أمعاؤنا... هل تؤدي دوراً في ذاكرتنا المكانية؟

نشر في 26-06-2018
آخر تحديث 26-06-2018 | 00:00
No Image Caption
تبرهن الأبحاث أن أمعاءنا تؤدي دوراً في حالتنا الصحية وعافيتنا عموماً أكثر أهمية مما ظننا سابقاً. ولكن هل تتدخّل في ذاكرتنا واتجاهاتنا؟ وإذا صح ذلك، فلماذا؟
في مشهد شهير من الرواية الفرنسية «البحث عن الزمن المفقود» لمارسيل بروست، يأخذ الراوي قضمة من قطعة مادلين (حلوى فرنسية تقليدية) سبق أن غمسها بقليل من الشاي. عندما يقوم بذلك، يبدأ بتذكر مقتطفات من طفولته التي أمضاها في الريف. يقول: «حالما لامس السائل الدافئ الممزوج بالفتات سقف حلقي، هزّتني قشعريرة وتوقفت، مركزاً على الحالة الاستثنائية التي كنت أختبرها».

يتابع مضيفاً: «تدفقت الذكريات فجأةً. كان ذلك طعم قطعة مادلين صغيرة اعتادت عمتي ليوني إعطائي إياها صباح أيام الآحاد في كومبراي».

لا شك في أننا جميعنا نألف الرابط بين طعام أو شراب تناولناه في الماضي وذكرياتنا عن أماكن وأشياء. كذلك تناولت منشورات علمية وفنية كثيرة هذا الرابط.

ولكن ثمة طرائق عدة يؤثر من خلالها الطعام في ذاكرتنا. يبدو أن الإشارات التي ترسلها أمعاؤنا إلى دماغنا تعود علينا بفائدة، مساهمةً في عملية تحديدنا اتجاهاتنا في العالم الذي نعيش فيه، وأنها تقوم بذلك منذ آلاف السنين.

هذا ما اكتشفه على الأقل باحثون من جامعة جنوب كاليفورنيا بلوس أنجليس في دراسة نُشرت في مجلة Nature Communications.

كيف توجّه الأمعاء الدماغ؟

تشير الباحثة المشرفة على الدراسة أندريا سواريز وفريقها إلى أن الإشارات التي تبعث بها أمعاؤنا إلى أدمغتنا تؤدي دوراً أساسياً في مدى قدرتنا على تذكّر المعالم التي تتيح لنا التنقل في العالم مكانياً.

يذكر الباحثون أن الطريقة التي تتواصل بها أمعاؤنا مع دماغنا ترتكز على أكبر عصب في الجهاز العصبي الذاتي (وهو جهاز يساعد في ضبط وظائف الجسم الرئيسة تلقائياً): العصب المبهم.

يربط هذا العصب أيضاً الأمعاء بالدماغ أو بالأحرى بجذع الدماغ، وهو جزء الدماغ الواقع في الجهة الخلفية الدنيا من الرأس. ويسود الاعتقاد أن جذع الدماغ يشكّل الجزء «الأكثر قدماً» من الدماغ، أي الدماغ الذي طوّره بادئ الأمر أسلاف أسلافنا.

تعتقد سواريز وزملاؤها أن الأمعاء تبعث، من خلال العصب المبهم، ثم جذع الدماغ، بإشارات إلى جزء آخر من الأخير يُدعى الحصين، الذي يشكّل مركز تشكل الذكريات والتذكّر. وهكذا «تحفّز» الأمعاء الدماغ على التنبه مكانياً للموضع الذي تناول فيه طعاماً محدداً.

آلية قديمة

فرعي

ولكن ما أهمية هذه الآلية؟ يجيب معدو الدراسة أن أهميتها تنبع من الدور الذي أدته في تاريخ البشرية الغابر حين اضطر الإنسان إلى البحث والاصطياد بغية تأمين قوته اليومي.

يذكر سكوت كانوسكي، باحث شارك في إعداد تقرير الدراسة وتولى مهمة التعاطي مع وسائل الإعلام: «عندما تعثر الحيوانات على وجبة وتتناولها، مثلاً، ينشط العصب المبهم ويبدأ نظام تحديد المواقع العالمي هذا بالعمل».

يضيف: «من المفيد للحيوان أن يتذكَّر بيئته الخارجية كي ينجح في الحصول على الطعام مجدداً». وتنطبق هذه الحالة أيضاً على البشر.

باختصار، تتيح لنا عملية انتقال الإشارات بين الأمعاء والدماغ هذه تعلّم كيفية الحصول على مصدر طعام جاهز، ما يوفر علينا عناء بدء البحث من الصفر، متكبدين كثيراً من الطاقة والوقت.

تأثيرات في علاجات السمنة

اختبر فريق البحث بعض هذه الأفكار بإجرائه سلسلة تجارب على نماذج من الجرذان. اكتشف الباحثون أن الحيوانات، التي قطعوا فيها عملية التواصل هذه بين الدماغ والأمعاء عبر العصب المبهم، واجهت صعوبة في تذكّر معلومات مهمة عن المكان الذي تتنقل فيه. لذلك عجزت عن توجيه نفسها.

تخبر سواريز: «لاحظنا إعاقات في الذاكرة المعتمِدة على الحصين حين قطعنا التواصل بين الأمعاء والدماغ. وترافق هذا النقص في الذاكرة مع نتائج عصبية حيوية مضرة في الحصين».

عند تأمل النتائج عن كثب، اكتشفت سواريز وفريقها في أدمغة الجرذان التي عانت خللاً في التواصل بين الأمعاء والدماغ أن المؤشرات إلى نمو خلايا الدماغ ونمو وصلات عصبية جديدة تأثرت سلباً. لكن هذا الخلل لم يؤثر في معدل القلق لدى الحيوان أو وزنه.

يشير الباحثون في تقريرهم: «قد تكون هذه الاكتشافات مهمة سريرياً لعلاجات السمنة الحالية التي تشمل التلاعب بالعصب المبهم، مثل جراحات خسارة الوزن [...] وإحداث خلل كهربائي مزمن في إشارات هذا العصب».

لذلك يشدِّد الباحثون على ضرورة أن تركّز الأبحاث المستقبلية على اكتساب فهم أعمق لطريقة انتقال الإشارات بين الأمعاء والدماغ عبر العصب المبهم وما الآليات الحيوية التي تؤثر فيها.

عملية انتقال الإشارات بين الأمعاء والدماغ تعلّمنا كيفية الحصول على مصدر طعام جاهز
back to top