بروتينات في شَعرك تحدّد هويتك

نشر في 19-09-2016
آخر تحديث 19-09-2016 | 00:03
No Image Caption
تحمل شعرة في مسرح جريمة أو متصلة ببقايا بشرية نبشها علماء الآثار أملاً جديداً كوسيلة للتعرّف إلى مالكها الفريد، والكشف عن أسرار دُفنت بمرور الزمن.
في بحث نُشر أخيراً، أفاد علماء من مختبرات لورنس ليفرمور الوطنية في الولايات المتحدة أنهم يعملون على فحص لشعر الإنسان يستطيع تحديد هوية صاحبه عندما يكون الحمض النووي غير مكتمل، أو متضرراً، أو مفقوداً. وعلى غرار تسلسل الحمض النووي، لا يستطيع الفحص الذي طوروه التوصل إلى هوية الشخص فحسب، بل يحدد أيضاً سلالة أسلافه.

يسدّ اكتشاف الباحثين هذا (نُشر أخيراً في مجلة PLoS One) إحدى حاجات العلماء الجنائيين الملحة: يقدّم بديلاً للحمض النووي يُعتمد عليه في تحديد الهوية.

نذكر هنا أن الحمض النووي سريع العطب ويتعرض غالباً للتفكك بمرور الوقت، وعند التعرض للعوامل الطبيعية. لذلك من الصعب التوصل إلى تسلسل كامل له من عينة بيولوجية قديمة أو عينة دُفنت، أو جُلّدت، أو تُركت تحت أشعة الشمس الحارقة.

صحيح أن الشعر يُقدَّم غالباً كأدلة في الأفلام والروايات البوليسية التقليدية، إلا أن ساق الشعرة لا تحتوي على حمض النواة النووي، الذي يشكّل الخارطة الكيماوية التي ورثها الإنسان من والدَيه. لا شك في أنها تضمّ حمض المتقدرات النووي. ولكن لأن هذا النوع من الحمض ينتقل من جهة الأم فحسب، تبقى قدرته على تحديد الهوية محدودة.

في الماضي، اعتاد المحققون وضع شعرة تحت المجهر ومقارنتها بشعر المتهم مثلاً. ولكن في العلم الجنائي الحديث، ما عاد هذا التطابق، الذي يعتمد على المجهر، مقبولاً كدليل على أن شعرتَين مختلفتَين تعودان إلى شخص واحد.

تتألف كل شعرة من بروتينات تشكّل صدى لحمض الإنسان النووي، فضلاً عن أنها أكثر مقاومة للتلف البيئي، مقارنةً بهذا الحمض، حسبما يؤكد براد هارت، أحد معدي التقرير ومدير مركز العلوم الجنائية في مختبرات ليفرمور.

توصل إلى هذه الفكرة البسيطة إنما المبدعة عام 2013 المشرف على البحث غلندون باركر، الذي كان آنذاك بروفسوراً متخصصاً في علم الكيمياء الحيوية في جامعة يوتاه فالي وأصبح اليوم عالماً في مختبرات ليفرمور: يقدّم الحمض النووي خارطة البروتينات. إذاً، تتجلى تفاصيل شفرة حمض الإنسان النووي (تُدعى النوكليوتيدات المفردة المتعددة الأشكال) من خلال متغيّرات واضحة في البروتينات تُعرف بالأحماض الأمينية المفردة المتعددة الأشكال.

تشكّل هذه الأحماض الأمينية المفردة المتعددة الأشكال مؤشرات بروتينية تستطيع أن ترشد العلماء الجينائيين في المستقبل إلى هوية الشخص حتى في ظل غياب الحمض النووي. صحيح أننا نعثر على هذه البروتينات في شعرة واحدة، إلا أنها تتوافر أيضاً في خلايا البشرة المتساقطة، والعظام، والأسنان.

عينات

في محاولة لاكتشاف السبيل إلى تمييز نوكليوتيدات مفردة معينة في الأحماض الأمينية المفردة المتعددة، جمع باحثون من سبع جامعات عينات شعر من 82 رجلاً وامرأة من إثنيات مختلفة وحللوها.

في عينات الشعر هذه، التي تعود إلى 66 أميركياً-أوروبياً، خمسة أميركيين-أفريقيين، خمسة كينيين، وستة بقايا هياكل عظمية ترجع إلى منتصف القرن الثامن عشر ومنتصف القرن التاسع عشر، نجح العلماء في تحديد 185 مؤشراً بروتينياً يمكن استعمالها معاً للتمييز بين الناس.

يؤكد الباحثون أن عدد مؤشرات البروتينات في شعر كل إنسان، فضلاً عن نمط المؤشرات، فريد. ويشير معدو التقرير إلى أن من الممكن استعمال نحو ألف مؤشر من هذا النوع لتحديد هوية الأشخاص والتمييز بينهم. إلا أنهم يسعون راهناً إلى تقليص هذا العدد إلى مجموعة من 90 إلى 100 مؤشر بروتيني، ما يتيح لهم تحديد هوية شخص معين بين سكان العالم بأسره.

يحتاج العلماء راهناً إلى يومَين ونصف يوم لإعداد العينة، تحديد تسلسلها، وتحليل بروتيناتها. أما كلفة العملية، فستنجح على الأرجح في منافسة الفحوص الجينائية الأخرى، وفق الباحثين.

ديون أنيكس أحد معدي التقرير، يذكر في هذا المجال: «كانت مرحلة الاكتشاف معقدة جداً. ولكن بعد التوصل إلى التقنية الصحيحة، نظنّ أن هذه العملية ستتحوّل إلى إجراء روتيني يُستخدم في المختبرات الجينائية».

يختم: «نؤمن بأن من الضروري أن يقدّم عملنا أدوات جديدة للعلم الجينائي»، الذي انتُقد في السنوات الأخيرة لاعتماده أساليب تفتقر إلى الموضوعية. وفي ظل غياب الحمض النووي، يؤكد الباحث أن تأمل صداه في بروتينات الشعر يشكّل طريقة ذكية لاكتشاف أسراره الضائعة.

تتوافر هذه البروتينات أيضاً في خلايا البشرة المتساقطة والعظام والأسنان
back to top