«القضاء»: نقد أعمال الحكومة وإن اشترك فيها الأمير حق مكفول للأفراد
«الحديث عن الإمارة وظروف الشعب المتغيرة دون سوء نية من الأمور المباحة»
في حكم بارز لها، قضت محكمة التمييز ببراءة د. عبدالله النفيسي من تهم الاساءة إلى سمو الامير وإذاعة اخبار كاذبة على خلفية ندوة القاها، مبينة أن نقد اعمال الحكومة حق مقرر للأفراد، وأن اشتراك سمو الامير في تلك الاعمال بأي وجه من الوجوه ليس من شأنه ان يؤثر في حرية النقد المقررة التي كلفها الدستور وفق المادتين 36 و37 منه.وقالت المحكمة ان حرية النقد مكفولة على الدوام، «ولكن على الا يزج باسم الامير»، كما أن نقد اعمال الحكومة لا يتجه ولا يمكن ان يتجه الا الى المسؤولين عنها بحكم الدستور، مضيفة أن الحديث عن كيان الإمارة ونظامها القائم والنقد في اعمال الحكومة وظروف الشعب المتغيرة حسب الظروف والملابسات وابداء الرأي في هذه الامور من دون سوء نية جميعها من الامور المباحة، خاصة اذا صدرت من اهل الرأي والاختصاص.
وأكدت التمييز، في حيثيات حكمها البارز، ان «نص المادة 25 من القانون رقم 31 لسنة 1970 بتعديل بعض احكام قانون الجزاء رقم 16 لسنة 1960 يدل على انه «يلزم لقيام الجريمة، ومن ثم استحقاق العقاب فيها، ان يكون العيب في حق الذات الاميرية بكل قول او فعل او كتابة او رسم او غيره من طرق التمثيل يكون فيه مساس تصريحا او تلميحا من قريب او بعيد، مباشرة او غير مباشر، بتلك الذات المصونة التي هي بحكم رمز للدولة»، موضحة ان «القصد الجنائي يتحقق بمجرد الجهر بالالفاظ المكونة للعيب مع ادراك معناها، وإنه يكفي لتوافر العلانية في هذه الجريمة ان يكون المتهم فيها عبّر بعبارات العيب في مكان مفتوح للجمهور وعلى مسمع ممن كانوا موجوين فيه، وغني عن البيان أن تقدير ما اذا كانت الافعال او الاقوال من شأنها المساس بذات الامير، وحقوقه وسلطاته انما هو متروك للقضاء ليقدره حسب كل واقعة مطروح امرها عليه».لا تطاولوقالت المحكمة إن «الركن المادي للجريمة محل التهمة الأولى غير متوفر في حق المتهم الأول، فالمتهم لم يبد في حديثه ما يعد تطاولا على شيء من ذلك، وقد حرص المتهم - على كل حال- على ان يخص حديثه عن حكام العرب، ويقرنه بذلك في سياقه ان الامر في الكويت مختلف وافضل، بدلالة أن المتهم ضرب الأمثال الواقعية لما يحدث بمصر وتونس وليبيا واليمن، هذا من جهة، ومن جهة اخرى فان قول المتهم ان القرار السياسي محتكر والذي يحتكره افراد قلائل يعدون على اصابع اليد الواحدة، فليس في هذا القول تطاول على حقوق الامير وسلطته، لان المتهم الاول لم يصل البتة الى حد توجيه اللوم الى الامير بصدد العمل الذي استوجب النقد او حتى الى مجرد القاء مسؤوليته عليه». وأضافت أن «نقد اعمال الحكومة حق مقرر، وان اشتراك الامير في حقيقة الواقع على اي وجه من الوجوه في اعمال الحكومة ليس من شأنه ان يؤثر في حرية النقد المقررة، بل هذه الحرية مكفولة على الدوام، ولكن على الا يزج باسم الامير، فإن نقد اعمال الحكومة لا يتجه ولا يمكن ان يتجه إلا الى المسؤولين عنها بحكم الدستور، بما تستخلص منه المحكمة ان المتهم الاول لم تنصرف نيته الى اي معنى مما جاء بالاتهام الاول، ومن ثم فان التهمة الاولى تضحي بدورها لا سند لها من الواقع او القانون، الامر الذي يتعين معه براءة المتهم الاول منها».إذاعة أخبار كاذبةوعن التهمة الثانية بإذاعة اخبار كاذبة، قالت المحكمة انه «لم يثبت لديها مطلقا أن المتهم الاول قد اذاع اخبارا او بيانات او اشاعات كاذبة او مغرضة، ولم يصدر منه قول ينطوي على خطر معين او خبر كاذب يخالف كليا او جزئيا، او مختلقا او محرفا او اعطى معاني في محاضرته خفية يدركها الغير، على الرغم من عدم التصريح بها، فالتحدث عن كيان الامارة ونظامها القائم والنقد في اعمال الحكومة وظروف الشعب المتغيرة حسب الظروف والملابسات وابداء الرأي في هذه الامور من دون سوء نية، جميعها من الامور المباحة، خاصة اذا صدرت من اهل الرأي والاختصاص».وبينت أنها «ترى ان ما ابداه المتهم حول هذه الامور في اطار الظروف المحيطة والظروف المقصودة هنا في القضية الماثلة يتمثل في واقع المجتمع الكويتي الذي ترصد المحكمة ملامحه، واهم هذه الملامح تلك الحرية التي تلف المجتمع ويتمتع بها الموجودون بالكويت، وهذه الجريمة هي اسلوب حياة ومنهج تأصل في نفوس الناس عبر دروب من الممارسات والتجاوب، فكان الحرص ان يمسك دستور البلاد بهذه الحرية لينص عليها ليؤكد على حق الجميع ان ينهلوا من هذه الحرية».وأشارت إلى أنه «اذا كان المتهم الاول قد راح في حديثه يقيم الاوضاع في الكويت ويبدي رايه في امور ارتأت النيابة العامة انها تنطوي على اذاعة اخبار كاذبة وبيانات ملفقة ومغرضة تتعلق بالاوضاع الداخلية للبلاد بما من شأنه اضعاف هيبة الدولة واعتبارها والاساءة الى سمعتها والاضرار بمصالحها القومية، فإن المحكمة لا تساير النيابة العامة في توجهها هذا، ذلك أن ما قاله المتهم وتم بثه عبر إحدى القنوات الفضائية إنما جاء بناء على أنه أستاذ أكاديمي متخصص في علم السياسة، وأنه حر يعيش في مجتمع حر، لذا من غير المتصور ان يتسبب ما قاله المتهم في اضعاف هيبة الدولة في الخارج او الإضرار بسمعتها او بمصالحها القومية، إذ ان قوله بحسب المساق الذي ورد به لا يعدو ان يكون وصفا استنتاجيا منه يحتمل الصواب او غير ذلك، فجملة ما تحدث عنه المتهم عن الكويت لا يلتئم مع فكرة اضعاف الدولة، ومن ثم تكون هذه التهمة ايضا لا سند لها من الواقع او القانون».