القهوة في أزمة؟

نشر في 11-08-2015
آخر تحديث 11-08-2015 | 00:01
الجفاف، الفيضانات، الأمراض... بدأت التبدلات المناخية تؤثر في مصدر الكافيين الرئيس في العالم. لذلك يسأل ديفيد روبنسون: هل نواجه نهاية القهوة كما نعرفها؟ عندما نرتشف أكواب {اللاتيه} والإسبرسو» ونقرأ أبرز عناوين الأخبار، قد تبدو لنا التبدلات المناخية خطراً بعيداً. ولكن إن انتقلت بضعة آلاف الكيلومترات إلى مصدر الكافيين هذا، تكتشف أن هذه الاضطرابات حقيقية.

لنتأمل حالة مزارعي القهوة في شياباس بالمكسيك الذين قابلتهم أخيراً الباحثة إليزا فرانك من جامعة كاليفورنيا بسانتا باربرا. فمقارنة بالأمطار الخفيفة التي اعتادوها، يشهدون في الآونة الأخيرة تساقط المطر بعنف، ما يغرق نباتاتهم بالماء. أخبر أحد المزارعين فرانك: «عندما كنا صغاراً، ما كان المطر يتساقط بهذه الغزارة. نتيجة لذلك، تراجعت إنتاجية النباتات لأن أوراقها وثمارها تسقط بسبب الرطوبة».

كان المزارعون في هذه المناطق ينعمون بأحوال جوية معتدلة مستقرة. لكن الوضع تبدل اليوم مع تأرجح الحرارة بين البرد الذي يوقف النمو والحر الذي يجفف الثمار قبل حصادها. أضف إلى ذلك الأعاصير وانزلاق التربة. فمن الممكن للطين أحياناً أن يبتلع مزارع بأكملها. وكما ذكر أحد المزارعين: «الطقس غريب. نشهد تطورات لم نعتدها من قبل».

قهوة الذروة

لا تقتصر هذه المشاكل البتة على المكسيك. يرى المزارعون في أميركا الجنوبية، آسيا، وأفريقيا نباتات القهوة تذبل بسبب الجفاف، المطر الكثيف، والآفات التي تجتاح محاصيلهم نتيجة الاحتباس الحراري العالمي.

ومن الممكن أن تنعكس نتائج هذه الاضطرابات قريباً على المنتجات المتوافرة في المقاهي قرب منزل كل منا. يستمتع العالم اليوم بعادة تناول ملياري كوب قهوة كل يوم. ولكن كيف يمكننا أن نضمن تدفق القهوة، في حين تعاني المحاصيل بطش الأحوال الجوية القاسية؟ وإذا عجز المزارعون عن سد الطلب، هل نبلغ قريباً {قهوة الذروة}؟

يعرب البعض عن قلقه من ألا تؤدي جهودنا لمحاربة هذه التحديات إلا إلى مزيد من الخراب البيئي. ويقترح آخرون أن الحل الوحيد تغيير نكهة هذا الشراب المحبوب بحد ذاته. بغض النظر عن الجواب، استمتع بكوب الاسبرسو ما دمت تستطيع ذلك: فقد نواجه قريباً نهاية القهوة كما نعرفها.

تعود هذه المشكلة في جزء منها إلى رقي ذوقنا. ثمة نوعان من البن التجاري: البن العربي العطر والبن القصبي أو الصلب المر. وبفضل نكهاته المعقدة، يُعتبر البن العربي الأكثر استعمالاً حول العالم، مشكلاً نحو 70% من القهوة التي نتناولها.

لكن هذه الصفات المميزة التي نفضلها تنعكس سلباً على قوة النباتات: فهي أكثر تأثراً بالإجهاد من قريباتها القصبية. وكما أوضحت مجلة BBC أخيراً، أُنتجت كل نباتات البن العربي التجاري تقريباً من مجموعة صغيرة من النباتات أُخذت من جبال إثيوبيا، ما حدّ بالتالي من تنوعها الجيني وجعلها أكثر عرضة للتغييرات المناخية. لكي تنمو هذه النبتة بشكل سليم، من الضروري أن تظل الحرارة معتدلة وتتراوح ضمن مدى محدود، من 18 إلى 22 درجة مئوية، فضلاً عن أنها تحتاج إلى مطر رقيق منتظم. يوضح كريستان بون من جامعة هامبولد ببرلين: {تحتاج هذه النباتات إلى مناخ محدد جداً لا يتوافر إلا في مواضع قليلة حول العالم}. لذلك يُعتبر محصولها مختلفاً تماماً عن محاصيل أخرى، مثل الذرة، علماً أن هذه الأخيرة أُصلت على مر آلاف السنين لتتأقلم مع الأحوال البيئية المختلفة.

لا تستطيع نباتات البن العربي الرقيقة التأقلم بكل بساطة مع الظروف الجديدة وغير المتوقعة التي ترافق الاحتباس الحراري. على سبيل المثال، يبدو أن ارتفاع الحرارة في المكسيك حمل معه مطراً غزيراً يقصف النباتات قبل أن تثمر. تذكر أينهوا ماغراش من معهد الأنظمة البيئية الأرضية ETH في زيورخ: {لا تزهر نبتة البن إلا لثمانٍ وأربعين ساعة. وإن حدث خطب خلال هذه الفترة، مثل هبوب عاصفة، يتلف المحصول بأكمله}.

عواقب كارثية

تواجه أماكن أخرى حول العالم مشكلة مناقضة تماماً: الجفاف. عندما سألت أوكسفام منتجي البن في جبال روينزوري في أوغندا عن محاصيلهم، اشتكوا من أن المواسم الأكثر حراً وجفافاً تسبب سقوط الأزهار قبل أن تتحول إلى ثمار. حتى عندما تتفح أزهار النباتات، تكون الحبوب صغيرة وجافة. وتنبع مشاكل إضافية من واقع أن أعداء نبتة القهوة يزدهرون في المناخات الأكثر حراً، بما فيها آفات (مثل آكلات الورق وثاقبات حبوب البن وغيرها من الحشرات الآكلة النباتات) وأمراض (مثل صدأ الأوراق) تتلف المحاصيل. على سبيل المثال، خلال الحالة الأخيرة من تفشي الأوبئة، تراجعت المحاصيل في أميركا الوسطى بنحو 20% بحلول عام 2013 بعد انتشار مرض صدأ الورق، علماً أن هذه الحوادث قد تزداد شيوعاً مع ارتفاع دراجات الحرارة.

لكن احتساب الكلفة الطويلة الأمد ليس بهذه البساطة، فمن الصعب فصل الحوادث المخيفة الفردية عن الميل العام الأكثر شمولية. إلا أن فريقاً من الباحثين تأمل محاصيل البن في تنزانيا منذ ستينيات القرن الماضي، وأكتشف أنها تراجعت من 500 كيلوغرام في الهكتار الواحد إلى 300 كيلوغرام اليوم. والأهم من ذلك أن هذا التراجع يزداد مع ارتفاع الحرارة بنحو 0.3 درجة مئوية كل عقد وما يرافقه من انخفاض في كمية المطر المتساقط.

لا شك في أن كل هذه الوقائع ترسم صورة قاتمة عن مستقبل القهوة. فبالاعتماد على أحدث الأرقام عن التبدلات المناخية حول العالم، تتوقع حسابات بون أن مساحة الأرض المناسبة لزراعة البن العربي قد تتراجع بنحو 50% بحلول عام 2050. أما مناطق إنتاج البن الكلاسيكي الأكثر تأثراً، فتشمل فيتنام، الهند، ومعظم أجزاء أميركا الوسطى.

ستكون العواقب كارثية بالنسبة إلى المزارعين ومحبي القهوة على حد سواء. أولاً، نتوقع أن تتحول القهوة إلى منتج فاخر مع ارتفاع أسعارها بنحو 25% بحلول عام 2050، وفق حسابات بون في أطروحة الدكتوراه التي أعدها. ويضيف أن هذه الظاهرة ستكون بارزة، بما أن أسعار المحاصيل الأخرى ستتراجع تدريجاً مع التطورات التكنولوجية وتحسن الإنتاجية. وإذا أخذنا هذا في الاعتبار، فستصبح القهوة أكثر كلفة بنحو 50% مما كنا سنشهده لولا التبدلات المناخية، وفق بون.

بالإضافة إلى ذلك، من المستبعد أن يجني المزارعون الأرباح. وبعد سنوات من الاضطرابات، قد يقرر كثيرون بكل بساطة الانتقال إلى محاصيل أكثر استقراراً. يوضح بون: {عندما نعرض نتائجنا على منتجي البن، يؤكد الجميع صحتها. فقد بدأ المنتجون الصغار في أميركا الوسطى التخلي عن زراعة البن. ويُفضل الجميع الانتقال إلى زراعة المطاط}.

ولكن نظراً إلى الأموال المتوافرة في تجارة البن، لا شك في أن  آخرين سيسعون لملء أكوابنا الفارغة، إلا أن هذه الخطوة ستكبد البيئة خسارة كبيرة. أجرت ماغراش أخيراً مسحاً للمناطق الملائمة لزراعة البن العربي وقارنت هذه المساحات مع المصالح الطبيعية.

فتبين لها أننا سنحتاج في أسوأ الأحوال إلى القضاء على نحو 2.2 مليون هكتار من الغابات المطيرة لسد الطلب المتوقع (علماً أن هذه المساحة تعادل مساحة منطقة ويلز). ومن المؤكد أن هذا سيؤدي إلى خسائر كبيرة في التنوع البيئي.

مناطق ملائمة

ثمة حل أفضل. نظراً إلى صلابته، قد يتمكن البن القصبي من تحمل هذه التبدلات بفاعلية أكبر: تشير نماذج ماغراش إلى أن المناطق الملائمة لزراعته قد تتسع نتيجة ارتفاع درجات الحرارة. وإذا صح ذلك، قد يساهم تبدل بسيط في الأذواق في تفادي انهيار عالم القهوة، شرط أن نعتاد مرارته. تشير ماغراش: «لا شك في أن هذه الخطوة تُعتبر أفضل بالنسبة إلى الغابات». وتأمل ماغراش على الأقل أن توضح ماركات الطعام في المستقبل ما إذا كانت الحبوب مزروعة في مناطق هشة بيئياً، كي يعرف المستهلكون كلفتها البيئية ويتمكنوا من شراء منتجاتهم وفق معايير أخلاقية.

يأمل آخرون أن تنجح تقنيات الزراعة المطوّرة في إنقاذ إنتاج البن. من هذا المنطلق، تساعد مبادرة البن والمناخ أكثر من 12 منتجاً مختلفاً للبن في توحيد الجهود وتبادل المعلومات بشأن الطرق الفضلى للتعاطي مع هذه التحديات المستمرة. وتشمل الحلول المقترحة، مثلاً، تطعيم نباتات البن القصبي بسلالات من البن العربي، ما يولد محصولاً هجيناً أكثر مقاومة للجفاف يتمتع في الوقت عينه بمذاق البن العربي المميز. ومن الممكن أيضاً اعتماد التكاثر الانتقائي لإنتاج نوع يجمع أفضل ما في البن القصبي والعربي. تقول ماغراش: «يعمل الناس اليوم على هذه الحلول، ولكن لا نعلم متى سيتوصلون إلى سلالات جديدة ناجحة».

تعتمد معيشة المزارعين وغيرهم من العاملين في مجال القهوة (ما لا يقل عن 25 مليون شخص، وفق أحدث التقديرات) على التوصل إلى حل بسرعة. في الوقت الراهن، يواجه المزارعون حالة مستمرة من عدم الاستقرار، كما اكتشفت إليزا فرانك خلال مقابلاتها في المكسيك. ولا شك في أن من الصعب التكيف مع وضع مماثل. صحيح أن المزارعين يشاهدون نشرات الأحوال الجوية على شاشة التلفزيون، ويحاولون جاهدين الاستعداد للأمطار الغزيرة المقبلة، إلا أنهم عاجزون عن التصدي لقوى لا يمكنهم التحكم فيها أو السيطرة عليها.

يشعر بعض المزارعين أن هذا الموضوع بات من المحرمات. أخبر أحدهم فرانك: {قلما نتحدث عن المناخ. ندرك جميعنا ما آلت إليه الأحوال، وما بيدنا حيلة}.

back to top