القراءة السريعة... ممكنة حقاً؟

نشر في 28-09-2015 | 00:01
آخر تحديث 28-09-2015 | 00:01
No Image Caption
تشير أيقونة على هاتفي إلى أن حسابي على موقع Instapaper يضم 667 مقالاً لم أرها. كذلك، ثمة 12 رواية غير منزلة تنتظرني على خادم {أمازون} و142 رسالة إلكترونية غير مفتوحة، فضلاً عن أنني أعاني مما يسميه اليابانيون {تسوندوكو} (احتلت كومة كبيرة من الكتب والمجلات طاولة مكتبي والطاولة الصغيرة وسريري منذ زمن بعيد).

أغرف من بحر من الكلمات على غرار كثيرين. لا عجب إذاً أن القراءة السريعة (القراءة بسرعة أكبر لا تقلل من الفهم) تزداد شعبية بين مَن يهوون إنجاز الأمور كاملة ومَن يعلون أهمية كبيرة على الإنتاجية. فمن لا يود أن ينطلق مسرعاً في لائحة الأعمال التي عليه مطالعتها بسرعة 2500 كلمة أو أكثر في الدقيقة، ملتهمين كميات هائلة من المواد على غرار جوني 5.

هذا هو الوعد الذي يقدمه نظام  Reading Dynamics لإفلين وود، برنامج PX Project لتيم فارس، برنامج Spritz، وغيرها من تقنيات القراءة السريعة للقراء الرازحين تحت فيض من الأعمال التي عليهم مطالعتها. يشمل بعضها كبت صوتك الداخلي أثناء القراءة، في حين يعلمك البعض الآخر {التقطيع}، أي الاطلاع على أسطر عدة بلمحة واحدة. حتى إن أخرى تلغي الحاجة إلى تحريك العينين. لكن المؤسف أن عقوداً من الأبحاث في مجال علم النفس والمعلومات الأحدث حول أنظمة المعالجة البصرية تؤكد على ما يبدو واقعاً واحداً: الإسراع في إنجاز الأمور يعني القيام بها بدقة أقل. فهل يمكنك أن تتعلّم القراءة بسرعة أكبر؟ نعم بالتأكيد. لكنك لن تفهم ما قرأته بالمقدار عينه... هذا إن فهمته أساساً.

سريع وسيئ

يستطيع الناس المثقفون جداً القراءة بالسرعة عينها التي يتحدث فيها بائع المزاد (بين 250 و400 كلمة في الدقيقة) مع فهم جيد. على سبيل المقارنة، تبلغ سرعة المحادثة العادية بين شخصين 150 إلى 160 دقيقة في الدقيقة (وهذه أيضاً السرعة الموصى بها للكتب المسجلة والمسلسلات الإذاعية). ويجعل هذا القراءة العادية عملية معقدة جداً. توضح إليزابيث شوتر، عالمة نفس معرفي من جامعة كاليفورنيا بسان دييغو: {إن فهمت هذه العملية وأدركتها تماماً، فسيتضح لك أن ما من إنسان يستطيع أن يقرأ بسرعة 1000 إلى 2000 كلمة في الدقيقة والحفاظ في الوقت عينه على المعدل عينه من الفهم كما عندما يقرأ بسرعة 200 إلى 400 كلمة في الدقيقة}.

في البحث {الكثير للمطالعة، القليل من الوقت: كيف تقرأ وهل تساعدك القراءة السريعة؟} (So Much to Read, So Little Time: How Do We Read, and Can Speed Reading Help?)، توضح شوتر وزملاؤها أن العمليات الفكرية والبصرية التي تشملها القراءة: من الرموز التي تلتقطها العينان إلى المعالجة المعرفية التي تحدث في الخلفية. تشبه هذه رقصة بين عدد من العمليات البصرية والفكرية، رقصة تعتمد إلى حد كبير على اللغة.

بخلاف الكلام، تُعتبر القراءة والكتابة، على حد تعبير عالم النفس التطوري وعالم الألسنية ستيفن بنكر، {غير طبيعيين من الناحية المعرفية}. لا داعي لأن يعلم الأهل أولادهم الكلام، فهو بكل بساطة غريزة بشرية. أما الكتابة في المقابل، فلا تأتي طبيعياً. فلمَ هذا مهم؟ فبدل أن تكون تجربة بصرية بحت، تتطفل القراءة والكتابة على اللغة والكلام. ولا شك في أن لهذا تأثيراً كبيراً على الطريقة التي يعالج فيها الإنسان الكتابة ويفهمها، علماً أن كل تقنيات القراءة السريعة تتجاهل هذه العواقب أو تشوهها.

تجاهل الصوت في رأسك

لنتأمل في أحد أبرز الأشرار في عالم القراءة السريعة: القراءة الصامتة ما قبل النطق. هذا هو الصوت الداخلي الذي يسمعه القارئ في رأسه فيما يقرأ بصمت. تقول شوتر: {بما أننا نتعلم كلنا الكلام والإصغاء قبل القراءة، يلجأ الجميع تقريباً إلى أصوات الكلام عند القراءة}.

ولكن بالنسبة إلى أنصار القراءة السريعة، تشكل القراءة الصامتة ما قبل النطق مجرد عائق يمكن التخلص منه يعود إلى الفترة التي تعلم فيها الإنسان القراءة بصوت عالٍ. وتشير نظرياتهم إلى أن كبت هذا الصوت يحد من التأخير الذي يسببه الصوت الداخلي في معدل القراءة الداخلية لكل فرد.

إليك المشكلة: عندما حاول العلماء إرغام الناس على التخلص من القراءة الصامتة ما قبل النطق، بدفعهم إلى الهمهمة باستمرار أثناء القراءة أو أداء نغمة ما عندما قاس جهاز استشعار أي نشاط في أوتارهم الصوتية، تراجع الفهم بشكل حاد. تذكر شوتر: {ثمة أدلة كثيرة على أن الناس، حين يفهمون الكلمات بصرياً، يلجأون إلى أصوات هذه الكلمات لفهمها}.

تأمل في ما يحدث عندما تعرض على الناس كلمات يبدو لفظها قريباً من كلمة مختلفة وتطلب منهم تقديم تقييم سريع عنها. على سبيل المثال، {هل هذه الكلمة من الطعام، نعم أم لا؟. {إن أعطيتهم كلمة ليست من الطعام، MEET (لقاء بالإنكليزية) مثلاً، إلا أنها تشبه بلفظها كلمة أخرى من الطعام (MEAT أي اللحم)، فسيميلون على الأرجح إلى الإجابة بنعم، مع أن هذا الجواب الخاطئ}، وفق شوتر. حتى عندما يجيب الناس لا، يحتاجون إلى وقت أطول للقيام بذلك، حسبما تؤكد شوتر. ولكن عندما تقدم لهم كلمة مشابهة من حيث الشكل فحسب، مثل MELT (يذوب)، لا يواجه الناس صعوبة في إعطاء الجواب الصحيح.

تعديات تنكسية

تسعى تقنيات القراءة السريعة العصرية أيضاً إلى استهداف عقبتين أخريين تُعرفان بالارتدادات وحركة العين. تشير الأولى إلى إعادة القراءة السريعة اللاواعية التي يقوم بها الإنسان عندما لا يفهم أمراً ما. أما الثانية في حركات العين السريعة كل 0.1 ثانية التي يستخدمها القارئ ليحرك النقرة المركزية (مركز البصر) من كلمة إلى أخرى. وتحظى هذه الكلمات أيضاً بوقفات قصيرة تدوم 250 جزءاً من الثانية وتُدعى التثبيت.

عمدت Spritz، وهي شركة تستخدم تقنية تُدعى التمثيل البصري المتسلسل السريع، إلى التخلص من حركات العين التي تهدر الوقت هذه بتقديم للقارئ كلمة واحدة تلو الأخرى، مبرزة ما تدعوه {نقطة الإدراك القصوى} لكل كلمة.

في هذا المجال أيضاً، يشير العلم إلى أن لهذا تأثيراً سلبياً على الفهم. فكما اكتشفت شوتر في دراسة سابقة، يسلب إلغاء القدرة على العودة وإعادة قراءة أمر ما القارئ أداة مهمة لفهم النص. تقول شوتر: {لا تدرك البرامج الإلكترونية والتطبيقات ما تقوم به ولا تعي ما هو تصورك الداخلي. لذلك لا تستطيع أن تعوض عن الإخفاق في الفهم لأنها لا تستطيع ولوج معلومات مماثلة}.

على نحو مماثل، صحيح أنك لا تحظى تقنياً على أي معلومات بصرية خلال حركة العين، إلا أن الأبحاث أظهرت أن عملية المعالجة المعرفية تستمر خلال هذه الفترة. ويعني هذا أن دماغك يستخدم هذه الفواصل التي تدوم 0.1  ثانية ليعالج ما قرأته لتوك.

فهم القراءة

يلخص وودي آلن هذه المسألة ببراعة: {شاركت في صف للقراءة السريعة وتمكنت من مطالعة War and Peace في غضون 20 دقيقة. تدور هذه الرواية عن روسيا}. تعكس هذه الكلمات أحد أبرز الانتقادات التي توَجَّه إلى القراءة السريعة، فضلاً عن إحدى أهم المشاكل العلمية التي تحول دون استبعادها بالكامل. صحيح أن من السهل تتبع حركة العين وقياس سرعة القراءة، لكن يبقى قياس الفهم أكثر صعوبة.

تقر شوتر: {تُعتبر هذه مسألة مفتوحة. ماذا يعني فهم عبارة أو مقطع أو نص حقاً؟ كم يجب أن تكون عميقة معرفة الكلمات الفعلية مقابل الخلاصة الأساسية، مقابل كل ما بينهما؟}. يشير بعض الدراسات حتى إلى أن سلوك القراءة يتبدل مع تبدل مدى الفهم الذي ترغب في تحقيقه. توضح شوتر: {على سبيل المثال، يقرأ الناس بطريقة مختلفة إن كانوا يتوقعون أن يُطرح عليهم سؤال بشأن كلمة محددة}.

تظل عملية تحديد علاماتِ فهم خلاصات النصوص مسألة شخصية، لذلك يعمد باحثون مثل شوتر إلى قياس الفهم بواسطة أسئلة متعددة الخيارات ترد بعد كل عبارة أو مقطع. لكن تحديد مدى الفهم في هذه الحالة يعتمد على مدى جودة الأسئلة المطروحة، فضلاً عن أن الأجوبة غير الصحيحة تلغي على ما يبدو الجواب الصحيح.

الخلاصة

رغم هذه الصعوبات كافة، لا يزال معظم الأدلة العلمية يشير إلى أمر واحد: أن القراءة السريعة تبقى شكلاً من أشكال القراءة العابرة. لكن القراءة العابرة تُعتبر ممتازة (وحتى مفضلة) في بعض الحالات. على سبيل المثال، تُعتبر برامج إلكترونية مثل Spritz أو مقاربات التمثيل البصري المتسلسل السريع الأخرى (يقدم Instapaper اليوم تطبيقه الخاص للقراءة السريعة أيضاً) مفيدة في قراءة الرسائل الإلكترونية والنصوص القصيرة، وخصوصاً على شاشات الساعات الذكية الصغيرة. ولكن إن كان هدفك مطالعة نصوص كبيرة بسرعة مع استيعاب القدر ذاته من المعنى والأفكار، فلا يقدم لك العلم سوى حلين: الإكثار من المطالعة لتغني مفرداتك أو القراءة عن مواضيع تملك معرفة واسعة عنها.

back to top