مؤيدّ الراوي في «سرد المفرد»... تحت وطأة المكان المفقود والزمان الفارغ

نشر في 30-12-2016
آخر تحديث 30-12-2016 | 00:00
No Image Caption
«أعتقد أنّ مشروع أي شاعر، في جزء مهمّ منه، هو محاولة الخروج من سجن المواطنة الجماعية التي تمّ تدجيننا فيه»... بهذا الكلام اللافت والناضج، على مستوى التجربة الشعرية، يفتح الشاعر مؤيد الراوي باب ديوانه «سرد المفرد»، وكأنه يحاول أن يدعو قارئه إلى الانسحاب من غريزة القطيع والسرب ليبحر معه على إيقاع المفرد.
في «عن الشعر والطفولة» يعلن مؤيد الراوي أن «تعريف الشعر مسألة معقدة»، إلا أنه يغوص على لؤلؤ القصيدة في مياه الطفولة القصيّة، فالشعر عنده يتعارض مع المنطق الذي تستجيب له الدنيا في سيرها نحو ذاتها المادية: «عالمنا كان ولا يزال محكوماً بقوة المنطق الذي يشكل قاعدة متسلطة على حياتنا المعاصرة ويبعدنا عن الشعر».

ويعرّف الراوي المنطق، فيراه كمّاً هائلاً من المعارف التي وصل إليها الإنسان عبر سعيه تحت الشمس بعرق عقله وتجربته، وهذه المعارف ذات سلطة لا يُشقّ لها غبار باعتبارها آمرة وناهية على ممالك رغبات الناس وعواطفهم: «وأقصد بالمنطق تلك المعارف البشرية المنقولة والمتوارثة... لتحكم الناس وتحدد خطوط حياتهم وتوجه رغباتهم وعواطفهم على نحو يتّسم بالنفع».

وتقود إشكاليّة الشعر والمنطق الشاعر ليجعل الشعر معادلاً للحلم الذي لا سلطة منطقية عليه، إنما هو يتحرّر من المنطق محلقاً صوب الطفولة التي تستمر بئراً تغذى الإنسان بمائها حتى الرمق الأخير: «وكما هو الطفل كذلك هو الحلم، لا يخضع الحلم للمنطق، وربما هو انفلات منه وعودة من أسر المنطق إلى الطفولة».

وبناء على ما سبق، يخرج الشعر الشاعر من شرنقة الحياة ويدفع به نحو صومعة التأمل والوحدة حيث يعيد صياغة العالم بلغة مجانية تأتي بما تريد بعيداً من النفعية، فمشروع الشاعر يصنّف: «اللغة خارج وظيفتها النفعية، وعلى أنها ليست نقود الذّهن».

المعري

مع «المعرّي» استهلّ الراوي ألمه الوجودي، وهو ذو العينين المنسحبتين قسراً من موكب الضوء: «بعكّازه طرق المعري بابي/ - أنا المنطفئ المنتظر نهاية اللعبة»... وأسير المحابس الثلاثة يعرف ثقل الظلمة على الكتفين ويعرف كم هي رحم لولادة الشكوك: «أتعَبَتْكَ الرحلة في الظلمة/ وأحاطت بك الشكوك،/ تعال آخذك بيدي/ إلى معرة النعمان فنتجادل». وفي ضيافة المعري سوف يحظى الراوي بهدايا استثنائية تحرّضه على الاستمرار على رغم الدروب المقطوعة والمسير المتعذر: «سأنسج لك من الصبر والقناعة بُردة،/ تتدفأ بها وتنأى عن الشكوى»، ولأن النور استحالة، فلا بدّ من شمس بديلة تطلع من العين وتضيئها قبل أن تضيء الدنيا، وهذه الشمس لا ينبت لها ذهب ولا تجد استدارتها إلا في صدر الكلمة أو على زند الرغبة: «النور شحيح والليالي ليال،/ تنتظر الإضاءة بالكلمات/ أو تحضر أقمارها الرغبات». ويبدو الراوي غير مقتنع بما يهدي المعري، لأنه يريد نوراً آخر، نوراً يثقب السور ويطل على الحقيقة، نوراً لا ينتمي إلى التباس المرايا أو إلى بحر شموس تتبخر بعد حين: «قلت للمعري:/ مهما نتقبل الأمر/ ونجمع من حولنا المرايا،/ أو نخوض في بحر شموس موقّتة،/ نحن ننكر الصورة المضيّعة المعتمة./ لا نفع في البصيرة/ وغير مجدية غلالة العشق الشفيف/ نتستّر بها/ إن لم تضئ لنا ما هو معتم آتٍ/ لننسجها فنقبل التصالح».

في «سرد المفرد 1» يحاول الراوي سرد سيرة ذاتية فائقة الاختصار، فهو ينتمي إلى ذاته، وغير قابل لا للصرف ولا للتصرّف، وحين الشمس تهدي إلى الناس والأشياء ظلالاً يسير بمعيّة ذاته لا بمعيّة ظله، وللنهر عنده زيارتان: الأولى بصفته مرآة طاعنة في الصدق، والثانية بصفته صديقاً من أصدقاء الربيع الذين يضيّفون العطر: « أنا هو أنا. / ممنوع من الصرف. / لا أُمنح ظلاً حينما تشرق الشمس/ والنهر أنزل فيه مرتين/ في الأولى أتمرّى/ وفي الثانية أقطف زنابق بيضاء طافية/ على ضفة النهر».

وفي «سرد المفرد 3» يبدو الراوي خاسراً غابته العذراء ونقاوة البدايات، متنقلاً إلى المدينة، الغابة التي يضيئها الافتراس ونيوب الوحوش قبل الكهرباء، الغابة ذات النوايا الحمراء: «نترك الغابة العذراء فتدخل المدينة،/ تتلمس ركامها، تواجه ضباعها، كلابها،/ حملانها/ وتتحسس نواياها/ مستنسخة، منحوتة كالتعويذة على صخر/ يقرأها الغريب كلما اغتسلتْ خطاياه بالمطر»....

محاصر بالوقت

يحيا الراوي محاصراً بالوقت، يعدّه على أصابع الانتظار الثقيل، على حافة بئر قد لا يكون فيها سوى حجارة بعد ماء قديم. «الوقت إسفنجة، للنوم، للانتظار،/ لتفحص ما رميناه في بئرنا المهجور». وإذا كان الوقت ثميناً فهو لا يبدو كذلك، حين تتعاقب الأيام دون أن تصل أيدي الناس إلى المفاتيح التي تعرف كيف تعالج أبواب الحكمة، وإلى زهرة الروح التي تسكب عطر المعنى في صدور المفردات، التي أمست للناس عملة لا تشتري إلا انتظارها في سوق الدنيا: «في اليوم الألف بعد الألف/ تأملنا كثيراً لنفهم الحكمة/ قرأنا الكلمات إنها فارغة من المعنى. / نُقود هي للناس، فائضة، مكوّمة لا ترنّ، / مثل عزف على آلة تالفة».

وتحت قنطرة «الشيخوخة» يقف الراوي متمسكاً بعكاز الألم بعد تقاعد الدروب واعتزالها الإيصال إلى أعراس متوّجة بأقمار الفرح: «والعظام لا تحملك/ إلى أعراس انطفأت»، ويستقبل ليله المسكون بالأشباح، وهو حامل على كفه الذابلة ذاكرة يملأها الماء غير الصالح للانتساب إلى نشاطات المياه الرائعة في الدنيا: «حينما تسهو أحياناً/ عن ليلك المملوء بالأشباح والحشرات/ تذكّرك الذاكرة أنها ما زالت بركة آسنة/ مررتَ بها ورأيت أسماكها طافيةً تنوح»....

وعندما تلوّح الغبطة بمنديلها للراوي، يحدّق إليها بحذر، فهي لا تعيش طويلاً كالحكمة، ولا تحترف العطاء كالأسخياء القليلين، وبالتالي، فإن البيت الذي تبنيه للإنسان على تلة لا يتسع للسكن أزماناً وقد يكون ليد الوهم تعب على حجارته كثير: «أن تدخل، صدفة، في الغبطة وتتوسل حكمتها، / لا تأمل كثيراً بعطائها، ولا تدعها تبني لك بيتاً/ فوق التلة، في المكان الذي تحب».

على امتداد صفحات «سرد المفرد» يئنّ الشاعر مؤيد الراوي تحت وطأة المكان المفقود، والزمان الفارغ من ذاته، ويؤدي جملة هادئة على عمق وإيحاء، فهي وإن لاذت برمزية كثيفة أحياناً بقيت تجود بالوضوح الكافي للتأثير.

back to top