صورة تفضح أمة

نشر في 11-09-2015
آخر تحديث 11-09-2015 | 00:05
هل يمكن لإنسان أيا كان دينه ووطنه، وأيا كان عرقه وجنسه، وأيا كان موقعه ومنصبه، ألا يتأثر بهذه الصورة؟! نعم هناك من لم يتأثر، وهناك من لا يزال يمدّ يد العون والمساعدة للنظام الذي يقتل الأطفال بدم بارد براً وجواً، وإن لم يستطع فيطردهم ليموتوا بحرا.
 د. محمد لطفـي نقرأ أحيانا في صفحة الحوادث أن هناك جريمة (لا أدري جنحة أم جناية) ابتزاز بسبب صورة في وضع غير لائق استغلها شخص ضد شخص آخر؛ مما سبب له إساءة بالغة وفضيحة (على حد قول المجني عليه) وسط أهله وأقاربه وأصدقائه، فيقال عندئذ إن هذه الصورة فضحت فلاناً، وإن كان من عائلة معروفة فالصورة تعتبر فضيحة للعائلة كلها.

كل ذلك جائز ونقرؤه يوميا على صفحات الجرائد، ولكن هل قرأتم أو علمتم يوما بصورة تفضح أمة بأسرها لا فردا ولا عائلة ولا قبيلة ولا بلدا، صورة لم تنشر في صفحات الحوادث كسابقتها لكنها نشرت في الصفحات الأولى، وتصدرت نشرات الأخبار ووكالات الأنباء، صورة صغيرة لطفل صغير لا يتعدى ثلاث سنوات مات غرقا في البحر أثناء محاولة أسرته الفرار بحثا عن مأوى لها من ظلم حاكم، مأوى فقط يحميها ويحفظ حياتها.

 مات الطفل غرقا، وكان الموج أرحم به من بني البشر، فلفظه وأخرجه قبل أن تلتهمه الأسماك وتمزقه، صورة لم تفضح الطفل ولا أسرته لكنها فضحت أمة كاملة، أمة تتغنى بالاتحاد والوحدة، أمة شعارها "أمة واحدة ذات رسالة خالدة"، أمة يتغنى إعلامها ليل نهار بضميرها الواحد، وشعبها الواحد، وهدفها الواحد، ودينها الواحد، ولغتها الواحدة من المحيط إلى الخليج، أمة تراثها أغان وتاريخها قصائد وحاضرها ألمٌ وصراع ومستقبلها موت وضياع.

أمة فضحتها صورة ولم تتحرك، صورة أزعجت العالم كله، وأثارته وجعلته يقف وقفة رجل واحد من أجل ألا تتكرر، في حين أمة الطفل غارقة في سباتها وخلافاتها الدائمة، أمة انشغلت بالخلافات والمنازعات بين حكامها، فهذا يعارض ويرفض، وذاك يساند ويؤيد، هذا يتهم نظام الطفل ويدعو عليه بالفناء، وذاك يموله ويساعده على البقاء، فاختلف القادة وضاعت الشعوب وغرق الأطفال.

أمة كان يقول شاعرها:

إذا بلغ الفطام لنا صبيّ

تخرّ له الجبابر ساجدينا

فصار حاضرها كما يقول آخر:

 كنا عظاما فصرنا عظاما

وكنا نقوت فها نحن قوت

هل يمكن لإنسان أيا كان دينه ووطنه، وأيا كان عرقه وجنسه، وأيا كان موقعه ومنصبه، ألا يتأثر بهذه الصورة؟! نعم هناك من لم يتأثر، وهناك من لا يزال يمدّ يد العون والمساعدة للنظام الذي يقتل الأطفال بدم بارد براً وجواً، وإن لم يستطع فيطردهم ليموتوا بحرا، وهناك من لا يزال يحاور ويناور من أجل مساندة هذا النظام.

إلى هذه الدرجة من الهوان والضعف والعجز وصلت أمتنا، فلا تملك شعوبها حولا ولا قوة، لتردد قول الشاعر:

 نامت عيونك والمظلوم منتبه

يدعو عليك وعين الله لم تنم

هل سيكون لهذه الصورة أثر أو لهذا المقال– وغيره كثير مما كتب- قيمة؟ أم أننا صرنا بحق كما قال الشاعر:

 لقد أسمعت لو ناديت حيا

 ولكن لا حياة لمن تنادي؟

back to top