{نهاية روسيا القيصرية}... السير إلى الحرب العالمية الأولى والثورة

نشر في 18-10-2015
آخر تحديث 18-10-2015 | 00:01
No Image Caption
يقدم دومينيك ليافن في كتابه الأحدث الذي يسم مئوية الحرب العالمية الأولى توضيحاً لصراع تجاهله معظم المؤرخين الميالين إلى الغرب: {كانت الحرب في المقام الأول صراعاً في شرق أوروبا}.
كما تشير الروايات التاريخية الموثقة، كان الحدث الذي أشعل شرارة الحرب مقتل ولي عهد النمسا فرانز فرديناند في يونيو عام 1914. فأدى أسبوعان من الأخذ والرد إلى حرب شملت كل القوى الأوروبية. ويُظهر ليافن، مؤرخ بريطاني ذو أصول روسية، بحجج مقنعة أن الحرب كانت في جوهرها مواجهة بين روسيا والنمسا، أعظم امبراطوريتين في أوروبا الشرقية.
يكتب دومينيك ليافن أن فرنسا وبريطانيا انضمتا إلى ما بدأ كصراع في أوروبا الشرقية لأنهما خشيتا في المقام الأول على أمنهما: كان انتصار التحالف الألماني النمساوي على روسيا سيميل كفة ميزان القوى الأوروبي نحو برلين وفيينا.

صحيح أن بريطانيا وفرنسا حققتا الانتصار أخيراً على الجبهة الغربية، ولكن {ضاع عموماً سلام 1918 في أوروبا الشرقية. ومن مفارقات الحرب العالمية الأولى أن الصراع الذي بدأ خصوصاً كمواجهة بين القوات الألمانية وروسيا بهدف السيطرة على أوروبا الوسطى والشرقية انتهى بخسارة كلا الطرفين}.

وكما يشير ليافن بدقة، {ما من حدث في التاريخ شكَّل محور أبحاث معمقة بقدر أصول هذه الحرب}. رغم ذلك، لطالما كانت روسيا العنصر المفقود. فخلال سنوات الحكم السوفياتي، أُقفل الأرشيف الدبلوماسي والعسكري أمام المؤرخين الغربيين، وفُرضت قيود صارمة على ما يستطيع المؤرخون الروس الاطلاع عليه وكتابته. ولكن سُمح لليافن طوال سنة بالاطلاع على أرشيف وزارة الخارجية في موسكو الذي كان مقفلاً سابقاً.

أحلام وهمية

رغم أحلام الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين الوهمية، كانت {الإمبراطورية الروسية} الأسطورية خلال القرن الماضي، ورغم أراضيها المترامية الأطراف، فارغة في جوهرها. لا شك في أن إمارة موسكو الصغيرة في القرن الرابع عشر وسعت حكمها لتسيطر على أكثر من سدس مساحة اليابسة في العالم}. وهكذا تحول أدب روسيا، موسيقاها، ولوحاتها إلى زينة مذهلة لحضارة عالمية. حتى إن الخدم عوملوا كعبيد فعليين. ونحو أواخر عام 1914، كان نحو 80% من الناس يعيشون في الريف بعيداً كل البعد عما قد يشبه الحضارة.

كانت روسيا تفتقر إلى حكومة فاعلة تتخطى الإيمان الأعمى بذكاء عائلة رومانوف الحاكمة المفترض (علماً أن هذأ الذكاء كان ميزة نادرة بين أفرادها) التي حظيت بدعم طبقة قوية من أصحاب الأراضي. يكتب ليافن: {لا شك في أن واقع أن النفوذ المطلق في روسيا كان بيد شخص ساد الاعتقاد عموماً أنه يفتقر إلى المقدرة الفكرية أو قوة الشخصية الضروريتين لتوجيه آلية حكومية بالغة التعقيد أرخى بظلاله على الحياة السياسية الروسية}. لذلك بدا من المحتم أن يعجز القيصر عن التأقلم مع أزمة مزدوجة: الاضطرابات نتيجة الإصلاح في روسيا واحتمال نشوب حرب مع ألمانيا.

لا شك في أن التحالفات الأوروبية المعقدة (الحقيقية والمرجوة) زادت الوضع تعقيداً. فقد ارتكز كابوس موسكو الأكبر على خطر نشوء تفاهم إنكليزي-ألماني. فكانت لندن وبرلين قد توصلتا إلى اتفاق بشأن خط سكة حديد بغداد وتقسيم الإمبراطورية العثمانية بواقع الحال إلى مجالات نفوذ للبلدين. وهكذا، بدأ الألمان يعيدون بناء الجيش التركي، في حين تولت بريطانيا تجهيز البحرية التركية. ولكن إلى أي مدى كان سيصل هذا التحالف الناشئ؟

بالإضافة إلى ذلك، شكَّل ضعف الأجهزة الاستخباراتية عقبة أخرى أمام الروس. كان وزير الشؤون الداخلية في موسكو بيتر دورنوفو، الذي أدى دوراً رئيساً في سحق انتفاضة ليبرالية عام 1905. لكن صورة دورنوفو تشوهت حين استخدم عملاء من الشرطة {لسرقة رسائل لعشيقته من منزل دبلوماسي أجنبي كان ينافسها على حبها}.

أحد اللاعبين البارزين الآخرين في مجال الاستخبارات الحزب الاشتراكي البولندي، الذي {خطط لاغتيال مسؤولين في روسيا واستعد لعمليات تخريب وشغب وراء الخطوط الروسية في حال اندلعت حرب بين روسيا والنمسا}.

في المقابل، كان للروس جاسوسهم الخارق: الكولونيل ألفريد ريدل، مسؤول في هيئة الأركان العامة النمساوية تعرض للابتزاز بسبب نشاطه المثلي الجنس. وقد عنى تجسس ريدل بالتأكيد أن السلطات العسكرية في موسكو تلقت معلومات أشمل، مقارنة بالمسؤوليين المدنيين في فيينا.

طيف الريبة

عنت هذه التفاعلات الدبلوماسية والاستخباراتية المعقدة أن طيفاً من الريبة والشك سيطر على أوروبا في صيف عام 1914. وعندما قُتل فرديناند وزوجته، ركزت الشكوك في الحال على الانفصاليين الصرب. فقد أعلن المسؤولون النمساويون علانية (مع أنهم عجزوا عن إثبات ذلك) أن جريمة القتل {كانت نتيجة مؤامرة بغيضة تمتد أصولها إلى الخارج}.

وكما يشير ليافن، كان التحقيق الدقيق سيكشف على الأرجح أدلة على تورط مسؤولين وحراس حدود صرب. لكن الأدلة التي جمعها النمساويون لم يشاركوا فيها دولاً أخرى، إلا بعد تبادل التحذيرات التي تهدد بالحرب. فما أرادته النمسا من هذه الأزمة {لا يتحقق إلا من خلال الحرب}. نتيجة لذلك، تفاجأت روسيا غير المستعدة بالحشد النمساوي السريع بدعم من ألمانيا.

يتوصل ليافن إلى خلاصة قوية: {إن ركزنا على أزمة يوليو بحد ذاتها، فتُلقى مسؤولية اندلاع الحرب إلى حد كبير على عاتق برلين وفيينا}. لا شك في أن باحثين آخرين من أمم مختلفة سيعارضون آراء ليافن. لكن هذا الكتاب قيم لأنه يقدم لنا صورة عن الأسباب التي جعلت روسيا غير مستعدة إلى هذا الحد لحرب أدت في النهاية إلى نحو قرن من المعاناة لشعبها.

back to top