الصين تبني أكبر شبكة قطارات سريعة في العالم

• هل يستحق المشروع كلفته الباهظة؟

نشر في 26-01-2017
آخر تحديث 26-01-2017 | 00:00
No Image Caption
قال غو زينان وهو يشير إلى مساحة قاحلة: «إنها حقول واعدة!». لا يكفّ هذا الرجل القوي عن التدخين. أمضى 25 سنة وهو يشرف على فِرَق بناء الطرقات في وسط الصين. لكن حين أنهى منذ ثلاث سنوات ترصيف طريق سريع تمهيداً لإنشاء محطة قطار فائقة السرعة في هذه الزاوية الهادئة من مقاطعة «أنهوي»، قرر أنّ الوقت حان للانتقال إلى صناعة مختلفة.
تبدو تلك الأرض فارغة مع أنها مزوّدة ببنى تحتية من الدرجة الأولى ويتراجع عدد سكانها وشركاتها. لكن يحمل غو نظرة مختلفة إلى الوضع القائم ويتوقع أن تنشأ مدينة حول محطة القطار. لذا اتخذ خطوة استباقية وبنى منزلاً تقليدياً، ويخطّط لتوسيعه كي يصبح مجمّعاً يسع 5 آلاف شخص.
لتقييم حجم طموحات الصين على مستوى بناء محطات قطارات فائقة السرعة، يمكن أن نأخذ أحلام غو ونضاعفها عشرات المرات. «إيكونوميست» تتناول في ما يلي أكبر شبكة من القطارات السريعة في العالم في الصين.
منذ أقل من عشر سنوات، لم تكن الصين تربط بين مدنها عبر القطارات السريعة. لكنها تملك اليوم خطوط سكك حديد فائقة السرعة تصل مسافتها إلى 20 ألف كلم، أي أكثر من بقية بلدان العالم مجتمعةً. يخطّط البلد أيضاً لزيادة 15 ألف كلم بحلول عام 2025. يبدو نمو المدن تزامناً مع تلك المشاريع أمراً مدهشاً بالقدر نفسه. خلال فترات منتظمة (حيثما تنتشر المحطات، حتى لو بدت الأماكن غير قابلة للازدهار)، تنشأ مجموعات من المكاتب الحديثة والمباني السكنية.

يأمل المصمّمون الصينيون أن تصبح تلك الإنشاءات شبيهة ببلدات سكك الحديد التي نشأت في الولايات المتحدة وبريطانيا خلال القرن التاسع عشر. لكن في ظل الفورة في مجال البناء، لا مفر من حصول هدر معيّن. لذا يجب أن نتأكد من تفوّق الأرباح على الخسائر. بعد خمس سنوات على بدء تشغيل أكثر القطارات السريعة اكتظاظاً (بدأ العمل بخط بكين – شنغهاي في عام 2011)، يمكن إطلاق حكم تقريبي: في أكثر مناطق الصين كثافة، كانت محطات القطارات فائقة السرعة إيجابية، فساهمت في إنشاء اقتصاد مترابط بشدة. لكن عند التعمّق بالوضع، تزداد مخاطر الاستثمارات المفرطة.

في المراكز السكانية الثلاثة الكبرى في الصين (المناطق الواقعة في محيط بكين شمالاً، وشنغهاي شرقاً، و«قوانغتشو»، عاصمة محافظة «قوانغدونغ» جنوباً)، بدأ مسار الحياة والعمل يواكب نظام القطارات فائقة السرعة.

كانت القطارات غير شائعة وبطيئة جداً ومكتظة سابقاً، ولم تكن تسمح بالتنقل فيها يومياً. أما اليوم، فعمدت كل واحدة من تلك المدن الكبرى الثلاث إلى تطوير ممرات للركاب. لذا لا عجب في أن تكون أسعار المنازل في البلدات والمدن التابعة لتلك المناطق أقل كلفة بكثير. في «كونشان» مثلاً، المنازل أرخص من شنغهاي المجاورة بنسبة 70 %. لكن يحتاج القطار السريع بين المدينتين إلى 19 دقيقة فقط مقابل 3.60$. تُعتبر «كونشان» واحداً من خيارات كثيرة بالنسبة إلى الأشخاص الذين يريدون التهرب من تكاليف شنغهاي المرتفعة. واليوم يعيش نحو 75 مليون شخص على بُعد ساعة من المدينة، في جوار محطة القطار السريع.

تقييم المنافع

وفق استطلاعات الرأي، يشكّل أكثر من نصف الركاب في أكثر الخطوط اكتظاظاً «حركة مرور مستجدّة»: إنهم الأشخاص الذين يخرجون في رحلات ما كانوا يقومون بها سابقاً. إنه مشروع مفيد للاقتصاد طبعاً، ما يعني أن القطارات تزيد نطاق العمل والمستهلكين حول أكثر المدن الصينية إنتاجية تزامناً مع دفع الاستثمارات والتكنولوجيا نحو أفقر المدن. يشرف رجل الأعمال الأنيق تشو شيانغ شانغ على مبيعات الشقق الواقعة بالقرب من محطات القطارات فائقة السرعة في أجزاء «أنهوي» الأقل ثراءً. تقع تلك الشقق على بُعد نصف ساعة كحد أقصى من مدينة «نانجينغ» المزدهرة التي تشمل 8 ملايين نسمة وتُعتبر عاصمة مقاطعة «جيانغسو». يقول تشو: «بدأت القطارات السريعة تشبه الحافلات».

يصعب تقييم المنافع الاقتصادية بدقة. تركّز التحليلات التقليدية على الأداء المالي لخطوط سكك الحديد فائقة السرعة، فضلاً عن تحليل النتائج غير المباشرة مثل تخفيف ازدحام الطرقات. لكن ستكون القطارات السريعة أكثر من مجرّد وسيلة نقل. تريد الصين أن تبني اقتصاداً على أساس القطارات فائقة السرعة. إنه شكل من التخلي عن نظرية التجمّع السكاني في المدن، أي الفكرة القائلة إن المدينة كلما زاد حجمها، يصبح سكانها أكثر ثراءً وإنتاجية.

تقضي الفكرة بالابتعاد عن المدن الكبرى وتحقيق أثر التجمّع السكاني بمساعدة القطارات السريعة. وتعتبر الصين أن التحكم بشبكة من المدن الواسعة لكن غير الضخمة سيكون أسهل بكثير. عبّر البنك الدولي عن تفاؤله بهذا المشروع. في تقرير نُشر في عام 2014، ذكر أنّ منافع القطارات فائقة السرعة ستكون بالغة الأهمية وتزيد إنتاجية الشركات في المناطق الساحلية الصينية بنسبة 10 %.

لا إجماع حول المشروع

لكن هل يمكن أن تكون القطارات المنتظمة والموثوق بها والسريعة بما يكفي حول المدن الكبرى مفيدة بقدر سكك الحديد فائقة السرعة مقابل سعر ضئيل؟ تعترف «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» المعنيّة بالبلدان الثرية بأن بناء خطوط للقطارات التي تصل سرعتها إلى 350 كلم في الساعة يكلّف أكثر من الخطوط التي تسمح بسرعة 250 كلم في الساعة بنسبة 90 %. لإطالة الخطوط كي تسع أكثر من 100 مليون راكب في السنة وتتنقل لخمس ساعات كحد أقصى، مثل الخط القائم بين بكين وشنغهاي، ربما يكون النوع الأعلى كلفة مبرراً.

لكن لا يمكن تأييد المبدأ نفسه مع الرحلات الحاصلة بين البلدات التابعة لأن القطارات خلالها تبلغ أعلى درجات السرعة لفترة قصيرة. لإطالة مدة الرحلات وخدمة عدد ضئيل من السكان (تناسب هذه المواصفات خطوطاً عدة في غرب الصين وشمالها)، تبقى القطارات فائقة السرعة مكلفة بدرجة مفرطة.

الفاتورة الإجمالية باهظة أصلاً. أصبحت «مؤسسة سكك حديد الصين»، شركة مملوكة للدولة تُشغّل نظام القطارات، مديونة بأكثر من 4 تريليون يوان، أي ما يساوي 6 % من الناتج المحلي الإجمالي. كانت الضغوط واضحة في السنة الماضية، حين أُجبِرت شركة تصنيع المعدات، «مواد سكك حديد الصين»، على إعادة جدولة جزء من ديونها. بدأت ستة خطوط تكسب أرباحاً تشغيلية وكسب أنجح قطار سريع في العالم بين بكين وشنغهاي 6.6 مليارات يوان في السنة الماضية. لكن في المناطق الأقل اكتظاظاً، تواجه تلك الخطوط خسائر كبرى. في هذا السياق، ذكرت مجلة رسمية أن الخط بين «قوانغتشو» ومحافظة «قويتشو» يدين بـ3 مليارات يوان في السنة لتسديد الفائدة المتراكمة، أي أكثر مما يجنيه من مبيعات التذاكر بثلاث مرات.

شبكة بثمانية محاور

ظنّ كثيرون أن الصين ستحدّ من طموحاتها بعد سقوط ليو تشي جيون، وزير سكك الحديد الذي كان يُعتبر يوماً عرّاب نظام القطارات السريعة. لكن يبدو توسيع الشبكة الحاصل اليوم أكثر جرأة مما تصوّر ليو. تملك الصين راهناً شبكة رباعية: أربعة خطوط كبرى بين الشمال والجنوب وبين الشرق والغرب. تقضي خطتها الجديدة ببناء شبكة بثمانية محاور بحلول عام 2035. يتعلق الهدف النهائي بإنشاء مسار فائق السرعة يمتد على مسافة 45 ألف كلم.

لطالما انتقد تشاو جيان من جامعة «بكين جياوتونغ» هذه الفورة في مجال القطارات السريعة، كذلك يعتبر أن 5 آلاف كلم من تلك المسافة فقط ستقع في مناطق تشمل عدداً كافياً من الناس لتبرير الكلفة. ومع بناء كل خط جديد، ستزداد الخسائر المتوقعة بحسب رأيه.

زاد الوضع سوءاً لأن الصين كانت تبني محطات القطارات بعيداً عن مراكز المدن غالباً. يُفترض أن تنمو مدن أكبر حجماً حول المحطات في نهاية المطاف، لكن لن تنتج المواقع القائمة في الضواحي مكاسب اقتصادية بقدر وسط المدن. وفي المدن الأصغر حجماً، تبدو الآفاق قاتمة بدرجة إضافية.

البنك الدولي ذكر أنّ القطارات تزيد إنتاجية الشركات في المناطق الساحلية الصينية بنسبة 10%

مشروع القطارات شكل من التخلي عن الفكرة القائلة إن المدينة كلما زاد حجمها أصبح سكانها أكثر ثراءً وإنتاجية
back to top