أشعر بأنني في السادسة عشرة من عمري!
في سن الرشد، يشير النضج إلى المرحلة التي يصبح فيها التهور والأنانية جزءاً من ذكريات الماضي. لكن لماذا يشعر بعض الراشدين في عقلهم بأنهم ما زالوا في السادسة عشرة من عمرهم؟!
لم يعد الراشدون المعاصرون يشبهون ما كانوا عليه! في عمر الخامسة والثلاثين وما فوق، يحب الناس اليوم ألعاب الفيديو والحفلات الصاخبة. منذ ربع قرن، بدأت مظاهر الاستهلاك وصناعة الترفيه تطغى على حياة الناس مقابل تلاشي القيم التقليدية وقد انقلبت أنماط الحياة المألوفة رأساً على عقب. يحمل الجميع اليوم أحلاماً كبرى ويبحثون عن السعادة والبساطة رغم المصاعب اليومية. وفي علاقاتنا الحميمة، ما زلنا نشعر بأننا صغار السن!
خليط من النضج والمراهقة
حين نتحدث عن خليط النضج والمراهقة، نعني به الراشدين الذين يكونون من جميع الأعمار ولكنهم يتصرفون بطريقة طفولية ويعيشون امتداداً لامتناهياً لفترة المراهقة. تشير هذه الفئة من الناس اليوم إلى الشباب الذين يتراوح عمرهم بين 25 و40 عاماً ويسعون إلى كسب الاستقلالية على المستوى النفسي. يواجه جزء من هذه المجموعة مشكلة البطالة بينما ينشغل الجزء الآخر بالمناسبات الاجتماعية أو النشاطات المهنية. وراء التعاطف الذي يستعمله الناس في علاقاتهم مع الآخرين، يبحثون عن الثقة بالنفس ويحتاجون إلى مكافحة الشكوك الوجودية ويسعون إلى إزالة العوائق التي تمنعهم من الالتزام عاطفياً. قد يطلبون أحياناً المساعدة من أهاليهم رغم انزعاجهم من هذا الوضع. يمكن اعتبار هذه الحالة مراهقة مستمرة حيث يرفض الفرد أن يصبح شخصاً راشداً ويعتبر أن هذا السلوك يفسّر الراحة التي يعيشها هذا الجيل إزاء مفهوم الشباب الدائم.
قلة نضج وسلوك طفولي
في مجتمع مبني على الشكوك والسخرية والخوف والعجز وقلة النضج والسلوكيات الطفولية، يميل الشباب إلى التمسك بأنماط الرضا الأولية. فيجدون صعوبة في اكتساب النضج، علماً أن النضج يشير إلى الشخصية التي نجحت في تحديد وظائف الحياة النفسية الأساسية وتستطيع التمييز بين حياتها الداخلية والعالم الخارجي. لا يستطيع عدد كبير من الشبان الذين يعيشون حالة نفسية من التماهي التمييز بين العالمَين. تتضخم هذه الظاهرة وتتفاقم بفعل علم النفس التأملي كونه يُرسّخ آثار العالم الافتراضي الذي تُطوره ألعاب الفيديو وشبكة الإنترنت.ماذا لو استمرت الحالة بعد عمر الأربعين؟
يكثر الأشخاص الذين يعجزون عن العيش بطريقة مستقلة عن أهاليهم رغم تجاوزهم عمر الثلاثين وقد بدأت هذه الظاهرة تتضخم بسبب الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي ضربت العالم. لا يكون هذا السلوك متعمداً في بعض الحالات، بل يضطر الأشخاص إلى الاتكال على أهاليهم بسبب البطالة. لكن أنشأ المجتمع الاستهلاكي المعاصر راشدين يتصرفون مثل المراهقين أيضاً.تتفاقم المشكلة حين يضعف مستوى النضج لدى الرجال والنساء بعد عمر الأربعين. لا تتعلق المسألة الأساسية بتعدد العلاقات وغياب الارتباط الجدي أو كثرة السهرات أو ألعاب الفيديو، بل تتّضح قلة النضج أيضاً عبر صعوبة تحمّل المسؤوليات وتربية الأولاد وإعالة العائلة. تزداد أعداد الأهالي الذين يفتقرون إلى النضج الحقيقي ويشكّلون مصدر خطر على عائلتهم لأنهم يتصرفون بتهور أكثر من أولادهم بدل أن يكونوا قدوة صالحة لهم.قد يكون التهور أجمل ميل في علاقات الحب، لكن يجب التحرك سريعاً لإعادة الوضع إلى نصابه إذا بدأ ذلك الميل يفسد حياتنا ويمنعنا من التصرف كراشدين مسؤولين في حياتنا العائلية والمهنية والاجتماعية. لا تتردد في معالجة الوضع لأن التغيير ممكن دوماً!