كيف سيغزو البشر المريخ وما وراءه؟
تتمحور محاضرات «المعهد الملكي» البريطاني حول التحديات المطروحة خلال رحلات الفضاء البشرية وما يلزم لإيصال البشر إلى أقصى حدود رحلات الاستكشاف.بصفتي طبيباً، أمضيتُ أكثر من عشر سنوات متنقلاً بين بريطانيا و{مركز جونسون الفضائي» التابع لوكالة «ناسا» في هيوستن. كنت أعمل باحثاً مؤقتاً في مشاريع تتراوح بين دراسة آثار البيئة الفضائية على الخصائص الفيزيولوجية مع التقدم في السن وأنظمة الجاذبية الاصطناعية. في الوقت نفسه، كنت أوشك أن أنهي تدريبي الطبي في مجال التخدير والعناية المركزة. كان غريباً أن أحاول دمج هذين المجالين. كنت أعمل في وحدة العناية المركزة طوال الليل ثم أتجه إلى المطار في نهاية الدوام وأنام قليلاً على متن الطائرة ثم أصل في اليوم التالي إلى غرفة اجتماعات في هيوستن حيث يجلس فريق للتناقش حول طريقة إرسال الناس إلى المريخ بأمان.
والعامل الذي ربط بين هذين العالمَين هو تحدي الحياة في ظروف متطرفة. في المستشفى، كنت أتعامل مع ظروف صعبة عند مواجهة تحديات الأمراض والإصابات. وفي وكالة «ناسا»، كنت أحلل التهديد المطروح على فيزيولوجيا الإنسان بسبب الظروف المتطرفة في العالم الفيزيائي والكون.يمكن أن نحصل على فكرة تقريبية عن مدى قساوة البيئات المتطرفة عبر احتساب المدة التي يمكن أن يصمد فيها البشر هناك من دون أي حماية أو دعم. وفق هذا المقياس، يُعتبر الفضاء بيئة متطرفة جداً: إنه مكان عدائي بشكل استثنائي بالنسبة إلى فيزيولوجيا الإنسان وهو لا يدعم حياة البشر بأي شكل. يمكن أن يصمد الشخص الذي يسافر في الفضاء من دون أي حماية لبضع ثوانٍ فقط في تلك البيئة.يسهل أن نفترض حجم المهام الموكلة إلى الطبيب في تلك البيئة، بمعنى أنّ الأشخاص الذين يفهمون فيزيولوجيا الإنسان ويستطيعون التلاعب بها سيكونون في طليعة رحلات استكشاف الفضاء. لكن يتراجع عملياً دور الطب أمام مجال الهندسة وهو وضع مبرر.تكون الرحلة الفضائية بسيطة من الناحية الفيزيائية. بل إنها بسيطة لدرجة أن نيوتن بدأ يفهم الديناميات الكامنة وراءها منذ 400 سنة تقريباً. لمغادرة كوكب الأرض والدخول في المدار حوله، يجب أن نرمي أولاً جسماً فوق الكرة الأرضية بقوة شديدة كي يمتد مساره إلى ما وراء أفق الأرض وكي يقع من دون أن يلمس الأرض مجدداً.لكن لرمي جسم في المدار المحيط بكوكب الأرض، يجب أن نوفر له نسبة هائلة من الطاقة. بعبارة أخرى، كلما زادت السرعة يتوسع قطر المدار. ولجعل المركبة تدور حول مدار واسع بما يكفي كي تفوّت الأرض والطبقات العليا من الغلاف الجوي، ولبلوغ ارتفاع «محطة الفضاء الدولية» التي تقع على علو 250 ميلاً فوقنا، يجب التحرك بسرعة 17.500 ميل في الساعة.تحتاج هذه العملية إلى مركبة مزوّدة بمحركات وخزانات وقود ولها قدرة متفجرة بقدر سلاح نووي صغير. تتطلب هذه الرحلة، من سطح الأرض إلى المدار الأرضي المنخفض، على متن مركبة «سويوز» الفضائية، نحو ثماني دقائق. لذا تركز وكالة «ناسا» ومختلف وكالات الفضاء حول العالم على متطلبات الهندسة وليس علم الأحياء البشري لأن الطب المعاصر لا يستطيع تقديم أي تدابير وقائية خلال تلك الفترة القصيرة والعنيفة. خلال عملية الانطلاق، إما أن تنجح التدابير الهندسية وينجو الجميع أو تفشل تلك التدابير ويهلك الجميع.لا تتوقف نجاة البشر خلال عملية الانطلاق على إجراءات طبية بل على طبقات مركزة من الحماية الاصطناعية التي يعمل المهندسون على تصميمها وبنائها كي يرتديها رواد الفضاء.يجب أن تعمل محركات الصواريخ بشكل مثالي وأن تندفع بقوة كافية في الوقت المناسب وتتخذ المسار الصحيح. في المقابل، يجب ألا تؤدي قوة الاندفاع الهائلة إلى هز المركبة وأنظمتها أو فصل حمولة الركاب الهشة. من واجب فِرَق الهندسة أن تتأكد من تصميم القاذفة والمركبة بما يضمن الصمود في وجه القوى التي تحاول تدميرهما.فوق ذلك البرج من الكيروسين والأوكسجين، ثمة كبسولة صغيرة بحجم أكشاك الهواتف وبضعة أطنان من الإمدادات وثلاثة ركاب بينها. تلك الكبسولة هي أشبه بفقاعة صغيرة لحماية حياة الركاب وهي مضغوطة انطلاقاً من الأرض ويمكن الحفاظ عليها اصطناعياً. في الداخل، توفر آلات إضافية جواً يسمح بالتنفس ومستوىً كافياً من الضغط والدفء للصمود في الفضاء الفارغ. بعد النجاة من عملية الانطلاق، ستكون المشاكل في بدايتها.يسهل أن نظن أنّ «محطة الفضاء الدولية» شركة تكنولوجية كبرى تطوف فوق كوكب الأرض. هذا أمر صحيح على مستويات عدة لأن ظروف الحياة هناك قاسية مقارنةً بالمعايير الطبيعية، إذ تقلّ وسائل الراحة وتتراجع الخصوصية القيّمة. ينذر هذا الوضع الصعب بنشوء صراع اجتماعي هائل. مع ذلك، لم تقع حوادث مماثلة ولم تحصل أي عمليات طرد على مر 15 سنة من المهمّة.لكن لا يمكن اعتبار «محطة الفضاء الدولية» مجرد مكان للتكيف مع الأوضاع المستجدة. حين تعيش الفِرَق هناك، يقيم الأعضاء داخل آلة وتتوقف حياتهم عليها في كل لحظة من كل يوم. تحلل الآلة الماء كهربائياً لإنتاج الأوكسجين وتستعمل المناخل الجزيئية لإزالة الغازات العادمة من الهواء الذي يتنشقه رواد الفضاء وتدير أنظمة تدفئة انطلاقاً من ألواح واسعة للطاقة الشمسية ويمكن أن تضخ الأخيرة حتى 80 كيلوواط من الطاقة. تشغّل تلك الطاقة الشمسية أربع جيروسكوبات ضخمة تتولى توجيه عمل المحطة وتمنعها من الخروج عن السيطرة.لا يسود أي هدوء في «محطة الفضاء الدولية»، إذ تعلو فيها أصوات الطنين والأنين باستمرار ولا تكف المراوح عن العمل. من دون جاذبية، لا يرتفع الهواء الساخن ولا يهبط الهواء البارد. نتيجةً لذلك، يغيب الحمل الحراري ولا يمكن في هذه الظروف تحريك الهواء أو خلطه. يسبب هذا الوضع المشاكل، فيصبح رواد الفضاء معرضين للصداع في المناطق التي تفتقر إلى التهوئة بسبب تراكم ثاني أكسيد الكربون. لهذا السبب، يصدح صوت المحركات في الهواء. تكون التيارات الهوائية في «محطة الفضاء الدولية» اصطناعية، مثل جميع العناصر التي تتكل عليها الفِرَق لحماية صحتها. تحصل هذه الجهود كلها للحفاظ على ظروف حياة سليمة على علو 250 ميلاً. تكثر التحديات المطروحة ولم نتحدث بعد عن المدار الأرضي المنخفض.العودة إلى القمر لم تنتهِ المشاريع على القمر بعد. مرّ نصف قرن تقريباً منذ أن أنزل برنامج «أبولو» 12 رجلاً على سطحه. صحيح أنه يشكل كنزاً قيّماً في عالم الاكتشافات العلمية، لكن لم يعد أحد من هناك منذ ذلك الحين. يقع المدار الأرضي المنخفض على بُعد 250 ميلاً ويمكن الوصول إليه خلال دقائق. ويقع القمر على بعد 250 ألف ميل تقريباً ولا يمكن الوصول إليه قبل بضعة أيام. يجب أن يراعي العلماء أيضاً ظروف العزلة وتعقيد علم الصواريخ وارتفاع احتمال تعرّض الفِرَق للأشعة. على كوكب الأرض، يمكن الاحتماء من بعض أنواع الأشعة بفضل طبقة الغلاف الجوي السميكة التي تمتص أشعة الغاما والأشعة السينية والأشعة فوق البنفسجية الضارة. لكن ثمة طبقة أخرى من الحماية التي يمكن أن تفيدنا أيضاً: حقل الأرض المغناطيسي.يصفّي الغلاف المغناطيسي أنواعاً ضارة من الأشعة التي تشتق من انبعاثات نواة الجزيئات والذرات المشحونة وعالية الطاقة على شكل منتج ثانوي للتفاعلات الحرارية النووية في النجوم. يكون هذا النوع من الأشعة ضاراً على نحو خاص وقد تزيد حدته بآلاف المرات خلال توهج الشمس. في الوقت الراهن، ما من تدابير فاعلة للاحتماء من الأشعة التي تترافق مع أسوأ التوهجات الشمسية.المريخ وما وراءهفي السنوات الأخيرة، طُرحت فكرة إرسال فِرَق بشرية إلى مواقع مختلفة عن سطح القمر أو المريخ في الوثائق الاستراتيجية الخاصة بوكالات الفضاء الدولية. هذه المهمة ليست جزءاً من الخيال العلمي بقدر ما نظن. فقد أثبتت مهمة «روزيتا» التي أطلقتها «وكالة الفضاء الأوروبية» حين أنزلت مسبار «فيلاي لاندر» بشكل متقن على سطح مذنب في السنة الماضية أننا نستطيع إيجاد هدف صغير وعابر للفضاء على بعد مئات مليارات الأميال واعتراضه. هكذا استعادت الوكالات الثقة بإمكان إرسال طاقم بشري إلى كويكب. لكن حتى الآن، يبقى المريخ جزءاً من أبرز الاحتمالات المرتقبة وتطرح النجاة خلال هذه الرحلة تحدياً على مقياس مختلف. تتعلق مشكلة المريخ بالمسافة والزمن. للوصول إلى الكوكب الأحمر، يجب أن نعبر مئات ملايين الأميال بين الكواكب، أي أكثر من المسافة التي قطعتها فِرَق «أبولو» للوصول إلى القمر بألف مرة. بفضل التكنولوجيا المتاحة، لا بد من مرور بين ستة وتسعة أشهر للسفر من كوكب الأرض إلى المريخ وتتطلب طريق العودة المدة نفسها.تُعتبر هذه المدة طويلة في ظل غياب أثر الجاذبية على الجسم. قد يبدو انعدام الوزن مضحكاً في البداية لكنه يصبح سلبياً حين تطول المدة. حين فكر علماء الفيزيولوجيا في البداية بالأثر الذي يمكن أن تعطيه البيئة الفضائية على جسم الإنسان، قبل أن ينطلق أحد إلى الفضاء، توقعوا أن تضعف العضلات والعظام وكانوا محقين. تتولى الجاذبية صقل تلك الأنظمة ويعلم أي شخص معتاد على الذهاب إلى النادي الرياضي بأننا سنخسرها إذا لم نستعملها. لهذا السبب، يجب أن تطبّق الفِرَق في «محطة الفضاء الدولية» برنامجاً يومياً من تمارين المقاومة للوقاية من خسارة تلك العظام والعضلات.يُحدِث انعدام الوزن فوضى عارمة في أنظمة أخرى، فهو يزعج قدرات التوازن والتنسيق ويصعّب على أعضاء الطاقم تعقب الأهداف المتنقلة وينتج أوهاماً متحركة، حتى أنهم قد يشعرون بالغثيان في أولى أيام الرحلة. باستثناء الغثيان، تميل هذه المشاكل كلها إلى التفاقم كلما استمر انعدام الوزن.في الفترة الأخيرة، ظهرت مشاكل جديدة ومقلقة. يبدو أن الضغط في أدمغة بعض رواد الفضاء يرتفع نتيجة الرحلة الفضائية لأسباب غير واضحة بالكامل حتى الآن، لكن رُبطت هذه المشكلة بتغيرات في البصر وقد تستمر أحياناً لسنوات عدة بعد العودة إلى الأرض. لوحظت هذه الظاهرة بعد القيام بمهام طويلة حصراً، وهي تثبت بكل وضوح أن تمضية وقت طويل في الفضاء لا يفيد الصحة.لكن ينتج الوقت أيضاً مشاكل في أنظمة دعم الحياة. لو تخيلنا كمية الطعام والماء والأوكسجين والطاقة التي يستهلكها شخص في مهمة تصل مدتها إلى ثلاث سنوات، سنلاحظ أن الكمية هائلة فعلاً. وعند ضرب تلك الكمية بعدد أعضاء الطاقم الذي يتراوح بين أربعة وستة أشخاص، يتّضح أنهم سيحتاجون إلى مركبة فضائية ضخمة كي يتابعوا الأكل والشرب.يصبح هذا الهدف مستحيلاً إذا لم نتمكن من إعادة تدوير واستعمال كل ما هو ممكن. على متن المحطة الفضائية، يعيد رواد الفضاء تدوير معظم مياه الصرف، حتى البول. يتخلصون من ثاني أكسيد الكربون الموجود في الهواء الذي يزفرونه ويعيدون تنشق الأوكسجين المتبقي. يمكن اتخاذ خطوات إضافية عبر زرع المحاصيل في الماء للحصول على مصدر غذائي وآلية للتخلص من ثاني أكسيد الكربون وتجديد إمدادات الأوكسجين. إذا اخترنا النباتات المناسبة، يمكن إعادة تدوير النتروجين في المخلفات البشرية الصلبة. إنها طريقة علمية طبعاً وهي تعني أن الناس في المركبة يستطيعون استعمال برازهم الخاص لتخصيب المحاصيل الداعمة للحياة.يصعب جمع هذا النظام المعقد وإدارته والحفاظ عليه وقد تمر فترة طويلة قبل أن نشاهد مشاتل منتشرة في عمق الفضاء. حتى الآن، يكتفي مهندسو الأنظمة الداعمة للحياة بإيجاد طرق لإعادة تدوير موارد إضافية. ومن خلال القيام بذلك، يتراجع وزن الحمولة الذي تضطر الفِرَق للتخلص منه للبقاء على قيد الحياة.خلاصةيمكن استخلاص درس بسيط من هذه المعطيات كلها: مجال الفضاء صعب. لكن ينطبق ذلك على جميع المساعي العلمية ويمكن الاحتفال بإنجازات كثيرة. منذ بداية القرن الواحد والعشرين، استمرت حركة البشر في الفضاء. ما بدأ على شكل ساحة معركة بديلة للحرب النووية تحول إلى برنامج متعدد الجنسيات عن العلوم والاستكشاف والتعاون. لا يهدف هذا المكان إلى التناقش حول سبب استكشاف الفضاء، إذ تتعدد المنافع التي تشتق من استكشاف البشر للفضاء، لكن تتفوق منفعة محددة على غيرها: يشكل استكشاف الفضاء مصدر إلهام للأولاد وهو يحثهم على دراسة العلوم والتكنولوجيا والهندسة وتطوير مهنتهم في هذه المجالات. يحقق هذا الهدف حين يثبت أن كل شيء ممكن ضمن حدود الابتكار البشري. أعلم ذلك لأن هذا المجال ألهمني ولم يتوقف عن إبهاري طوال حياتي.إنه شرف كبير لي أن ألقي محاضرات في «المعهد الملكي». صحيح أن الرسالة الأساسية التي يجب أن يفهمها الحاضرون تعتبر الفضاء مجالاً صعباً، لكنّ الدرس الحقيقي الذي يمكن تعليمه هذه السنة هو أنّ المغامرة التي خضتُها بنفسي يمكن أن تصبح مغامرة الجميع!