سليمان الشطي: القائمون على الرقابة مصابون بالرعب
خلال الحلقة النقاشية «الرقابة والأقلام الكويتية» في جمعية المحامين الكويتية
أجمع المشاركون في الحلقة النقاشية «الرقابة والأقلام الكويتية» على ضرورة عدم تقييد الإبداع بأي سلطة رقابية ربما تقوض هذا النتاج الفكري.
أقامت جمعية المحامين الكويتية حلقة نقاشية بعنوان "الرقابة والأقلام الكويتية"، شارك فيها د. سليمان الشطي، والأمين العام لرابطة الأدباء الكويتيين طلال الرميضي، والكاتب إبراهيم المليفي، والكاتبة هبة حمادة. وأدارت الحلقة النقاشية المحاميتان أطياب الشطي، ودانة النصرالله.في البداية، قال د. سليمان الشطي إن الرقابة موضوع هام وحساس يمس الثقافة والإبداع، وإن الإبداع يحتاج إلى حرية التعبير، وبدون حرية التعبير يسود الظلام الفكري، المجتمع، واستذكر الشطي موقفاً طريفاً أخبره به أحد الزملاء إذ عرض عليه قائمة من الكتب الممنوعة في السنوات الأخيرة وتعجب كيف أن نصف القائمة موجودة في مكتبته، وعلق ساخرا: كيف يسمح بنشرها عام 70 وتمنع عام 2010؟ وتناول الشطي المحاذير التي تضعها الرقابة أمام المبدع مثل: الصالح العام، والعادات والتقاليد، والسلف الصالح. وقال إن من يحدد المحظور هو موظف، وإن القائمين على الرقابة مصابون بالرعب. وتذكّر رواية "شيء من الخوف" أيام عبد الناصر عندما أصيب الرقيب بالرعب من السماح بها وقرر عرضها على عبدالناصر الذي أجازها. وتساءل عن دور رجل الدين في لجان الرقابة، مشيرا إلى أن رجل الدين لا يفهم في السرد، ولن يرحب بشعر أبي نواس، وهذا حقه وفقا لفكره، لكن هذا الحق لا يجعل منه رقيبا على الفكر والإبداع والفلسفة، متطرقاً إلى منع بعض كتبه ومنها كتاب "الشعر في الكويت"، حيث استشهد سليمان الخليفي بآيات من القرآن في شعره، وكذلك روايته الأخيرة: "الورد لك... الشوك لي" التي منعت لسبعة سطور وردت في صفحات متعددة، وليس فيها إشارة لعملية جنسية مباشرة، ولكن تتضمن وصفا، وموقف تعليق من شخص على امراة مرت في الشارع، أما الموقف الثاني فكان لشاب متزوج ينتظر زوجته ليلة الزواج.وأنهى الشطي كلامه بأننا أمام حالة من عدم الدقة لدى الرقابة، وان الأصل يجب أن يكون الفسح وليس المنع، وأن الخوف لا يصنع ثقافة، ولا مدنية، ولا حضارة وعلق بعبارة "اليد المرتجفة لا تكتب سطرا مكتملا".
راصد ومتابع
من جانبه، قال الكاتب إبراهيم المليفي إنه يستذكر أن أول ثلاثة معارض أقيمت في الكويت وكان لا توجد رقابة، وهذا الشيء يمكن أن يلخص كثيراً من الأمور، وأنه من خلال زيارته لكثير من المعارض لدول مجلس التعاون الخليجي وجد ما يثير الدهشة والغرابة، مشيرا أنه في معرض الرياض في بداية 2016 كان رواية الكاتبة بثنية العيسي "خرائط التيه" تباع وبإقبال، وأيضا كتب الروائيين الكويتيين كانت أيضا موجودة. وأضاف المليفي أنه اتجه بعد ذلك إلى البحرين وكان هناك معرض مصغر تباع فيه كل الروايات الكويتية الممنوعة، مبيناً أن الكويت تملك القوة الناعمة وأبدعت فيها وهي الثقافة، فهناك سلاسل وإصدارات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وهذا أمر مشهود وقائم، ومجلة العربي، والمسرح، والدراما الكويتية التي ذاع صيتها في الخليج والوطن العربي. من جانب آخر بين أن الصفحة الثقافية هي أول صفحه يتم التخلي عنها في حال وجود إعلان، لأن المثقفين قدرتهم على التأثير تختلف عن السياسيين، فالمثقف صعب أن يكتب وبنفس الوقت يكون لديه احتكاك بالناس وعلاقات عامة، يجب أن ينعزل حتى يتمكن من الكتابة والإبداع. واستكمل المليفي حديثه بأن ليس لديه شخصيا أي مشكلة مع الرقابة لأنه لا يوجد له كتاب أصدره وعانى الرقابة، لافتا إلى أنه راصد ومتابع، وأي توجه لرفع القيود الرقابية فهو مؤيد له بدون أي تحفظ. وذكر أن المغردين هم الأكثر معاناة راهناً مع الجهات الرقابية، كما استعرض بعض المفارقات التي تقمها الرقابة، إذ تم فسح كتب ثم منعت، مشيراً إلى معاناة الأديبة ليلى العثمان ضمن هذا السياق.مأزق التكرار
وبدورها، قالت الكاتبة هبة حمادة إن موضوع الرقابة ملح ومتعب نفسيا لمعظم الكتاب، خاصة الكتاب الذين وقعوا في مأزق التكرار وأنها منهم شخصيا. وبينت حمادة أنه في هذه السنة حذفت منها ثلاث قصص، لا تعتقد أنها فيها محاذير رقابية حقيقية بقدر ما خضعت لصياغه خاصة بالرقابة، مضيفة: "بدون أن نشعر انتقلت الدراما من كونها مادة تؤثر على المشاهد، وتستهلك مشاعره، وتعتدى على نفسيته وذائقته العامة وعلى طريقته في اللبس والحديث، وفي فتره السبعينيات والثمانينيات كانت الدراما مادة هجوم على المشاهد، مادة لا يتذوقها فحسب، بل يلتهمها التهاما، فكادت تكون المادة الوحيدة لتعاطي الثقافة بصريا، كان التلفزيون عباره عن شاهد على فترة معينة وقادر على تغيير السياق العام".من جانب آخر، أوضحت حمادة أن الدراما الآن أصبحت مادة للاستهلاك، واصبح المشاهد يستهلك المادة الدرامية ويحولها إلى مادة بصرية أخرى، لافتة إلى أن الكاتب منا الآن أصبح بحاجة إلى أن يشاكس المشاهد، وألا يكرر نفسه، لذلك نحن الكتاب نقف أمام مفترق طرق. وتطرقت إلى أن فكرة الرقابة تحولت من حماية الذائقة العامة أو الوعي المجتمعي إلى مادة لإعادة صياغة صورة الشخص الكويتي حتى يقدم في أفضل أشكاله، بمعنى أن مهمة الرقابة هي استعباد كل مادة وأداة سلبية يسقطها الكاتب على المواطن الكويتي. واستطردت حمادة قائلة: "نصف مشكلتنا من الرقابة أنه لا توجد استراتيجية أو أجندة حقيقية تخضع لها الأعمال الدرامية"، متحدثة عن تجربتها الخاصة وعن حلقة بعنوان "أطفال الإشارة الحمراء" الذين يبيعون العطور وغيرها، وأنها كانت مجازفة استغرقت كتابتها أسبوعين، وقدم العمل إلى الرقابة فرفض جملة وتفصيلا، وأسباب الرفض كانت ورقة بأن تلك الظاهرة ليست موجودة في الكويت.وتابعت: "أما في فيلم (هامة) فتم حذف أربع مشاهد منه وبعد التغيير تم عرضه على لجنة رقابية تختلف عن الأولى، فأعطيت لنا ملاحظات أخرى، وهذا يعنى أنه لا يوجد أجندة ثابتة يستند إليها أصحاب الرقابة لإصدار هذه الأحكام على المادة المرئية، ولكنها صياغات شخصية".إصدار ممنوع
قال الأمين العام لرابطة الأدباء الكويتيين طلال الرميضي إن لديه كتاباً ممنوعاً بعنوان "تاريخ الفتوى في الخليج العربي"، وهو عبارة عن مجموعة بحوث، بالمقابل لديه كتاب كان متوقعا أن يمنع ولكنه لم يمنع وحصل على جائزة الدولة التشجيعية، وهو "الكويت والخليج العربي في السالنامة العثمانية". وبين الرميضي أن هناك إشكالية في الرقابة مقارنة بالماضي، متطرقاً إلى أن قبول عضوية في الرابطة لا شأن له بما إذا كان كتابه ممنوعا، وقال: "نحن لا نتبع لجنة الرقابة أو وزارة الإعلام في عملية الفسح أوالمنع في أي عمل يقدم لنا إذا كان عملا أدبيا جميلا وراقيا يخضع إلى تقييم أعضاء مجلس الإدارة، وفي حالة التصويت عليه يحصل على قبول، والدليل على ذلك رواية (الأجل) التي تشارك فيها وليد الشايجي، وعبدالعزيز مال الله، ومشاري العبيد، وحمد مطر، وأيضا تجربة الكاتب عبدالله البصيص (ذكريات ضالة) وحصدت صدى إعلاميا كبيرا". ورأي أن عملية الرقابة في الكويت فيها تفاوت وتأخر عن الماضي، وسبب الإشكالية أن كثيرا من الأعمال تمنع من الكويت، وتجاز في منطقة الخليج العربي وبالتحديد في البحرين والمملكة العربية السعودية. من ناحية أخرى، أكد الرميضي أنه ليس كل كتاب يمنع يكون ذا قيمة، ولكن هناك كتب دون المستوى ومنعت في الكويت فلا تستحق الضجة لأن تجربتها لم تكتمل، مشيراً إلى أن معيار الرقابة يختلف النوعية في الكويت من رقيب إلى رقيب.