الفنان المصري محمد عبلة: التشكيل الكويتي يشهد قفزات نوعية وحقّق نفسه داخلياً وخارجياً

نشر في 12-05-2017
آخر تحديث 12-05-2017 | 00:00
أقام الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة أخيراً معرضاً بعنوان «القاهرة ناس وحكايات» في غاليري بوشهري، وهو يعبِّر عن سعادته بهذا المعرض الذي أتاح له فرصة لقاء فناني الكويت والاطلاع على التجربة التشكيلية والثقافية في البلاد، ويرى أنها شهدت قفزات نوعية مهمة وحققت نفسها داخلياً وخارجياً... حول معرضه الأخير وأعماله وخططه المستقبلية، كان هذا الحوار.
استضاف غاليري «بوشهري» في الكويت معرضك التشكيلي «القاهرة ناس وحكايات». ماذا عنه؟

حقّق هذا المعرض صدى كبيراً، إذ عبَّر عن مراحل فنية مختلفة خضتها بين 2012 و2017 وتدور حول الناس في الشوارع، لا سيما مدينة القاهرة، وتعبِّر مجموعة من اللوحات عن حبي لهذه المدينة ولليلها... فضلاً عن أن المعرض ينقسم إلى ثلاثة أقسام، أولها يرسم بعضاً من ملامح الثورة المصرية بحس تسجيلي، والثاني يفيض بملامح من القاهرة وازدحام شوارعها. أما القسم الثالث فيجسد اتجاهات تمثّل الحضارة القديمة للمصريين القدماء، واستخدمت تقنية الرسم المائي في بعض اللوحات.

كيف رأيت الحركة التشكيلية في الكويت؟

أتابع الحركة التشكيلية الكويتية باستمرار، وحصلت على الجائزة الأولى في بينالي الكويت في مجال التصوير عام 1996. سعدت في هذه الزيارة بالعرض في غاليري بوشهري وبلقاء صديقي الفنان الكويتي الكبير سامي محمد، كذلك زرت منشآت حكومية حيث لاحظت أن الفن أدى دوراً كبيراً فيها، ولمست مدى الحرص على اقتنائها أعمال الفنانين من العالم العربي، وأرى أن هذه الدولة تشهد نهضة تشكيلية على يد أبنائها الذين يعرضون أعمالهم فيها وفي مختلف دول العالم. صحيح أن الكويت تنمو بهدوء ولكن بعقلانية أيضاً.

طريق الحرير

سبق معرضك في الكويت معرض كبير في متحف محمود خليل في مصر بعنوان «على طريق الحرير»، كيف جاءت فكرته؟

تكمن خلف كل مشروع فكرة ربما تقود إلى بحث بصري أو ذهني خالص. بدأت فكرة «طريق الحرير» مع ميلاد حفيدتي ريم، فأقمت لها معرضاً بعنوان «حكايات ريم» العام الماضي، محاولاً من خلال قصاصات الورق رسم حكايات بسيطة تقترب من خيال الظل، مسترجعاً ما وعته ذاكرتي من الطفولة. إلا أنني ومن دون تخطيط مسبق وجدتني متورطاً في عالم الحكايات، فجمعت كثيراً من الكتب والحكايات والأساطير الخرافية، وبدأت بقراءة حكايات الصين والهند وإيران وجورجيا وغيرها من بلاد، فمنذ فترة كبيرة تشغلني فكرة معرفتنا بالكثير عن الفن الغربي من ناحية تاريخه واتجاهاته، في حين أننا نجهل الكثير عن الفن الشرقي سواء الصيني أو الياباني والكوري والفارسي. عندما سافرت إلى الهند للمرة الأولى منذ خمس سنوات، راودتني فكرة إقامة معرض يعبِّر عن هذا الجو الشرقي، فبدأت أقرأ ووجدت أن أهم نقطة في هذا الموضوع ترتكز على طريق الحرير، لأن من خلاله بدأ خط التجارة بين الشرق والغرب، حيث تصدر الصين منتجات إلى الهند، ومن هنا بدأ التواصل وتعلم الناس اللغات. قرأت الكثير وخرجت بحكايات قوامها هذا المعرض، وبأمور لم أكن أتنّبه إليها قديماً، بمعنى أن الاقتصاد يحتاج إلى ثقافة دائماً كي يكون له جانب إنساني، والاثنان معاً يقدمان حالة إنسانية تساهم في نهضة الإنسانية. ومن القراءة في طريق الحرير وجدت أن الكتابة وصناعة الورق والعادات والتقاليد والأديان انتقلت عن هذا الطريق، ومنذ عام وأنا أعمل على هذا المعرض بتركيز كبير.

استحوذت الأسطورة على جانب كبير في المعرض. ما فلسفتك في ذلك؟

نعلم أن الحكايات تولد مع الإنسان، وتنتقل معه من بلد إلى آخر محملة بروح جديدة وإضافات مبتكرة، كذلك أتحدث طوال الوقت عن البشر وأنتقل مع حكاياتهم التي تأخذ أشكالاً مختلفة من دولة إلى أخرى، ورسمت متقمصاً هذه الحكايات.

ألوان وأعمال

تميل غالبية أعمالك إلى الأحجام الكبيرة. هل يُعزى ذلك إلى رغبتك في التعبير بمساحة أكبر؟

فعلاً، أفضل التعامل مع الأحجام الكبيرة، حيث أجد مساحة واسعة للتعبير وأكون بجسدي جزءاً من العمل. أما الأعمال الصغيرة فأكون أكبر متحكم فيها.

تصدرت الألوان القوية المعرض، فضلاً عن اختلاف الخامة في تجربتك الجديدة. هل يعود ذلك إلى شغفك الكبير بالتجريب، أم هو نوع من التحدي الكامن داخل الفنان؟

تعكس هذه الألوان دور الشمس في البيئة الشرقية والتي تحضر في المعرض. الأعمال تعُرض أسفل الإضاءة، من ثم تتجلّى الألوان بأقوى درجة. بلاد الشرق تشرق منها الشمس، وعملت ضد فكرة الغرب التي تقول: إن الشمس تشرق في الشرق ولكنها تعيش في الغرب، إذ أقول إن الفترة القليلة التي تشرق فيها الشمس في الشرق هي أهم فترة.

بالنسبة إلى الخامات، فإنها ترتبط بموضوع المعرض، إذ أعمل على ورق حرير ألوّنه على سطح المياه، ثم أضع على هذا السطح ألواناً معينة وآخذ اللون منها وأنفذه على ورق الحرير وأتركه يجف ثم أقصه بطريقة الموزاييك بلمسات متجاورة، ولهذا الأمر علاقة بالشرق الذي تعشق حضارته الخامات الطبيعية.

اتسمت تجربتك الفنية بالتنوع بين الرسم والتصوير والنحت. لماذا لم ينصبّ اهتمامك على مجال معين؟

أعتبر نفسي غير منتج للأعمال الفنية، بل أنا مفكر في الأساس. أعمل كي أقدِّم أفكاري للناس، وأكثر ما يهمني أن توضع هذه الأفكار في قالب معين. كذلك أعمل تبعاً للأفكار وليس المنتج نفسه، ولا يشغلني الإنتاج بل العمل بقدر من الحرية كي أنتج أشياءً مختلفة. لذلك أشتغل في مجالات مختلفة، ولم أفكر في تقييم إنتاجي، إذ أعتبره إجراءً مؤجلاً إلى أن أخرج أفكاري كافة.

التراث

كيف تقيِّم تجربة الفن المعاصر في مصر في السنوات الأخيرة وأنت أحد رواده؟

في مصر فنانون مميزون، لكن لن يتفوّق الفنان من دون أن يدفعه المجتمع والبيئة. المجتمع في الغرب يدعم فنانيه فيما يبذل الفنانون لدينا مجهوداً مضاعفاً بداية من الرسم وتقييم الإنتاج، وبيع اللوحات، وغيرهما فيقومون بعملية متكاملة من المفترض أن تشاركهم فيها مؤسسات أخرى.

كيف نحافظ على التراث التشكيلي المصري الذي يتعرّض للإهمال؟

للأسف الشديد، معظم الأعمال الفنية المعاصرة يُباع خارج مصر، من ثم لا بدّ من أن تهتم الدولة بإنشاء المتاحف. أنشأت متحفاً للكاريكاتور وبعده بدأ الاهتمام بإطلاق معارض لهذا الفن. عموماً، المتاحف هي المكان الذي نحفظ فيه الأعمال وتنشر من خلاله، وبالتالي لا بد من أن ننشئ متاحف خاصة لكبار فنانينا، وأبرزهم حامد ندا، والجزار، والسجيني، وكمال خليفة.

في سطور

درس محمد عبلة الفن التشكيلي في كلية الفنون الجميلة جامعة الإسكندرية، ثم الغرافيك والنحت لسنة في زيوريخ بسويسرا، كذلك درس الغرافيك في مدرسة الفنون التطبيقية في النمسا. أقام أول معرض تشكيلي في المركز الثقافي الإسباني بالقاهرة، ثم توالت معارضه الخاصة في مصر وغيرها من الدول العربية، كذلك الغربية.

نال جوائز وتكريمات من مختلف دول العالم، وهو ابتكر طريقة عبلة التفاعلية لتدريس الفن التشكيلي، وأنشأ أول متحف للكاريكاتور في العالم العربي، ويقع في محافظة الفيوم.

لوحاتي تحمل أفكاري وإنشاء المتاحف يحافظ على تراثنا التشكيلي

ما زلنا نجهل الكثير عن الفن الصيني والياباني والكوري والفارسي
back to top