أمسى حضوره يسبب الحزن والبكاء للجميع باستثناء الكلب.

لم أفهم، كما لم يفهم الجميع أين يأخذ أولاد النعجة، واقتنعنا بكلام الكلب الذي أخبرنا أنه يأخذهم ليعيشوا في مكان آخر أجمل وأفضل، لأنهم كبروا على الحياة في الحظيرة. بيد أن الأمر برمته أصبح يسبب الحزن لنا والإزعاج، بسبب بكاء النعجة على أولادها.

رُزقت خالتي البقرة بابنة صغيرة جميلة بعد فترة من ولادتي، كان يطيب لي أن ألعب معها بعد عودتي وأمي من البستان، حيث كانت أمي تجر عربة مليئة بالحشائش الخضراء الجميلة التي كانت تحصدها خنساء بكميات كبيرة لتطعم حيوانات الحظيرة. كنت أضحك كثيرا وأنا أرى الفرح في عيون الحيوانات وهي تترقب وصول عربة الطعام، الذي سرعان ما يتم توزيعه على المجموعة كلها.

كنت مُدلل الجميع، فأنا الذي يحمل أخبار الطعام، ونحن معاشر الحيوانات لا نهتم سوى بالطعام ولا نعرف ما هو أهم منه.

كبرت بسرعة، وأصبحت أساعد أمي في جر عربة الحشائش، حيث كانت خنساء تربطني جنب أمي لكي يخف الحمل عليها، لأنها بدأت تتعب من نقل الأحمال الثقيلة.

تذوقت مرارة التعب، وعرفت معنى أن تكون منهكاً، وفهمت دوري المهم في نقل الغذاء لعائلتي المتكونة من الأبقار والخراف، وعرفت معنى المسؤولية، وتذوقت طعم الاحترام.

لم أفهم سبب فرحة خنساء عند رؤيتها الشاب الوسيم في بستانها الصغير، والذي كان يحضر إليه وهو خائف وقلق وحذر، كانت نظرات عينيه في أرجاء المكان كنظرات خالتي النعجة عندما ترى حميداً قادماً من بعيد باتجاه الحظيرة.

back to top