الكثرة غلبت بطل المصارعة!

نشر في 07-06-2018
آخر تحديث 07-06-2018 | 00:00
No Image Caption
كلمة القاضي حكم. وكي يكون الحكم واجب النفاذ، ينهي حياة إنسان أو يمنحه فرصة أخرى للحياة، فعلى القاضي أن يدرس أوراق القضية التي ينظرها بعناية شديدة. عليه أن يتعمّق في كل جملة وكلمة وحرف، كذلك أن يستعرض ما بين السطور، لتستقر في وجدانه قناعة بإدانة المتهم أو براءته.

من هنا، فإن أجندة أي قاضٍ تحتوي على تفاصيل كثيرة أثّرت في إصداره الحكم النهائي على المتهمين، أو على أقل تقدير في تكوين قناعته عند النطق بالحكم الصادر، وهو ما يُطلق عليه قانوناً جملة نسمعها كثيراً عند صدور الأحكام القضائية وهي: «وقد استقر في وجدان هيئة المحكمة».

ملفات القضايا التي ينظرها القضاة مليئة بأوراق تحتوي على تفاصيل وحكايات أسهمت بقدر كبير في ارتكاب متهم جريمة ما، في المقابل على العكس قد تكون غير كافية لإدانته. وربما تحتوي هذه الملفات على أوراق أخرى تحمل خيوطاً عدة تحدِّد الدوافع التي أحاطت بالمتهم لارتكاب جريمته. ولكن يقف القاضي عاجزاً إزاء هذه التفاصيل بسبب نصوص القانون الجامدة، فلا يستخدمها في إصدار الحكم النهائي تحت بند «عدم كفاية الأدلة».

هذه الحكايات والتفاصيل المدونة في أجندة القضاة والتي تسهم في ما قد يستقر به من قناعات، نستعرضها في قضايا غريبة ننشرها على صفحات «الجريدة» خلال شهر رمضان الفضيل، وهي قضايا كانت وقت نظرها مثار اهتمام الرأي العام في مصر وغيرها من بلاد العالم العربي.

كان حلم الشاب الرياضي علاء، ابن مدينة كفر الدوار، التابعة لمحافظة البحيرة (190 كيلومتراً شمال القاهرة) أن يحصل على بطولة الجمهورية المصرية في لعبة المصارعة التي عشقها منذ كان طفلاً.

حقّق الشاب حلمه ولكن السعادة توقّفت هنا، بل انتهت!

لم يكن حلم الشاب الرياضي علاء بحصد بطولة مصر في المصارعة بعيداً عنه، خصوصاً أنه حاز لقب بطولة محافظة البحيرة عن جدارة واستحقاق بعدما تغلب على منافسيه كلهم، وبدأ يستعد للمشاركة في بطولة الجمهورية.

كان على الشاب البطل أن يحصر تركيزه في البطولة والاجتهاد للفوز بها، ثم يبدأ البحث عن الخطوة المقبلة، وهي المشاركة في بطولة أفريقيا والفوز بها، ومنها إلى الحلم الأكبر، أي المشاركة في دورة الأولمبياد المقبلة، ممثلاً مصر والحصول على الميدالية الذهبية!

كان حلم الشاب علاء كبيراً ولكنه لم يكن مستحيلاً. أراد أن يعتلي ذات يوم منصة الشرف والعلم المصري يرتفع والسلام الوطني المصري يعزف وهو ممسك بالميدالية الذهبية، ليكتب اسمه في سجلات الشرف بحروف من ذهب أيضاً...

لا يحتاج تحقيق هذا الحلم إلا إلى إرادة ومثابرة واجتهاد في التمرينات... من ثم وضع المصارع الشاب علاء مع مدربه برنامجاً تدريبياً يومياً يبدأ في الخامسة صباحاً. يتناول البطل إفطاره ثم يتوجّه إلى مقر التمرين حيث يضاعف جهوده في كل مرة. يعود إلى منزله، ثم يتناول وجبة الغداء ويرتاح قليلاً لاحقاً، ليعود إلى التدريب مساء.

نظام رياضي صارم فرضه المصارع الشاب على نفسه ليكون جاهزاً لمشوار حياته الرياضية، الذي يبدأ من القاهرة حيث بطولة الجمهورية للمصارعة.

فوز

وسط حشد جماهيري، أعلن المذيع في الصالة المغطاة في القاهرة فوز علاء طالب الثانوية العامة ببطولة الجمهورية للمصارعة... كانت فرحة البطل وأقاربه الذين حضروا معه من مدينته كفر الدوار لا توصف. حملوه على الأعناق وعادوا به إلى مدينتهم الصغيرة حيث أقاموا الأفراح والليالي الملاح لابن مدينتهم والبطل القادم بقوة على الساحة الرياضية العالمية.

كان أسعد إنسان على وجه الأرض بفوز المصارع الشاب علاء ببطولة الجمهورية في المصارعة صديقه سمير، الشاب النحيل الذي نشأ معه منذ كانا طفلين، وهما لا يفترقان إلا ساعات النوم.

كانت شخصية سمير على النقيض من شخصية صديق طفولته علاء تماماً. كان الأول متسرعاً بينما الثاني هادئاً... ولكنّ الصديق ذا الجسد النحيف كان يحب المشاكل وخوض المعارك من دون أن يحسب أي حساب لموازين القوة. أما المصارع علاء فرغم قوة بنيانه الجسدي فإنه كان مسالماً لا يحب المشاكل ولا التورّط فيها ولا يسعى إلى إغضاب الآخرين منه مهما كان.

لذا كانت فرحة سمير بفوز صديق العمر علاء ببطولة الجمهورية للمصارعة لا توصف. فها هو أخيراً سيشعر بالأمان لوجود بطل إلى جواره في كل مكان يذهب إليه... بطل يحميه مما يتعرّض له من مواقف محرجة ومشاجرات يخرج منها عادة خاسراً.

زفاف شقيقة الصديق

بعد أسبوع من فوز علاء ببطولة الجمهورية، انطلق إليه صديق عمره سمير ودعاه إلى حضور زفاف شقيقته الوحيدة. كانت ليلة جميلة لم يعكر صفوها سوى وجود الشابين وليد وحازم اللذين تربطهما صلة قرابة بالعريس. وكانت المشكلة أن بينهما وبين سمير عداء قديماً، إذ سبق أن تشاجرا مرات عدة معه وتغلبا عليه!

ولكن ها هي الأمور تغيّرت... موازين القوة الآن اختلفت عن الماضي... الشاب الضعيف الذي اعتاد الهزيمة إزاء خصميه أصبح يملك سلاحاً لا يستطيع أحد التصدي له. يرافق سمير بطل الجمهورية في المصارعة... صديق العمر علاء فكيف لغريميه أن ينتصرا عليه بعد اليوم؟!

ما إن لمح الشاب سمير غريميه جالسين بين المدعوين حتى انطلق إلى صديقه البطل المصارع علاء وراح يطلب إليه أن يحميه إذا ما أقدم وليد أو حازم على ارتكاب أية حماقة تجاهه في تلك الليلة... وكعادته قال علاء لصديق طفولته في هدوء:

* اهدَ شوية يا سمير مش معقول ليلة فرح اختك وانت عاوز تعمل مشكلة من لا شيء!

ورد سمير قائلاً:

- يعني يرضيك يا صاحبي... العيال دي تسخر مني ونقعد ساكتين؟

* لا طبعاً ما يرضينيش. حد فيهم قالك حاجة؟

- لا. بس مش هستنى لما حد فيهم يقولي حاجة ويبقى شكلي وحش قدام أهلي.

* خلاص يا سمير لو حد فيهم عمل أي حاجة تضايقك تأكد إني في صفك.

- أنا بقول إنك تمنع أي حاجة قبل وقوعها علشان اليوم يعدي على خير. أنا كمان مش عاوز تحصل أية مشكلة.

وإزاء الإلحاح، لم يجد المصارع البطل علاء سوى أن اصطحب صديقه إلى المكان حيث يجلس كل من وليد وحازم وطلب إليهما بكل أدب ألا يتحرشا بسمير... ولكنّ الشابين اعتبرا طلب المصارع علاء تهديداً صريحاً لهما. وتطور الأمر سريعاً وانقلب الفرح إلى معركة حامية مع ردود الشابين الحاسمة على المصارع علاء الذي قال لهما بحدة:

* نهاية الكلام تقعدوا هنا بالأدب وإلا هتشوفوا مني اللي عمركم ما شوفتوه!

طبعاً، لم يقبل وليد وحازم تهديدات الشاب مفتول العضلات واشتبكا معه بالأيدي... وفشل المدعوون في إخماد نيران المعركة. أمسك علاء بحازم ووليد بقوة وأوسعهما ضرباً، وانطلقت بعدها ضحكات الجميع لفارق القوة بين بطل المصارعة والشابين!

الانتقام

انتهى الزفاف سريعاً ولم يغضب سمير شقيق العروس، بل على العكس فقد أرسل رسالة واضحة وصريحة وهي أنه الآن أصبح يملك القوة اللازمة لتأديب الآخرين... وقوة صديق طفولته علاء بطل الجمهورية في المصارعة!

ولكن على الجانب الآخر، بدأت فكرة الانتقام من بطل المصارعة تختمر في ذهني كل من وليد وحازم اللذين لحقت بهما إهانة شديدة إزاء المدعوين كلهم. اتخذ الشابان قرارهما بضرورة إهانة بطل المصارعة إزاء أهالي المدينة الصغيرة كي يستعيدا كرامتهما المجروحة، ويرسلا إلى غريمهما سمير رسالة مضادة مفادها أن سلاحك الذي تتباهى به كسرناه وبكل سهولة!

انطلق الشابان وليد وحازم إلى ثلاثة من أصدقائهما وطلبا إليهم مساعدتهما في معركتهما المقبلة مع علاء بطل المصارعة. وافق الأصدقاء، وجلس الجميع، وبدأ التخطيط للمعركة المنتظرة.

في هذه الأثناء، كان علاء يستعيد ما شهدته ليلة زفاف شقيقة صديق طفولته سمير، فشعر المصارع الشاب بتأنيب الضمير لأنه قسى على الشابين وأهانهما من دون أي داع لمجرد استعراض قوته. من ثم، اتخذ قراراً بضرورة التوجه إلى الشابين في محل الحدادة حيث يعملان ليعتذر إليهما عما بدر منه تجاههما في تلك الليلة.

انطلق المصارع الشاب علاء فعلاً إلى الشابين، وقدّم لهما اعتذاره على ما بدر منه تجاههما... ولكنه فوجئ بهما يقابلانه بجفاء ورفضا اعتذاره. بل وراحا يهددانه بأنه سيدفع الثمن غالياً لأنه تجرأ وأهانهما إزاء الجميع!

وعبثاً حاول بطل الجمهورية في المصارعة إصلاح ما أفسده، فقد أصرّ الشابان على استمرار العداء... ولم تسمح كرامة علاء بمزيد من الإهانات وكلمات التهديد التي تلقاها منهما في ذلك اليوم فقال لهما غاضباً:

*أنا عملت اللي عليا. جيت لحد عندكم اعتذر وإنتوا مش راضيين تقبلوا الاعتذار. أعلى ما في خيلكم اركبوه!

غدر

ركب وليد وحازم أعلى خيلهما فعلاً ذات مساء. بينما كان المصارع الشاب علاء عائداً من مقر تدريباته اليومية بعدما أنهى تمارينه العنيفة، فوجئ بثلاثة غرباء يستوقفونه ويسألونه عن الوقت. نظر إلى ساعة يده، وفي غفلة منه قيّده الغرباء بالحبل بسرعة وتمكنوا منه وشلوا حركته تماماً.

وكما يُقال «الكثرة غلبت الشجاعة». نجح الغرباء في السيطرة على صاحب العضلات المفتولة بطل الجمهورية في المصارعة، ثم راحوا يهتفون بأعلى صوتهم ليظهر كل من الشابين وليد وحازم شاهرين سكينتين وراحا يقتربان إلى بطل المصارعة المكبل بالحبال.

كان الشرر يتطاير من عيني الشابين. ما إن وصلا إلى بطل المصارعة حتى ابتسم وليد ابتسامة صفراء وقال له ساخراً:

- مالك يا بطل الجمهورية عامل زي الفرخة كده ليه؟

ضحك أعوانه وسخروا من البطل المكبل. ولكن فجأة سكتت الضحكات وعلت صرخة علاء بعدما انهال عليه كل من وليد وحازم طعناً ولم يتركاه إلا جثة هامدة سابحة في دمائها في عرض الطريق.

أهالي المدينة الصغيرة الذين تجمعوا على صرخات علاء قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة انطلقوا يطاردون الجناة الخمسة في كل شوارع المدينة. ونجحوا في الإمساك بهم واقتيادهم إلى قسم الشرطة وفي حوزتهم أدوات جريمتهم، بينما حاول آخرون إسعاف بطل المصارعة ونقلوه إلى أقرب مستشفى... ولكن بعد فوات الأوان.

وصل خبر مقتل بطل الجمهورية في المصارعة علاء إلى معارفه كلهم وأصدقائه. وسقط صديق عمره سمير مغشياً عليه بعدما شعر بأنه كان السبب الرئيس في وفاة البطل لأنه جرّه إلى عداوة وليد وحازم في الليلة المشؤومة... ليلة عرس شقيقته.

في قفص الاتهام

هكذا بين ليلة وضحاها تحوّلت مدينة كفر الدوار إلى سرداق أحزان كبير، وهي تودِّع ابنها الشاب علاء بطل الجمهورية في المصارعة إلى مثواه الأخير، والمفارقة أنها كانت قبل أيام قليلة تحمله على الأعناق عندما حقق الفوز بالبطولة.

الجناة الخمسة وليد وحازم والغرباء الثلاثة اعترفوا تفصيلياً بجريمتهم إزاء وكيل النائب العام الذي قرّر إحالتهم إلى محكمة جنايات دمنهور. وعقدت المحكمة جلساتها برئاسة المستشار محمد شعيب وعضوية المستشارين أحمد أبو الفتوح وعماد خالد.

في قفص الاتهام... أعاد الجناة الخمسة اعترافاتهم بارتكاب الجريمة، وأكد كل من المتهم الأول وليد والمتهم الثاني حازم أنهما غرسا المطواة في قلب بطل المصارعة علاء انتقاماً منه لإهانتهما إزاء الجميع في الزفاف... ونفى أصدقاؤهما الثلاثة مشاركتهم في قتل المجني عليه واعترفوا بأنهم تولوا فحسب تكبيله بالحبال، خصوصاً أنه كان مفتول العضلات ولا يمكن للثلاثة مواجهته بمفردهم.

وفي نهاية جلسات المحاكمة، وبعد سماع مرافعة النيابة العامة ومرافعة دفاع المتهمين الخمسة، أعلن رئيس هيئة المحكمة الحكم بمعاقبة كل من المتهمين الأول وليد والثاني حازم بالسجن المشدد المؤبد ومعاقبة شركائهما الثلاثة بالسجن المشدد 15 عاماً... ليخرج سمير صديق عمر بطل المصارعة القتيل ودموعه تملأ مقلتيه وتلعن ضعفه وخوفه اللذين تسببا في مقتل بطل الجمهورية في المصارعة في لحظة غدر.

علاء حاول حماية صديقه الضعيف فتلقى 20 طعنة بعد تكبيله

أراد أن يعتلي ذات يوم منصة الشرف ليكتب اسمه في سجلات الشرف بحروف من ذهب

قررا إهانة بطل المصارعة إزاء أهالي المدينة الصغيرة ليستعيدا كرامتهما المجروحة
back to top