الفردوس المحرّم
لم أكن أعرف حجم الحضور الهائل لكلّ ما هو خفي وماورائي في حياتنا اليومية، حتى اكتشفت ذلك بنفسي، إذ كلّ إنسان على ما بدا لي لديه جانب باطني، يكاد لا يظهره على أحد حتى يأتي أوان من ينبشه من أعماقه ويخرجه إلى العلن، لا سيما حين يصطدم بموت عزيز، أو بحدث مدوٍ يتركه غارقاً في دوامة الحيرة!حتى أصدقائي الذي يتبجحون بأنهم ملاحدة لا يؤمنون بوجود خالق لهذا الكون، ولا بتدبير محكم له، ويتندرون على المؤمنين {المتخلّفين} كما يطلقون عليهم، تمرّ عليهم لحظات كثيرة، ينكصون فيها إلى البئر السرّي العميق في ذواتهم كي ينقذهم ولو قليلاً من الحيرة التي تنتابهم، والأحداث التي تعصف بهم، وتجعل الحليم فيهم حيران لا يلوي على شيء!
التقيت الدكتور جمال، ذات مرّة في ندوة ثقافية عن {كنوز الأردن الأثرية}. أعجبتني تحليلاته، وطريقة تفكيره، وحماسته العجيبة، وعرفت بعد أن اقتربت من عالمه أكثر أنه خريج إحدى الجامعات البريطانية العريقة في تخصص الآثار، ولديه تفسيراته الخاصة بشأن ما جرى للحضارات القديمة، غير أنّه لم يكن مستقراً في عمل، حتى يتركه لآخر، فقد كان كما بدا لي مزاجياً وحالماً معاً، لم تستطع السنوات الطويلة من عيشه في {كارديف}، وزواجه من {ويلزية} هناك، وترمله لاحقاً أن تجعله ينسجم مع معيشته في عمان، واكتشفت هوسه الخاص بأمرين، أولهما البحث عن الدفائن، لا بل تورطه الأكيد بالذهاب إلى مغامرات عدة مع عصابات البحث عن التحف القديمة والكنوز الغابرة في شعاب الأردن وجباله، أما المسألة الأخرى فهي هوسه بالنساء، وقد كان خلطه بين الأمرين مسألة عادية إذ سرعان ما ينتقل في حديثه بين الموضوعين دون مبرر إلا ما يعتمل في أعماقه لحظتها!كان يصف لي بما يشبه الخيال رحلاته لمطاردة الدفائن مدججاً بالخرائط والإشارات وفريق من الحالمين أمثاله، ولم أستطع أن أستوعب كيف يمكن للباحث أن يكون ضد مبادئه، ويغريه بريق الذهب، هذا إن وجده أصلاً، فلم أشعر يوماً بأثر مغامراته الطويلة على تبدل حياته نحو الثراء، بل بالعكس بدا لي أنه يجاهد في سبيل لقمة العيش، ولهذا قرر أخيراً أن يهجر البلاد، ويعود إلى بريطانيا بعد أن أضنته متطلبات الحياة اليومية بلا رحمة.وقال لي مرّة:الفقر في الوطن غربة، والغنى في الغربة وطن، ولا مقام لي في بلد يحتضن بحنان 45 جنسية من اللاجئين القادمين حتى من الصومال والبوسنة والهرسك والواق واق، ولا يحنو ولو بقطرة على أبنائه الذين أفنوا شبابهم ما بين التعليم والجيش!اسمعني يا زلمة: بلدنا مأكول مذموم مثل خبز الشعير كما تقول أمي، هذا من ضيوفه، فما بالك ببعض أهله الذين أكلوه حيّاً ورموه أشلاء من شدّة الفساد، ورغم الإدارات التي أُنشئت لمكافحته، فإنّ هذا السرطان لا يرحم، ويستشري بشدة!ثم فجأة تتغير نبرات صوته، ويأخذ بالشتائم المختلطة برذاذ بصاقه، خصوصاً والمقام يتسع لمثل ذلك: يا عمي البلد بيعت ممن يعتبرونها فندقاً أكثر من كونها وطناً، كلنا نعرفهم، ولا نستطيع البوح، وإن بحنا لا أحد يسمع!لعنة الله عليهم، دعنا من سيرتهم العفنة!أما في لحظات هدوئه، وسرحانه في الخيال الملون فقد كان صديقي الدكتور يحدثني عن كهوف تحت الأرض في منطقة الكرك، وأخرى في جبال عجلون تحتوي على ما يشبه المدن السرية، فيها أعمدة وممرات وأقبية وغرف حصينة وقاعات فسيحة تحتوي على كنوز لا تقدر بثمن!كاد يبكي أمامي ذات يوم، وهو يصف التماثيل المصنوعة من الذهب الخالص بالحجم الطبيعي، والصناديق التي تحتوي على العقيق والزبرجد والياقوت واليشب وعين الهر واللؤلؤ وأندر الحجارة الكريمة وأنفس المعادن!قال لي: تصور فقط لو أن الدولة تسمح بفتح هذه المغارة وحدها لأصبحت مديونية الأردن لدى البنك الدولي صفراً، ولعاش الناس في رخاء!ثم انفجر من جديد: يا رجل لا أحد يريد لهذا البلد أن يعيش في بحبوحة، هل تريدني أن أصدق مثلاً أن الدول المجاورة لنا جميعها تغصّ بحقول البترول وبلدنا لا شيء فيه. الأمر واضح. ثمة قرار سرّي منذ تأسيس الدولة بداية العشرينيات بأن نعيش تحت حاجة الضغط، وقبول الصدقات من جيراننا البتروليين، بحيث نقبل في النهاية أن تكون بلدنا ملجأً لكل الهاربين من الأزمات والحروب، وستثبت لك الأيام صدق ما أقول…!بدا لي مدججاً بالقهر ومغلوباً على أمره، وإن لم يغادر إلى هجرة جديدة سيصبح مثل قنبلة مفخخة قابلة للانفجار، وقد تقتل ذاته، أو من حوله في أي لحظة، وعجبت من رجل يعيش في بلاد الغرب التي تتسع للجميع، ولا يحتمل فكرة أن تكون بلاده كذلك، وقلت في نفسي، أيّ شيزوفرينيا تحل على أبناء العرب بلا هوادة فلا تفرق بين متعلم أو أمّي!كنت ضعيفاً أمام وصفه الدقيق، وتحمّسه للأمر بحيث كدت أشاركه البكاء على حالنا، غير أنّي لم أفهم قط لم الدولة عندنا غبية إلى هذه الدرجة، ولا تقوم بفتح تلك المغارة، أو تستخرج ذلك الذهب الأسود الذي يتلاطم تحت صحرائنا الجنوبية أو ربما في أعماق البحر الميت؟تلك أسئلة لم يستطع أن يجيبني عنها بشكل مقنع، طيلة معرفتي به، كانت إجاباته دائماً غائمة، مقتطعة من سياقاتها، وجمله مرتبكة، على الأقل بالنسبة إلى الكهوف التي تحتوي على الكنوز، إذ لم أكن مهتماً بالمسائل السياسية التي طرحها، لا سيما ما يتعلق بإثبات وجود النفط بكميات هائلة كما قال، وكنت أتجنب أيضاً لحظات حنقه حتى لا يطالني شيء من رذاذ بصاقه وهو ينفثه بشدة مع كلمة {إتفوووو».كان ينسب أمر فتح الكهف لما يطلق عليهم {الرصد} الذين يحرسون بوابته، وهم كائنات لامرئية كما أخبرني ذات مرة، ولكنّ أثرهم قد يكون واضحاً في مهاجمة الباحثين، والتسبب لهم بالأذى من الشلل إلى الجنون أو الموت أحيانا كما ادّعى، ومرة يقول بأنّ هذا {الرصد} نوع من الحيل العلمية أشبه بالمصائد الميكانيكية للداخل إلى الكهف مصممة من قبل حضارة متطورة بحيث لا يستطيع أحد من الغرباء أن يدخل إلى هناك، ومن ذلك أن تهبط الدرجات بالداخل إلى بئر عميق فيهوي فيه دون رجعة، أو يسقط عليه حجر من السقف فجأة ويتركه صريعاً، أو تهب عليه ريح السموم، ومرة يقول إن الموضوع أكبر من الدولة نفسها، فثمة أقمار صناعية أميركية تراقب هذا الكهف بحيث لا تسمح لأحد بالدخول إليه، ومرة يحيل الأمر إلى شخصيات عليا بالدولة تتولى هذا الملف ولا تسمح لأحد بالاقتراب منه، وهكذا كنت أخرج كلّ مرة بحكاية مشوّقة، ولكن من دون أيّ قطعة ذهب، أو حتى حجر كريم أو معدن نفيس أو خسيس!قلت له مرة: يا رجل لو تسمع الجامعة التي تخرجت فيها أنك تؤمن بالجنّ الذين يحرسون الدفائن، وأنت أستاذ جامعي في الآثار والحضارات القديمة فمن المؤكد أنها ستعيد النظر في منحك شهادتها الأكاديمية!ضحك طويلاً وقال: لو تدري من يبحث معي عن الدفائن لعرفت أنّ الأمر لعنة طامة، لا تستثني دكتوراً ولا سائق بلدوزر، ولكنّ موضوع الجنّ موجود بالقرآن، وأنا أؤمن به، بغض النظر عن شهادتي، الأمر حقيقي، لقد شاهدت بنفسي بعض ما يظنه الناس خرافات في الليالي المظلمة، تلك حكايات لن يصدقها أحد يا عزيزي {الملحد} وقال كلمته الأخيرة مختلطة بسخرية جلية، فهو يعرف أن هذا اللقب لا ينطبق عليّ لكنه في كل الأحوال لم يكن مطمئناً إلى أفكاري الدينية تماماً، خصوصاً أنه كان يتركني أحياناً بحجة الذهاب إلى صلاة العصر أو الوضوء لصلاة المغرب دون أن يجدني له من التابعين!كنت أشعر بأنّ الحقائق في حكايات الدكتور تختلط لديه بالمخيال الجامح، وأيضاً بالرغبة الباطنية في أعماقه كي يعثر على كنز يجعل منه ثرياً كبيراً حتى نهاية حياته، مرة خصّص لي شرحاً وافياً عن {الزئبق الأحمر} وأنّ صديقاً مقرباً له يملك قطرات منه، ويريد بيعها بخمسة ملايين دولار، كان يتحدث إليّ لعلي أجد له زبوناً ثرياً يمكن أن يدفع هذا المبلغ لشرائها، وقلت له حينها: يقال بأن هذه المادة من الأوهام وغير موجودة أصلاً..!قال لي: بل أنت الواهم، وإن أردت سأريك إياها، أنا شاهدتها بنفسي!وراح يكشف لي عن ميزاتها، فبعض الأثرياء جداً، ورؤساء الدول، حقنوا أنفسهم ببضع قطرات منها لأنها تساعد الإنسان على البقاء شاباً رغم تقدمه بالعمر، وقال لي مرة بأن بعض الرؤساء العرب وأصحاب الملايين استخدموا هذه المادة، وذكر لي بعض الأسماء الشهيرة بصوت خفيض، ثم أضاف: ألم تشاهد وصولهم إلى الثمانينات وبقاء أجسادهم مشدودة، ووجوههم غير متغضنة، إضافة إلى ما نسمع عن فضائحهم الجنسية!ولكن الأمر المهم في الزئبق الأحمر هو أنه يتم بيعه للجن، مقابل خدمات معينة يقدمونها لمن يمنحهم إياه، أو أموال طائلة، وأنّ هذه المادة ضرورية لهم، ويحرصون على الحصول عليها بأي ثمن!لكنّ كل هذه الحكايات لم أجد لها سنداً في الواقع، رغم أنّ طريقة سرد الدكتور للأحداث، والمغموسة بالكثير من الأيمان تجعل السامع يشعر بأنّ الأمر كله بين يديه، وأنه جاهز في التوّ والحال لأن يريك المغارة التي تحتوي على كنوز علي بابا، أو زجاجة بها قطرات من إكسير الحياة، أما مسألة بيع شيء محسوس مثل الزئبق الأحمر الخرافي لكائنات غير محسوسة فتلك معضلة سألته عنها، فكانت إجابته بسيطة: السحرة وبعض الروحانيين يقومون بهذه الوساطة لهذا يجب علينا أن نبحث عنهم أولاً !لكن حكاياته عن الأيام التي قضاها في منطقة جبل نبو قرب {مادبا} مع مجموعة من الباحثين عن قبر النبي موسى برفقة جنرال إسرائيلي، وباحثة في التصوف من تل أبيب ومجموعة من المغامرين من عُمان والمغرب وفلسطين إضافة إلى المستضيفين الأردنيين، فهي تحتاج إلى أن يأخذ المرء نفساً عميقاً، كي يتهيأ لمعرفة السر الذي طوته القرون كما أخبرني، وخفي طويلاً عن العيون!وهذا سيكون له مقام للبوح في أوانه!