ألمانيا الغربية ودورها السري في إنهاء أزمة الرهائن الإيرانيين
أعلن الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر عام 1981 أن العالم لن يعرف مطلقاً دور ألمانيا الغربية في مفاوضات تحرير 52 رهينة من السفارة الأميركية في طهران. لكن بحثاً جديداً يلقي الضوء على الدور المهم الذي اضطلع به هذا البلد في إنهاء الأزمة. التفاصيل من {شبيغل}.
سافر الرئيس جيمي كارتر قبل يوم من انتهاء عهده الرئاسي إلى فرانكفورت للترحيب باثنين وخمسين دبلوماسياً احتجزهم طلاب متطرفون رهائن طوال أكثر من سنة في السفارة الأميركية في طهران. كانوا آنذاك يتلقون الرعاية في مستشفى تابع لسلاح الجو الأميركي في فيسبادن قرب فرانكفورت، وأراد كارتر التعبير عن تعاطفه.في الحادي والعشرين من يناير عام 1981، أدلى الرئيس السابق بعبارات ودية إنما غامضة عن مضيفيه الألمان. كان هلموت شميدت من الحزب الديمقراطي الاشتراكي اليساري الوسطي وهانز ديتريش غينشر من الحزب الديمقراطي الحر يقودان آنذاك ألمانيا الغربية في العاصمة السابقة بون. ذكر كارتر أن الألمان {ساعدونا بطريقة لا يمكنني قط كشفها علانية للعالم}.
بدأ السباق لتشاطر الفضل بعد لحظات فقط من ذكر هذه الكلمات عن دور ألمانيا الغامض. فقد سمح المستشار شميدت للصحيفة اليومية Süddeutsche Zeitung بالإشادة به، كاتبةً أن {بون أدت على ما يبدو دوراً حاسماً}. على نحو مماثل، أثنت صحيفة Bild على وزير الخارجية غينشر، مدعية أن {المفاوضات بشأن إطلاق سراح الرهائن جرت ليلاً في منزل غينشر}. ونال المفاوض في شؤون الشرق الأوسط هانز-يورغن فيشنوفسكي حصته من المديح في صحيفة Die Welt.لا يزال احتلال السفارة الأميركية وأزمة الرهائن التي دامت 444 يوماً أحد أبرز الحوادث في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. فقد مثلت مواجهة العالم الغربي الأولى مع حركة آية الله الخميني الشيعية المتطرفة، التي كانت تنتهك أحكام القانون الدولي. كان بالإمكان رؤية مجموعة من الرعاع يحرقون الأعلام الأميركية داخل حرم السفارة، وبدت الولايات المتحدة وإيران لبعض الوقت على وشك خوض حرب. ولكن في النهاية، ادعى الجميع أنهم ساهموا في التوصل إلى حل سلمي.لكن تفاصيل المساهمة الألمانية ظلت مبهمة. لذلك، أجرى أخيراً المؤرخ فرانك بوش، مدير مركز التاريخ المعاصر في بوتسدام، و{شبيغل» بحثاً في الأرشيف الألماني وتحدثا مع شهود من تلك الحقبة. كشف البحث أن حكومة ألمانيا الغربية أدت آنذاك «دور وسيط فاعل ومرن»، على حد تعبير بوش. واتضح أن إحدى الشخصيات الأساسية لا تتمتع بشهرة واسعة: غيرهارد ريتزل، السفير الألماني لدى طهران.وصف الشهود من تلك الحقبة ذلك الرجل القصير القامة، الممتلئ الجسم من منطقة أودنوالد في وسط ألمانيا، الذي توفي عام 2000، بالدبلوماسي البالغ الذكاء، فضلاً عن أن مسيرته حافلة بالقصص المضحكة. على سبيل المثال، ادعى، حين كان دبلوماسياً شاباً في خمسينيات القرن الماضي، التعثر في حفل استقبال في بمباي (اليوم ممباي) كي يقع فوق طاولة طعام مغطاة بحبوب أرز ملونة على شكل الصليب المعقوف. في الهند، يشكل هذا الصليب رمز الحظ الجيد. وقد قدّمه المضيفون في غفلة منهم على شرف الضيوف الألمان. وقبل اجتماع مع دبلوماسيين سوفيات، تناول ريتزل السردين وشرب مع زملائه حتى الثمالة، فيما ظل هو يقظاً.الاتصال مع المعارضةعندما استلم ريتزل منصبه في طهران عام 1977، كان الشاه، الذي تمتع بعلاقات جيدة مع بون، لا يزال في السلطة. كانت إيران آنذاك أكبر مصدر للنفط بالنسبة إلى ألمانيا، وقد ضغط في المقابل على شميدت وغيشنر للحصول على صادرة مخطط لها من الغواصات، ومحطات الطاقة النووية.كان ريتزل يعمل آنذاك على الاتصال بالمعارضة الإيرانية المتشددة. فعقد معهم لقاءات مليئة بالمغامرات أخبر بها الجميع بعد ذلك. قبل اللقاء، كانت سيارة تقله من أمام فندق، وكان السائق ينزله في مكان ما في طهران، واضعاً ورقة صغيرة في يده. كُتب عليها: {انتظر هنا. ستاتي شاحنة زرقاء صغيرة لاصطحابك}. وكان عليه بعد ذلك أن يبدّل السيارة مجدداً ويجتاز عدداً من الباحات ليصعد أخيراً إلى طابق علوي ثقب جداره بقذيفة هاون. هناك كان يلتقي محاوريه، مجموعة سيطرت بعيد ذلك على السلطة في إيران.في شهر يناير عام 1979، غادر الشاه إيران، بعدما تظاهر الملايين ضده. بعد ذلك ببضعة أسابيع، عاد الخميني من منفاه الباريسي وأعلن بداية الجمهورية الإسلامية.نجح ريتزل في التأقلم بسرعة مع هذا التبدل في النظام. خشي الغرب أن تنزلق إيران نحو محور النفوذ السوفياتي. بدا الخميني أهون الشرين، فضلاً عن أن مستقبل النظام الجديد بدا قصيراً. فقد توقع المستشار سميدت في مارس عام 1979: {لا يستطيع آيات الله حكم البلد على الأمد الطويل}. لذلك أكد للخميني أن إيران ستبقى {شريكاً تجارياً خارجياً مهماً، بغض النظر عن شكل الحكومة}.لكن ريتزل من جهته أعجب حقاً بالخميني على ما يبدو. فقد ادعى لاحقاً أن هذا القائد الشيعي كان {إنسانياً}. كذلك ذكر أن على الغرب أن {يكون شاكراً لأنه سيبقى في الحكم سنوات عدة}.ريتزل الوسيطتعمَّد السفير إقامة العلاقات مع أشخاص مقربين من {الإمام}. استغل واقع أن الخميني كان محاطاً إلى حد ما برجال عاشوا في ألمانيا الغربية، بمن فيهم صادق طباطبائي الذي أنهى رسالة الدكتوراه في جامعة رور في بوشم. وقد تزوجت شقيقته أحد أبناء آية الله.أصبح طباطبائي مسؤولاً حكومياً بارزاً في طهران ومحاور ريتزل الأول. بعد بداية أزمة الرهائن في 4 نوفمبر عام 1979، أصبح أيضاً مصدر أمل ألمانيا الرئيس في هذه الأزمة التي تفاقمت بسرعة. دعم الخميني الطلاب، واصفاً الولايات المتحدة بـ{الشيطان الأكبر}، في حين فرض الرئيس كارتر عقوبات صارمة، مطالباً حلفاءه بالمثل. كذلك أمر بإجراء الاستعدادات الضرورية لتنفيذ هجوم عسكري. كان ريتزل أحد الدبلوماسيين الغربيين القلائل في طهران الذين كان صوتهم ما زال مسموعاً. بغية صون مصالح ألمانيا ووارداتها، أرادت الحكومة في بون إنهاء هذه الأزمة بسرعة. فحصل ريتزل على الإذن لتشكيل وفد من منظمة الصليب الأحمر الدولية لزيارة الرهائن. كذلك حمل الصحف إلى الأميركيين المحتجزين، وقد وضع على أعلى الرزمة عدد {ديرشبيغل} الذي صدر في يناير عام 1979 والذي يحمل صورة الخميني على الصفحة الأولى. وعندما أراد قائد الثورة إقناع الشاه {بمواجهة شكاوى الشعب الإيراني}، طُلب من ريتزل نقل الرسالة الملائمة. لكنه رفض قبولها.بدا الوضع في طهران محيراً للأميركيين لأن كثيرين حاولوا أداء دور الوسيط. لكن الأميركيون لم يطلبوا مساعدة ريتزل إلا في شهر مايو عام 1980. فسافر مع غينشر إلى فيينا للقاء وزير الخارجية الأميركي آنذاك إدموند موسكي. وهناك دار بين الأخير وريتزل حوار شخصي. وعندما عرف طباطبائي بأمر اللقاء، أكّد المسؤول الإيراني أنه قد يتمكَّن من مساعدة السفير الألماني. بطلب من الأميركيين، نقلت وزارة الخارجية الألمانية تقارير ريتزل عن الوضع إلى الولايات المتحدة. كان الإيرانيون قلقين من تنفيذ الأميركيين رداً عسكرياً انتقامياً عند إطلاق سراح الرهائن. كذلك أرادوا استرجاع ودائع بقيمة 12 مليون دولار كان كارتر قد جمدها في مصارف الولايات المتحدة، فضلاً عن ثروة الشاه التي اعتقدوا أنها في الولايات المتحدة. وفي 27 مايو، طلبت السفارة الأميركية في بون من ريتزل إبلاغ الإيرانيين أن كارتر قد {يفكّر جدياً} في إعلان مماثل.مناورة ريتزل الذكيةبغية إقناع آيات الله بالتسوية، كان على ريتزل الواسع الحيلة القيام برحلة إلى مدينة الزعيم الروحي المقدسة مشهد. وهناك طلب بكل تهذيب أن يمنح حقوق {الصدق}، {الإنصاف}، و{الضيافة} من وجهة النظر الإسلامية.وبعد مناظرة دينية- روحانية دامت ثلاثة أيام، سأل آية الله زائره عند سبب قدومه الفعلي. فكان جواب ريتزل الصريح: كان يبحث عن حجج لإطلاق سراح الرهائن. فرد عليه الزعيم الروحي: {سأفكر في المسألة}. بعيد ذلك، وصل موفد إلى منزل ريتزل ومعه وثيقة من الزعيم الروحي إلى الخميني تندد بشكل غير مباشر بعملية احتجاز الرهائن. وبعد سنوات، أشاد غينشر بقدرة هذا الدبلوماسي على إرساء {أسس الثقة} بين الإيرانيين والحكومة الألمانية.في التاسع من سبتمبر، عرض طباطبائي لقاء الوفد الأميركي في ألمانيا الغربية. وبتوجيه من الخميني، طلب من ألمانيا الاحتفاظ بسجل عن هذا اللقاء، وأن {يشارك} غينشر في المحادثات لأطول فترة ممكنة.بعد أسبوع، بدأت المفاوضات السرية بين طباطبائي وبين نائب وزير الخارجية وارن كريستوفر في منزل الضيافة التابع لوزارة الخارجية الألمانية في بون بقيادة غينشر. فوجئ كريستوفر حين التقى طباطبائي: رجل حسن المنظر في منتصف ثلاثيناته يرتدي سروالاً قطنياً فضفاضاً وسترة رياضية. فما كان يظن أن ممثل الخميني سيبدو بهذا المظهر.لكن المبعوثين الأميركيين اعتبروا مطالبه عقبة. فلم تتمكن واشنطن في النهاية من السيطرة على أموال الشاه الذي كان قد توفي. كذلك كان الدائنون الأميركيون يُطالبون بالتعويض عن الأصول الإيرانية المصادرة.لكن كريستوفر قدّم ضماناً أكّد للإيرانيين أن الولايات المتحدة لن تهاجم إيران، طارحاً إمكان تحرير نحو ستة مليارات دولار من الذهب والأصول الأخرى. وكان الذهب سيُسلم عبر البنك المركزي الألماني Bundesbank. كذلك وافق كريستوفر على {المساعدة في تخطي السرية المصرفية} بغية تمكن إيران من الوصول إلى ثروة الشاه. أضاف غينشر أن هذا بدا {شاملاً جداً وبالغ الأهمية}، وأن حكومته لا تستطيع أن تقدّم عرضاً مماثلاً. حتى بعد مرور سنوات، ظلَّ كريستوفر مقتنعاً، على ما يبدو، أن المحادثات كانت ستنهار في تلك المرحلة لولا مساعدة وزير الخارجية. على نحو مماثل، أشار كارتر في يومياته إلى أنه للمرة الأولى كان أكيداً من أنه {على اتصال مباشر} مع الخميني.بدا الاتفاق وشيكاً. خلال الأسابيع التالية، التقى ريتزل طباطبائي يومياً تقريباً. وللحفاظ على السرية، أُشير إلى طباطبائي بكلمة {المسافر} في الوثائق الألمانية.تبدّل مفاجئفي مطلع شهر أكتوبر، سلم الأميركيون السفارة الأميركية في بون مسودات مراسيم تشريعية أراد كارتر من خلالها حل نقاط الخلاف. وقدّم غينشر المساعدة قدر المستطاع. فقد عرض على طباطبائي أن تؤدي ألمانيا «دور الضامن بشأن وفاء الأميركيين بالتزاماتهم». كذلك وافق على «التأثير إيجاباً في الرأي العام بشأن إيران»، واقترح لقاءات في بيرشتسغادن بألمانيا أو المملكة العربية السعودية.لكن الجانب الإيراني عاد فجأة إلى حالة الجمود لأسباب متوقعة. فكان من المقرر عقد الانتخابات الأميركية في 4 نوفمبر. فهل أراد الخميني منع كارتر من الحصول على زخم كبير في الانتخابات في حال انتهت أزمة الرهائن؟ أم أن مجموعة أخرى خطيت بالنفوذ الأكبر في الصراع على السلطة في طهران؟في مطلق الأحوال، نقل طباطبائي أخباراً مقلقة في 9 نوفمبر. قال إنه مهدد بالاعتقال وإن على ريتزل أن يحرص على إتلاف المستندات كافة التي تُظهر دور طباطبائي.ولكن تبين أن هذا الخوف مبالغ فيه: فقد عُيّن طباطبائي، الذي توفي في مطلع هذه السنة، مبعوثاً خاصاً لاحقاً. ولكن عندما استأنف الإيرانيون المفاوضات مع الولايات المتحدة في شهر نوفمبر، تخطوه وتخطوا وسيطه الألماني. وساهمت الجزائر في النهاية في تحرير المليارات الألمانية. وفي 20 يناير عام 1981، نُقل الرهائن إلى خارج البلد. لكن كارتر استمر في الثناء على الدور الألماني. فمن دون وساطتهم السابقة، يؤكد المؤرخ بوش أن الاتفاق ما كان لينجح. حتى اقتراح إدخال الجزائر في المفاوضات أتى من بون. فتشير السجلات إلى أنه اقتراح طرحه هلموت شميدت.