هل يُضعِف استنزاف جينة «هرمون الحب» ميولنا الاجتماعية؟

نشر في 31-07-2016
آخر تحديث 31-07-2016 | 00:04
No Image Caption
بغض النظر عن انغلاقنا أو انفتاحنا، وطريقة تجاوبنا مع الحداثة والمصاعب، وميلنا إلى العدائية أو التساهل، نعرف في داخلنا أن شخصيّتنا وطباعنا تكون نتيجة تفاعل معقد بين الطبيعة والتربية.
في بداية حياتنا نحمل على الأرجح بعض الميول الاجتماعية العامة التي تُرسّخها الجينات التي نرثها من أهالينا. لكن تحتلّ الخبرة أهمية معيّنة في هذا المجال طبعاً. هل نشأتَ وأنت تشعر بالحب أم الإهمال؟ هل كان المحيطون بك والمقربون منك يشجّعونك على استكشاف العالم بكل ثقة أم يبالغون في حمايتك؟ ماذا حدث حين تعثّرتَ؟ نشتبه بأن الأجوبة على هذه الأسئلة تؤدي دوراً في صقل الذات الاجتماعية التي نصبح عليها بناءً على المواد الخام التي تقدّمها الطبيعة.

حبذا لو نفهم الآلية المستعملة لإطلاق التفاعل بين الطبيعة والتربية وإنتاج الكائنات الاجتماعية التي نصبح عليها. قد نبدأ حينها بتقدير اختلافاتنا الفردية بطريقة جديدة. وقد نكتشف طريقة لمنع تطوير مشاعر اليأس والقلق والكره. في سن الرشد، قد نقوم بخيارات معيّنة (على مستوى الحمية الغذائية والرياضة والأصدقاء وأوقات الفراغ) لتحسين مسار تطور الذات الاجتماعية.

نُشرت دراسة جديدة على موقع «بناس» وقد اتّخذت أول خطوة صغيرة على ذلك الطريق الطويل والشائك. تستكشف الدراسة كيف يتفاعل «علم التخلّق» (تعليمات متغيّرة باستمرار من شأنها أن تُعطّل الجينات وتُشغّلها) مع جينة أساسية للتأثير على سلوكنا الاجتماعي.

تُمهّد تلك الجينة لإنتاج هرمون الأوكسيتوسين الذي يرتبط بالثقة والتفاعل الاجتماعي وسلوكيات الرعاية. أما الآلية التخلّقية التي خضعت للدراسة فتُسمى «المثيلة» (إضافة الميثيل)، أداة كيماوية قد تنجم عن الاستنزاف البيئي.

يستعمل جينوم التخلّق مثيلة الحمض النووي لتعطيل بعض الجينات. إنها آلية تخلّقية عادية وشائعة لكنها لا تتحرك دوماً بدوافع داخلية ولا تكون حميدة في جميع الظروف. تشير الأبحاث إلى أن العوامل البيئية، مثل السموم والضغط النفسي وسوء التغذية والمصاعب الاجتماعية، قد تطلق مثيلة الجينات وتُعطّلها.

بالنسبة إلى 121 مشاركاً في الدراسة، اكتشف البحث الجديد أن مستوى المثيلة المُسجّل في جينة الأوكسيتوسين يشير بكل وضوح إلى راحة الشخص في تشكيل روابط اجتماعية وقدرته على تحديد الحالات العاطفية لدى الآخرين. ارتبط مستوى مثيلة جينة الأوكسيتوسين أيضاً بقوة النشاط المُسجّل في مناطق دماغية أساسية بالنسبة إلى العمل الاجتماعي. في ما يخص البنية الدماغية التي تؤدي دوراً أساسياً في قدرتنا على قراءة نوايا الآخرين (أي التلفيف المغزلي الأيمن)، ارتبط مستوى مثيلة جينة الأوكسيتوسين أيضاً بالحجم.

جمع باحثون من جامعات «جورجيا» و«إيموري» و«ستانفورد» جينة الأوكسيتوسين من لعاب المشاركين واكتشفوا تراجع مستوى التفاعلات الاجتماعية العادية لدى الأشخاص الذين حملوا نسخة أكثر مُمَيْثلة، وقد تراجعت أيضاً مستويات النشاط وحجمه في المناطق الدماغية المرتبطة بالتفاعل الاجتماعي. اكتشفوا لدى الأشخاص الذين سجّلوا مستويات متدنية من مثيلة جينات الأوكسيتوسين «أنماط تَعَلّق» أكثر أماناً ومهارات أفضل في قراءة عقول الآخرين وبنى دماغية تبدو مصمَّمة لخوض تفاعل اجتماعي إيجابي.

يُسمّى هرمون الأوكسيتوسين الذي تنتجه منطقة المهاد الدماغية «هرمون الحب» أحياناً. أثبتت الأبحاث أن مستواه يرتفع حين ترضع الأم طفلها وحين كان الرجال في المجتمعات البدائية يعودون إلى منازلهم من الصيد وحين يحدّق البشر في عيون كلابهم الحنونة. ربط البحث أيضاً بين التوحد والعجز الاجتماعي الذي يرافقه من جهة وتغيرات محددة في الجينة التي تُشَفّر مستقبِل الأوكسيتوسين من جهة أخرى. ويقدّم الأوكسيتوسين المُستنشَق مساعدة واعدة لتدريب المهارات الاجتماعية لدى المصابين بالتوحد.

حوافز اجتماعية

إلى جانب الدراسات الحديثة التي ربطت بين التغيرات في جينة الأوكسيتوسين ومجموعة من السلوكيات الاجتماعية، قالت أستاذة علم النفس سارينا ساتورن من جامعة «بورتلاند»: «يستحق هذا المجال المثير للاهتمام تكثيف الأبحاث ويشكّل نطاقاً جديداً في علم النفس الاجتماعي».

أضافت ساتورن: «تحدّد جيناتنا الموروثة جزءاً كبيراً من خصائص شخصياتنا. لكن يوحي هذا المجال البحثي بأن حمضنا النووي قد يتعلّم من التجارب العاطفية والاجتماعية القوية ويؤثر على طريقة تجاوب دماغنا وجسمنا مع الحوافز الاجتماعية».

لا يزال البحث الجديد بعيداً عن تقديم نتائج جازمة. اعترف أستاذ علم النفس براين هاس الذي قاد فريق الدراسة في جامعة «جورجيا» بأن الباحثين لم يقيسوا مستويات الأوكسيتوسين لدى المشاركين في الدراسة، بل ركزوا على مستوى مثيلة جينات الأوكسيتوسين الموجودة في لعابهم. غالباً ما يرتبط ارتفاع مستوى مثيلة الحمض النووي بتراجع التعبير عن الجينات: في ما يخص جينة إنتاج الأوكسيتوسين، يُفترض أن ينجم ارتفاع مستوى المثيلة عن تراجع الأوكسيتوسين في دماغ المشاركين ومجرى دمهم.

قال هاس إنها قفزة مهمة كي نفترض أن الأشخاص الذين يحملون جينات الأوكسيتوسين المُمَيْثلة يسجلون مستويات أدنى من الأوكسيتوسين لكن لا تثبت التجارب هذه النتيجة بعد.

أوضح الاختصاصي بعلم الوراثة، ستيفن ماكارول، الذي يدرس الجانب الوراثي للأمراض النفسية في جامعة «هارفاد» ولم يشارك في البحث الجديد، أن شيئاً لا يؤكد على أن مثيلة جينات الأوكسيتوسين في اللعاب تعكس مثيلة الجينات نفسها في الدماغ بما أن التغيرات التخلّقية تعطي أثراً مختلفاً على الجينات في أنحاء الجسم.

أوضح ماكارول: «تكثر الأدلة المهمّة على تقلّب مستويات الأوكسيتوسين رداً على تلك التجربة. لكن لم نتأكد بعد من ارتباط هذه الظاهرة بعملية المثيلة ولا نريد أن نوافق على ذلك الرابط أو ننفيه سريعاً. في الحد الأدنى، يجب أن نقيس هذه العملية في الخلايا التي تُصَنّع الأوكسيتوسين وتحدد طبيعة المزاج والأفعال».

يُسمّى هرمون الأوكسيتوسين الذي تنتجه منطقة المهاد الدماغية «هرمون الحب» أحياناً
back to top