مارين لوبان وتنامي نفوذ «الجبهة الوطنية»

نشر في 06-12-2015 | 00:01
آخر تحديث 06-12-2015 | 00:01
نجحت مارين لوبان في تغيير الصورة المتطرّفة التي تطبع حزب {الجبهة الوطنية} في فرنسا، وفي نقله إلى الوسطية السياسية. حتى إن معسكر الشعبويين اليمينيين قد يتحوّل إلى أقوى حزب في الجمهورية خلال الانتخابات الإقليمية المقبلة. لكنه سيحصد الجائزة الحقيقية في عام 2017.

بعد خمسة أيام على {يوم الجمعة الأسود} في باريس، كانت مارين لوبان تتجوّل في مركز المؤتمرات في الجزء الشمالي من المدينة. إنها أول إطلالة علنية لها منذ اعتداءات باريس ويحمل اختيارها لهذا التوقيت رمزية مهمة. عادت لوبان لتتابع حملتها. رغم فرض قوانين الطوارئ، لاتزال الانتخابات الإقليمية محددة في فرنسا في الأسبوع المقبل ويعتبرها الكثيرون مؤشراً على مسار الانتخابات الرئاسية في عام 2017. أصبحت لوبان تحت الأضواء أكثر من أي وقت مضى بعد أن بات حزب {الجبهة الوطنية} اليميني المتطرف الذي تنتمي إليه مخولاً لحصد أكبر عدد من الأصوات على المستوى الوطني. {شبيغل} عرضت التفاصيل.

تبلغ ماريون آن بيرين لوبان المعروفة باسم {مارين} 47 عاماً. مركز المؤتمرات، راحت تتنقّل بين نماذج السفن ونماذج الشاحنات. هناك شرح لها مسؤول في الجمارك كيف تخضع الشاحنات للمراقبة لتجنّب تهريب السلع. حين كانت تمرّر أصابعها المغطاة بطلاء أظفار رمادي اللون على الشاحنة، بدأت تهاجم الرئيس السابق نيكولا ساركوزي واعتبرت أنه {لم يعد موثوقاً به}. تقول بصوتها العميق إنه شخص مريع، فهو لم يكف عن التكلّم عن أهمية الأمن الداخلي لكنه تابع تقليص تمويل الجيش والشرطة.

سؤال مخجل

{سيدتي، أليس غريباً أن تطلقي حملتك في الظروف الراهنة، فيما يعيش البلد كله حالة من الصدمة}؟

بدت نظرتها ثاقبة وغير وديّة بأي شكل، ثم أجابت بصرامة: {آنستي، هذه الإطلالة لا ترتبط بالحملة الانتخابية}.

«هل ستستفيدين من الاعتداءات؟».

«إنه سؤال مخجل»! قالت ذلك وانصرفت.

تنقسم فرنسا إلى 13 منطقة. رشّحت مارين لوبان نفسها في الشمال، وترشّح نائبها فلوريان فيليبو في الشرق، وابنة شقيقتها ماريون مارشال لوبان في الجنوب. تشير استطلاعات الرأي إلى أن الثلاثة لديهم فرص واقعية للفوز في مناطقهم، وستسيطر {الجبهة الوطنية} بذلك على منطقة في فرنسا للمرة الأولى. الأهم من ذلك أن لوبان وفيليبو ومارشال يُعتبَرون شخصيات محورية في نجاح {الجبهة الوطنية} وفي تحديد طريقة وسبب نجاحها في إثبات نفسها نهائياً كقوة سياسية كبرى، وهذا ما أزعج نظام الحزبين اللذين سيطرا على الجمهورية الخامسة طوال عقود.

رد الرئيس فرانسوا هولاند الاشتراكي على الاعتداءات عبر الإعلان عن تدابير صارمة. قال إنه سيشدّد القانون الجنائي ويعيد فرض الضوابط على الحدود وتعهّد بتحديث الجيش وتوظيف المزيد من ضباط الشرطة. ومن المنتظر ترحيل المهاجرين غير الشرعيين والمتطرفين بوتيرة أسرع من الآن فصاعداً، وستُسحَب الجنسية الفرنسية من الإسلاميين المحكوم عليهم. بدت تصريحاته متماشية بالكامل مع بنود كان حزب لوبان يطالب بها طوال سنوات.

لوبان هي الابنة الصغرى لجان ماري لوبان، وتستحق الإشادة لأنها حوّلت {الجبهة الوطنية} إلى حزب مهم. أسقطت عنه صورة شريرة كانت تطبعه وجعلته متاحاً أمام مجموعات مختلفة من الناخبين. الآن وقد بدأ الأكاديميون ورجال الأعمال ونخبة الطلاب يدعمون {الجبهة الوطنية}، يعتبرها فرنسيون كثيرون مجرّد حزب جديد ولم يسبق أن شملت هذا العدد من الأعضاء (نحو 80 ألفا). يتمتّع الحزب أيضاً بنفوذ أكبر من أي وقت مضى ويسيطر على 11 بلدية في عدد من المدن في أنحاء البلد. كذلك، حصد 1546 مقعداً في المجالس المحلية ونحو 200 مقعد في حكومات المناطق والدوائر الفرنسية. يحتلّ الحزب أيضاً ضعف مقاعد الحزب الاشتراكي الحاكم في البرلمان الأوروبي. يمثّل ديفيد راشلين، أصغر سيناتور في فرنسا، وماريون مارشال لوبان، أصغر عضوة في الجمعية الوطنية، حزب {الجبهة الوطنية}.

تحسّن مكانة الحزب

رافقت صحيفة {شبيغل} مارين لأشهر عدة لمناقشة مسار إعادة هيكلة {ص} وإيديولوجيتها وأهدافها معها ومع مستشاريها ومناصريها. لكن تطرح الاعتداءات الأخيرة أسئلة عن مدى تغير المجتمع الفرنسي في المرحلة المقبلة. لم يتضح بعد ما إذا كان استياء فرنسا المتزايد بسبب الاعتداءات سيُقابَل برغبة قوية في إبقاء المجتمع منفحتاً أو إذا كان الإرهاب سيرفع مكانة حركات مثل {الجبهة الوطنية}.

تضبط مارين نفسها حتى الآن وتترك لرئيس البلاد ورئيس الوزراء مهمّة التحدّث عن الحرب وعن احتمال وقوع اعتداءات إضافية، ربما عبر استعمال أسلحة كيماوية. كان ساركوزي، وليس لوبان، أول من انتقد الحكومة. التزمت هي الهدوء فيما عمد خصومها إلى رفع الصوت. لا تحتاج إلى التباهي أو تفسير مواقفها، فقد أصبحت اسماً يعرفه الجميع ويدرك الناس ما ترمز إليه.

في البرلمان الأوروبي في ستراسبيرغ، أعلنت عن مطالبها قائلةً: {نريد استرجاع الحدود الفرنسية. لا نثق بالحدود الأوروبية. نريد أن نقرر ما يصب في مصلحتنا}. تكلمت وكأنها تدرك أن الوضع الراهن يصبّ في مصلحتها. اتضح تنامي نفوذها في أحدث استطلاعات للرأي غداة الاعتداءات، فهي تشير إلى أن عدداً إضافياً من الفرنسيين يعارض استقبال اللاجئين أكثر من أي وقت مضى. كذلك، تفضّل غالبية ساحقة من الشعب 84 في المئة تشديد التدابير الأمنية التي تشمل فرض ضوابط على الحدود. حين سُئلت لوبان عن أول قانون رسمي ستصدره إذا أصبحت رئيسة فرنسا، ردت سريعاً وبلا تردد: {سأتوجه إلى القنوات الأوروبية كي أطالب باسترجاع سيادة فرنسا. أريد أن أستعيد السيطرة على عملتنا وحدودنا}.

في أواخر أكتوبر، جلست وراء مكتبها في غرفة ضيقة داخل البرلمان الأوروبي في ستراسبيرغ. كانت تضع سيجارتها الإلكترونية في جهاز الشحن، وكان الكتاب المصوّر الوحيد على رف الكتب يتعلّق بالقطط. تحبّ لوبان القطط ولديها أربعة منها.

نفوذ متزايد

تشير استطلاعات الرأي إلى أن مواطناً فرنسياً من ثلاثة يمكن أن يفكر الآن بالتصويت لها. بالنسبة إلى مناصريها، هي منقذة فرنسا وهم يتّكلون عليها لاسترجاع عظمة البلد الغابرة. لكن بالنسبة إلى خصومها، تُعتبر لوبان عدوتهم اللدودة والحقودة وتنجح بحسب رأيهم وتزداد قوة بناءً على إخفاقاتهم.

نجحت مارين لوبان على عكس والدها جان ماري لوبان. تُعتبر الآن جزءاً من النخبة السياسية وأصبحت بمصاف فرانسوا هولاند والرئيس السابق نيكولا ساركوزي. يتساءل الجميع الآن عن فرصتها في الفوز بالرئاسة بعدهما. تشير التكهنات لعام 2017 إلى أنها ستصل إلى الجولة الثانية من الانتخابات مع هولاند، وهو نجاح لا يتوقعه أحد من حزبٍ كان جزء كبير من الفرنسيين يكرهه منذ بضع سنوات.

في البداية، لم تكن تنوي الترشح في مقاطعتها نور با دو كاليه- بيكاردي. لكنها لم تستطع مقاومة طموحها ورغبتها في الفوز في انتخابات مبنية على قوة أصوات الشعب وليس أصوات حزبها. اختارت لوبان مركزها اللوجستي في منطقة هينان بومون حيث انتُخِب زميلها في الحزب ستيف بريوس كرئيس بلدية في الانتخابات البلدية خلال السنة الماضية. بريوس عنصر أساسي في استراتيجيتها الرامية إلى ترسيخ وجودها على المستوى المحلي. يشبه قليلاً بروس ويليس في شبابه.

مناطق منسية

هينان بومون جزء مما وصفه عالِم الجغرافيا كريستوف غيلاي بـ«فرنسا الهامشية} المنفصلة عن أجزاء البلد المزدهرة، وتشمل فئات من الطبقة العاملة والمزارعين وموظفين متواضعين يعيشون حياة بسيطة نسبياً، ولا تجذب هذه الحياة الكثيرين في باريس. وفق نظرية غيلاي، كل من يعيش بعيداً عن المدن الكبرى يشعر بأنه ضحية العولمة وأزماتها وينتقم لنفسه عبر التصويت لصالح {الجبهة الوطنية}.

صحيح أن فرصة {الجبهة الوطنية} ضئيلة في باريس، لكن تبدو فرصتها أفضل بكثير في الشمال. إنه جزء من {مناطق فرنسا المنسيّة}، بحسب لوبان.

حين اختير برويس كأفضل رئيس بلدية في فرنسا في وقت سابق من السنة، قاطع رئيس الجمعية الوطنية الذي كان يُفترَض أن يقدم الجائزة الحدث. لكن يفتخر برويس بهذه الجائزة بقدر ما يفتخر بالعمل مع زعيمة الحزب. يناديها مارين بكل بساطة مثل جميع مناصريها. يقول: {غيَّرت كل شيء. نهجها مختلف بالكامل عن نهج والدها}. هي مصممة فعلاً على بلوغ السلطة، بحسب قوله. حين كان هو وأعضاء الحزب يوزعون المنشورات في ساحة السوق، كانوا يتعرّضون للانتقاد والاعتداء أحياناً. لكن ما عاد يحصل ذلك اليوم. بل يهتف لها الناس الآن: {أهلا بك مارين!}. منذ بضعة أشهر، كتب صحافي يعمل في صحيفة فرنسية شهيرة أن مارين {تلقى ترحيباً مثل نجوم البوب}. حين طُبعت المقابلة، هدّد الناشر بطرد الصحافي بسبب أسلوبه المنحاز. لكنه كان ينقل الحقيقة بكل بساطة. يتعامل الناس مع لوبان وكأنها نجمة فعلاً في بعض المناطق.

تقول مارين إنها ستدعم المهن التجارية والشركات الصغيرة في المنطقة وستستعين بأطباء إضافيين لمعالجة المسنين والمرضى: {يسخّرون جميع الإمكانات للمهاجرين غير الشرعيين لكن من يهتم بالمتقاعدين المحليين؟. وحدهم الأجانب يحصلون على الدعم هنا. تسرق الحكومة من الفرنسيين وتعطي أموالهم للغرباء}.

يبدو أن فرنسا بدأت تركّز في خطابها على وضعها الداخلي. يظن ثلثا الفرنسيين أن السياسيين يساعدون المهاجرين أكثر منهم. قبل عهد مارين، كانت {الجبهة الوطنية} أقرب إلى الحركة الاحتجاجية وكانت تتكل على طريقة جان ماري لوبان في تسجيل النقاط والإدلاء بتصريحات استفزازية. تابع معارضة الرأي العام وجذب الانتباه حتى النهاية، إلى أن طردته ابنته من الحزب الذي أسسه في الصيف الماضي. أصبح والدها يطرح تهديداً على نجاحها الخاص. لم يكن جان ماري لوبان يهتم بالعمل السياسي الشعبي أو بالسياسة المحلية، وكان يدير الحزب من منزله الفخم في الجزء الغربي من باريس. لكنّ مقاربة ابنته مختلفة.

في السيرة الذاتية التي كتبتها لوبان حين كانت تبلغ 36 عاماً، تصف رؤيتها المستقبلية عن {الجبهة الوطنية} باعتبارها قوة سياسية تؤدي دوراً بارزاً في أنحاء فرنسا. حصل ذلك قبل طلاقها الأول وكانت مضطرة حينها إلى الاعتناء بأولادها الثلاثة الصغار. لم يكن مسارها نحو المراتب العليا سهلاً، فهي لم ترث منصبها من والدها. لكنها ورثت منه حبّها للسياسة والرغبة في التضحية بكل شيء لأجلها، بما في ذلك حياتها الخاصة وأولادها.

انتُخبت لوبان كرئيسة للحزب في عام 2011، وأصبحت اليوم، بعد مرور خمس سنوات، لا تُقارَن بأحد. تفضّل اتخاذ القرارات خلال محادثات مباشرة ويُعتبر أسلوبها القيادي فظاً، لكن حتى هذا الوصف يبدو مثيراً للإعجاب. يقول الكثيرون إن مركز القوة في الحزب يكمن {في مطبخ مارين}.

تسيطر السياسة على أفراد العائلة وكأنهم مصابون بمتلازمة ستوكهولم! وإلا كيف يمكن تفسير ما جعل مارين لوبان تتبع مسار والدها اليوم، علماً أن طفولتها اضطربت بسبب انشغال والدها بعمله طوال الوقت؟

تطهير الحزب

 

أصبح أولادها الآن مراهقين لكنها تعترف بأنها تشعر بتأنيب الضمير. تقول لوبان إن مشكلتها تشبه ما تواجهه أي أم عاملة: لا تملك الوقت الكافي لهم. تقول بكل وضوح وبرود إنها اضطرت في مرحلة معينة إلى اتخاذ قرار حاسم وقد اختارت فرنسا.

ثم أضافت بنبرة ألطف: {لم يعد الوضع سيئاً بالنسبة إلي بقدر ما كان عليه}. لا يحمل أولادها شهرة لوبان بل شهرة زوجها السابق: {النظرة إلي تختلف كثيراً عن نظرة الناس إلى والدي}.

كانت لوبان في الثامنة من عمرها حين تعرّض والدها لمحاولة اغتيال بقنبلة وُضعت تحت السلالم. أحدث الجهاز الذي كان يحتوي على 20 كلغ من المتفجرات حفرة ضخمة في مبنى الشقة حيث كانوا يقيمون، لكن لم يتعاطف أحد معهم. بالنسبة إلى مارين، كان ذلك الحدث كفيلاً بتقوية عائلة لوبان. وفق مقولة فرنسية، إما أن ينكسر القلب أو يزداد قسوة! تقول إن قلبها زاد قسوة. ألم تعد الإهانات تزعجها؟ تجيب: {لم تتأثر قدرتي على الشعور بالغضب}. تكره وصفها بالعنصرية ولا تفهم ما يجعل الناس يتهمونها بذلك.

حين أصبحت رئيسة الحزب، حاولت محو بصمة والدها في {الجبهة الوطنية}. تختلف آراؤها عن آرائه في مواضيع مثل الإجهاض والمثلية الجنسية والعلاقات خارج إطار الزواج، فهي لم تتزوج من شريك حياتها لويس إليوت، نائب رئيس الحزب. تقول إنها تؤيد قيم الجمهورية الفرنسية، بما في ذلك النزعة العلمانية. لكن بالنسبة إليها، لا تبدو العلمانية قيمة عالمية بل إنها موجّهة في المقام الأول ضد المسلمين. من وجهة نظر لوبان، تشمل الرموز الدينية غير المقبولة الحجاب والمساجد وقوائم الطعام الخالية من لحم الخنزير في كافتيريا المدارس. أصبحت خطاباتها أكثر حدة منذ أن عزلت والدها من الحزب. تصف المهاجرين بالوافدين غير الشرعيين وتتجنّب استعمال كلمة {لاجئين} لأنها تشير على الأرجح إلى أشخاص بحاجة إلى الحماية.

استعانت لوبان بمجموعة مستشارين، وهم شبان يرتدون بذلات مرتبة، لإعادة هيكلة {الجبهة الوطنية}. لم يرتبط معظمهم بالحزب في الماضي بل كانوا يؤيدون اليمين الوسطي أو اليسار المتطرف.

يُعتبر فلوريان فيليبو (34 عاماً) خير مثال على ذلك. فيليبو، صاحب الوجه الطفولي، هو الخبير الاستراتيجي للوبان والمسؤول الثاني في الحزب. يجسد كل ما تكرهه لوبان، في خطاباتها على الأقل. يقول ذلك شخصياً: {أنا نتاج نخبة فرنسية}! كان مسؤولاً بارزاً في وزارة الداخلية قبل أن يصبح سياسياً وهو خريج مدرستين مهمتين في فرنسا: كلية الدراسات التجارية العليا في باريس والمدرسة الوطنية للإدارة.

كذلك تحضر في اللائحة نفسها ماريون مارشال لوبان. تبلغ ابنة شقيقة مارين الكبرى، يان، 25 عاماً وقد انطلقت في مسيرة مهنية لامعة خلال فترة قصيرة جداً.

فلوريان فيليبو

في بداية شهر نوفمبر، كان فلوريان فيليبو يتردد على شقة واسعة تعود إلى مرشده برتراند دوتيل. عمل دوتيل سابقاً كمدير تنفيذي بارز في شركة كهرباء فرنسا التي تملكها الحكومة، وهو جزء من عائلة أرستقراطية تعود جذورها إلى القرن الخامس عشر. عمل أيضاً كرئيس الموظفين لدى وزير الداخلية السابق جان بيار شيفينما اليساري اللاذع، وصمّم فيليبو ملصقات حملته حين كان في العشرينات من عمره. وعندما أصبحت مارين رئيسة {الجبهة الوطنية}، انضم الرجلان إلى الحزب. يعلّق دوتيل في مكتبه صورة لوبان بالقرب من صورة شيفينما وطُبعت عليهما عبارة {نعم فرنسا!}. يقول دوتيل إنه لم يكن يتخيّل يوماً أن يصبح عضواً في {الجبهة الوطنية}. في البداية، أبقى فيليبو مشاركته في الحزب سراً ولم يشأ أن يتكلم بالموضوع مع أحد. بحسب رأيه، يفكر الناس بطريقة تقليدية في المؤسسات الفرنسية النخبوية. يظن الجميع في هذه الأوساط أن الاتحاد الأوروبي عظيم، وأن توافد المهاجرين إيجابي، وأن الحدود مسيئة والسيادة الوطنية بالية جداً. لكن كان فيليبو يحمل آراءً مختلفة ولا يزال يتبناها حتى اليوم. لا يحب أوروبا. حتى أنّ بعض طلابه السابقين يقولون إنه يكرهها. بعد سنوات من بدء استعمال عملة اليورو، لا يزال فيليبو يفضل المطاعم التي تعرض أسعارها بالفرنك الفرنسي. يحب أن يقارن الاتحاد الأوروبي بالنجوم في الكون: نحن نتابع مشاهدة ضوئها لكنها لم تعد موجودة منذ فترة طويلة!

بالنسبة إلى فيليبو، لا يمكن لوم أحد إلا الاتحاد الأوروبي على مشاكل فرنسا، بما في ذلك ارتفاع مستوى الدين والبطالة وتدهور الاقتصاد. يظن أن العولمة مرادفة للتراجع وتقضي الطريقة الوحيدة لمحاربتها بضبط الحدود واستعادة السيادة الوطنية.

تتعلق المشكلة في استراتيجية {الجبهة الوطنية} المضادة لليورو في واقع أنها بلغت أقصى قدراتها. هي غير منطقية بالنسبة إلى أصحاب الدخل المرتفع، فهم يدركون استحالة إرجاع الزمن إلى الوراء في أوروبا. هذا ما يفسر ما جعل لوبان في الأشهر الأخيرة تحاول ضمناً عدم التركيز على دعوة فرنسا إلى مغادرة منطقة اليورو. تسعى أيضاً إلى جذب الطبقة الوسطى الآن وتريد تغيير صورة {الجبهة الوطنية} التي يعتبرها الكثيرون حركة للمحرومين. إذا انتُخبت رئيسة للبلاد في عام 2017، تخطط، مثل رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، لإجراء استفتاء حول عضوية الاتحاد الأوروبي.

لم تعد تتعهد بجعل سن التقاعد في عمر الستين وبتقديم دخل أساسي غير مشروط لجميع المواطنين الفرنسيين. حتى أسبوع العمل الذي يمتد على 35 ساعة لم يعد يزعج لوبان. من الواضح أنها تغير برنامجها الاقتصادي بما يتماشى مع الواقع.

اهتزّ جهاز {بلاكبيري} الذي يحمله فيليبو. إنها مارين التي تتصل به مجدداً. يتحدثان على الهاتف حتى 15 مرة في اليوم. يطلق فيليبو حملته في شرق فرنسا، على طول الحدود مع ألمانيا. تحمل مقاطعته اسم ألزاس- لورين- شامباني- أردين وهي تشمل سبعة ملايين نسمة. يركز على استراتيجية العمل ويغزو حرفياً مناطق جديدة في هذه الانتخابات. لطالما دعم رفع مستوى الحرفية في الحزب أكثر من أي سياسي آخر في {الجبهة الوطنية}، لذا أنشأ مجموعات تحمل أسماء جاذبة وتهدف كل واحدة منها إلى معالجة مشاكل محددة مثل الثقافة والبيئة والشباب والتعليم. لا تزال {الجبهة الوطنية} قوية وسط الطبقة العاملة والعاطلين عن العمل. لكن بدأت شعبيتها تزداد أيضاً بين الشباب وتشمل منظمتها الشبابية، {جبهة الشباب الوطنية}، نحو 25 ألف عضو.

ماريون مارشال لوبان

المنطقة الثالثة التي يرتفع فيها احتمال فوز {الجبهة الوطنية} هي مقاطعة بروفنس- ألب- كوت دازور حيث تخوض ماريون مارشال لوبان حملتها. هي ابنة شقيقة مارين الكبرى، وتتوقع أحدث استطلاعات الرأي فوزاً بفارق بسيط لأصغر عضو في {الجمعية الوطنية}.

لا يرتكز نجاحها على جاذبيتها أو شهرتها حصراً. لا شك أنها لم تتضرر من هاتين الميزتين، لكنّ خالتها ليست الشخص الوحيد الذي يؤمن بالموهبة السياسية التي تتمتع بها مارشال لوبان. تشمل المنطقة التي تترشح فيها خمسة ملايين نسمة وهي تمتد من الحدود الفرنسية الإيطالية إلى مرسيليا وتمرّ بتلال جبال الألب السفلية.

لطالما كانت {الجبهة الوطنية} نافذة في الجنوب الريفي الكاثوليكي المحافظ، إذ ترتفع نسبة البطالة في هذه المنطقة أكثر من أي مكان آخر في البلاد. بعد نهاية حقبة الاستعمار، استقر مئات آلاف المهاجرين من شمال إفريقيا في مدن صغيرة وخلابة من هذه المنطقة. يشعر معظم الفرنسيين الذين يعيشون هناك بوجود عدد مفرط من المهاجرين.

لهذا السبب على الأرجح تبدو مارشال محافظة أكثر من خالتها. هي تُعتبر وريثة جدها جان ماري لوبان الذي كان ينوي الترشح أصلاً في هذه المنطقة. بعد أسبوع على اعتداءات باريس، ها هي تقف داخل صالة في ضواحي أفينيون وتبدأ عرضها بدقيقة صمت.

بالكاد مرت ثلاث دقائق قبل أن تبدأ بانتقاد الحكومة، وتحديداً رئيس الوزراء مانويل فالس والرئيس هولاند {لأنها يستعملان الآن خطابنا} كما تقول. كان لا بد من سقوط 130 قتيلاً كي يدركا أن الهجرة الجماعية تطرح تهديداً على البلد. على عكس خالتها، لا تتحدث من دون قراءة ملاحظات مدوّنة مسبقاً. اقتبست مارشال كلام فيكتور هوغو وتشارلز بيجوي وبدت خطاباتها أشبه بعروض مفصلة حيث تُعتبر فرنسا، ولا سيما منطقة الجنوب، مهد حضارة راقية باتت مهددة من قوى خارجية بدائية.

تستطيع مارشال أن تطرح أفكاراً هجومية بصوت حاد وأن تبدو في الوقت نفسه شابة راقية. حتى جدها معجب بقدرتها هذه. فهو قال في الربيع الماضي إن ماريون تحوّلت إلى سياسية مدهشة. تعتبر نفسها كاثوليكية ملتزمة وقد تظاهرت ضد زواج المثليين على عكس مارين لوبان. يشمل فريق حملتها مرشحين كانت {الجبهة الوطنية} قد رفضتهم سابقاً لأنهم متطرفون أكثر من اللزوم. أحدهم هو فيليب فاردون، عضو في {كتلة الهوية} اليمينية المتطرفة التي عارضت {أسلمة الجنوب} عبر حملات معادية للأجانب.

عشية ذلك اليوم، قالت أمام جمهورها: {في حزبنا هنا، لا أحد يتجول وهو يرتدي الحجاب أو البرقع أو الجلباب. يرتدي الناس هنا ما يرتديه الفرنسيون. يجب أن ندافع عن هويتنا وقصورنا وكاتدرائياتنا وراسين وموليير}.

ثم كررت شعار خالتها الشهير: {البارحة المدن، اليوم الأقاليم، وغداً البلد كله}!

back to top