تقرير اقتصادي : عجز في الميزانية... و«عجوزات» في الإدارة والمعالجة

نشر في 09-07-2015 | 00:05
آخر تحديث 09-07-2015 | 00:05
No Image Caption
5 وزراء مالية منذ 12 عاماً حذروا منه... بلا قدرة على تغيير السياسات الاقتصادية
لا يتوقف العجز عند مجرد عدم قدرة الإدارة على تنويع الاقتصاد وتحقيق إيرادات غير نفطية، بل يتعداه إلى طريقة معالجة العجز المالي الذي تراه الحكومة يمر عبر أداتين هما: الاستدانة من البنوك التجارية عبر إصدار السندات، أو اللجوء إلى الاقتطاع من الاحتياطي العام.

لم يكن الإعلان عن تسجيل أول عجز في ميزانية الكويت منذ نحو 16 عاماً مفاجئاً أبداً، فهو نتيجة طبيعية لسياسات اقتصادية ومالية غير حصيفة، بل هو تحقيق لتوقعات 5 وزراء مالية، على الأقل، إلى جانب العديد من الدراسات والتقارير الحكومية والخاصة المحلية والدولية، الذين حذروا جميعاً، خلال فترة لا تقل عن 12 سنة، من حتمية حدوث العجز في الميزانية وفقاً لآلية الإيرادات والمصروفات الحالية، لكن دون قدرة على إحداث قرار أو تغيير حقيقي في السياسات الاقتصادية للدولة.

العجز ليس مجرد رقم حسابي نتج عن انخفاض أسعار النفط ليسجل نمواً في المصروفات على حساب الإيرادات بـ2.314 مليار دينار، بل هو عجز في قدرة الدولة وإدارتها في كثير من الملفات، منها على سبيل المثال خلق إيرادات غير نفطية تعوض ما يمكن أن نفقده كلما تدهورت أسعار النفط، فحسب آخر ميزانية سجلت فائضاً مالياً (2013 -2014) نجد أن العائدات النفطية شكلت 96 في المئة من إجمالي إيرادات الدولة، وفي حال استبعاد الإيرادات النفطية فسيصل العجز إلى نحو 16 مليار دينار.

ترشيد الدعم

العجز الحقيقي يكون في تراجع أسعار النفط بمقدار النصف منذ عام لدولة لا تعرف غير النفط مصدراً في إنفاقها الباهظ، ولا تتخذ إجراءات مباشرة لإعادة ترشيد المصروفات، لا سيما الدعم (الكهرباء - الوقود)، كي يصل إلى مستحقيه الحقيقيين من الأفراد لا الشركات أو المجمعات التجارية أو المصانع، في بلد لا يدفع القطاعُ الخاص فيه ضريبةً ولا يساهم بشكل فاعل في تشغيل العمالة الوطنية.

فضلاً عن عجز أكبر في القدرة على تنويع الاقتصاد وفتح قنوات الاستثمار وما يترتب عليهما من جباية الضريبة على الشركات، ولكي لا يكون الحديث مملاً عن بيئة الاستثمار المنهكة في الكويت يكفي أن نعلم أن صدور اللائحة التنفيذية لقانون الخصخصة احتاج إلى 1694 يوماً أي ما يعادل 4.6 سنوات!

ضعف المشاريع

وتمثل عجز الإدارة، سنوات طويلة، في ضعف قدرة المشاريع على تحقيق نمو في العائدات غير النفطية للميزانية من إجمالي الإيرادات، وكذلك في قلة توفير هذه المشاريع لفرص عمل حقيقية خارج إطار القطاع الحكومي.

ورغم أن الحكومة هي التي طرحت وسوقت لقانوني PPP وB.O.T باعتبارهما من الحلول التي تساعد على تنشيط الاقتصاد وتنويعه ولتحقيق إيرادات للدولة وتوفير فرص عمل للشباب، فإنها عجزت عن أن تقدم نموذجاً ناجحاً لهذا النوع من القوانين، فالسوابق تشير إلى أن معظمها، وخصوصاً B.O.T، كانت لمجمعات ومولات وأسواق، في حين أن هذا النوع من المشاريع يتيح فرصاً لإنشاء المطارات والموانئ ومحطات المترو، وحتى المدن السكنية والتجارية، فالكويت، وإن كانت دولة غنية من حيث الإيرادات، إلا أن اقتصادها فقير جداً من حيث التنوع، ومركز بدرجة عالية المخاطر على مصدر وحيد للدخل.

الاستدانة أو الاقتطاع

لا يتوقف العجز في الكويت عند مجرد عدم قدرة الإدارة على تنويع الاقتصاد وتحقيق إيرادات غير نفطية، بل يتعداه إلى طريقة معالجة العجز المالي الذي تراه الحكومة يمر عبر أداتين هما: الاستدانة من البنوك التجارية عبر إصدار السندات، أو اللجوء إلى الاقتطاع من الاحتياطي العام للدولة، وهما خياران كلاهما مر، في حين كان يجب منذ البداية أن تعيد الدولة النظر في إيراداتها غير النفطية، كأسعار الإيجارات على أملاك الدولة، أو إلغاء الدعم أو تخفيضه عن الشركات والمصانع وغيرها، ثم تتجه إلى الضريبة على الشركات والسلع الفخمة والفارهة.

ويجب أن تكون الضريبة مفيدة لتمويل الميزانية لا كما تتحدث الحكومة أنها تريد التأكد من جدوها، فهذا أمر لا يحدث إلا في الكويت... فالأصل في أي اقتصاد سليم هو أن تكون الضريبة أساساً لتمويل الإيرادات.

فلا بأس لو كانت الاستدانة من البنوك أو الاقتطاع من الاحتياطي العام يتمان بعد معالجة إيرادات الميزانية العامة، أما قبلها واعتبار ذلك هو الحل فهذا ينم عن عدم رغبة حكومية في تقديم حلول اقتصادية لأزمة أحادية الإيرادات في الميزانية.

ملفات أصغر

المشكلة أن الإدارة التي تدير معالجة أزمة العجز، المتوقع تناميها، هي التي تسببت في حدوثها، وهي التي تستخدم نفس الخطاب ونفس آليات المعالجة منذ عجوزات نهاية الثمانينيات والتسعينيات إلى اليوم، وهي التي تتعثر في حل ملفات أصغر بكثير من عجز الميزانية، كـ"الخطوط الكويتية" أو "الدعم لغير مستحقيه"، أو أزمة القطاع النفطي، وهي أيضاً التي تشكو عبء الهيئات الحكومية على الإدارة والميزانية ثم تأتي لتؤسس المزيد منها!

دخول مرحلة العجز يعني نمو البطالة وبطء أو عدم تنفيذ المشاريع الإسكانية والإنشائية وغيرهما، إذ إنه كلما انخفضت أسعار النفط زاد العبء على الميزانية، وباتت خيارات الإصلاح المالي أكثر صعوبة.

 وهنا يجب أن نعرف أن الميزانية تضاعف حجمها بـ6.8 مرات، ما بين عامي 2000 و2015، وبالتالي فإن أي تدهور إضافي لأسعار النفط، في ظل مصاعب العالم الاقتصادية بسبب أزمة اليونان مثلاً وتأثيراتها السلبية على سياسات التقشف ثم على الطلب، قد يؤدي إلى المزيد من العجز المالي في ميزانية العام الحالي.

العجز المالي بحد ذاته ليس مصيبة إن واكبته إدارة قادرة على التعامل معه بشكل فني، وهنا يكمن الخوف في أننا نتعامل مع إدارة "ابتلشت" بالفوائض المالية، ولم تستخدمها في تطوير الاقتصاد، فكيف يمكن لها أن تتعامل مع الملف الأصعب، وهو العجز المالي في ظل سوق نفط مضطرب وإيرادات غير نفطية شحيحة هي الأقل عالمياً؟

back to top