بعد الانفصال... كيف نعيد بناء حياتنا؟
غالباً ما يكون الانفصال العاطفي أشبه بزلزال داخلي. كيف يمكن تحمّل الفراق وإعادة بناء الحياة واستعادة الثقة بالنفس؟ بحسب نصائح علماء النفس، يمكن تحقيق ذلك من خلال الاستفادة من الوحدة المستجدّة لأنها تشمل لحظات فريدة من نوعها وهي تضمن العبور نحو أعماق الذات...
لا شيء أسوأ من الانفصال العاطفي غير المتوقع. حين تغيب التفسيرات التي تبرر قرار الانفصال وتمهد لإنهاء العلاقة، تكون هذه اللحظة عنيفة وصادمة. فيشعر الشخص الذي تعرّض للهجر بأنه خسر قيمته وأهميته. تكمن الصعوبة أيضاً في الطابع المفاجئ الذي يحمله هذا الحدث لأنه يولّد نقصاً كبيراً بما يشبه أثر {الإدمان}. يسبب هذا الانفصال معاناة غير مفهومة وهي تكون عميقة جداً لدرجة أن يعجز الشخص عن التعبير عنها. لكن لا بد من تفريغ ذلك الألم المكبوت والحزن الذي يجتاح القلب ويفطره. مع ذلك، لا يعني التعبير عن المعاناة أن مداواة الجروح العاطفية ستحصل فوراً. يرفض البعض قرار الانفصال ويناقشون الموضوع مع الشريك لفترة طويلة أو يتابعون مقابلته بانتظام بعد الانفصال. حتى إنهم قد يحاولون الحفاظ على صداقة بين الطرفين لكن نادراً ما تنجح هذه الخطة لأن المعاناة تتجدد عند رؤية الحبيب وسرعان ما ينغلق الشخص المجروح على نفسه وينعزل مع ألمه. سواء كان الانفصال تدريجياً أو مفاجئاً، تبقى العواقب في البداية متشابهة: سنشعر بأننا فقدنا جزءاً منا!
نهاية التكامل بين الشريكينيؤكد المعالجون النفسيون أن فقدان الحب والأمان يجعلنا نشعر بالوحدة وسط عالم عدائي. وبسبب شعور النقص، سنغرق في العزلة التي تخترق أعماقنا. بعد هذه التجربة الصعبة، كيف يمكن العيش من دون الوثوق بالنفس وبالآخرين؟ غالباً ما تؤدي نهاية قصة الحب إلى نوعين من النقص في داخلنا: هي تضعف نزعتنا النرجسية وتدمر إيماننا بالحب. يسمح لنا الأخير بتحويل النقص إلى قوة. نحلم بحصول تكامل بين طرفَي العلاقة، لكن يأتي الانفصال ليضع حداً لهذه القناعة. أمام هذا الواقع المريع، يترسخ جرح نرجسي في داخلنا، فنفكر أننا كنا {كنزاً} قيّماً في حياة الطرف الآخر. سرعان ما نشعر بأننا بلا قيمة ويكون هذا التغيير في مستوى تقدير الذات مؤثراً لدرجة أنّ البعض يظن أن ما أصابه سيقتله لأن اختفاءه بنظر الحبيب يعني اختفاءه الفعلي من الحياة.هكذا تجتاحه أفكار عن الوحدة والموت. تشتق قناعته هذه من طفولته: يظن الطفل أنه سيموت حين يتركه والداه لساعات ويكون قلقه قوياً ويترسخ في لاوعيه. يجب أن يفهم هؤلاء الأشخاص أن غيابهم من حياة الحبيب السابق لا يعني انتهاء دورهم في الحياة وأن المعاناة التي يسببها الانفصال لا تتعلق بالوحدة. لا يعني الاشتياق للآخر بالضرورة العيش في وحدة تامة. لكن منذ الطفولة، يربط الناس بين مشاعر السعادة وبين المعاناة والوحدة التي قد يعيشونها. على سبيل المثال، يمكن أن تساعد الأم طفلها كي يطور قدرة على البقاء وحده وينمّي ثقته بنفسه لبناء شخصيته ويكتشف حياته الداخلية من خلال دعمه بصمت وانتباه، ومن دون التدخل في جميع شؤونه. حتى إن تجربة الانفصال الصعبة قد تكون في بعض الحالات الفرصة التي ينتظرها الشخص لاكتشاف حقيقة ذاته.الوحدة مصدر للراحةيجب الاستفادة من الوضع الجديد: بعد الانفصال، تكون الجروح حية وجديدة لذا تصعب رؤيتها على حقيقتها. إنه أمر مؤسف لأن هذه اللحظات تكون فريدة من نوعها وهي تسمح بالغوص في أعماق الذات. من خلال تجربة الانفصال، يمكن أن ننتفض على نفسنا ونجدد مسار حياتنا اليومية ويمكن إطلاق المرحلة الجديدة عبر خطوات بسيطة تسمح باستعادة معنى الحياة. حتى إننا قد نبدأ باتخاذ مواقف غير مألوفة. تسرد امرأة عمرها 51 عاماً تجربتها مع الانفصال قائلة: {بعد 13 سنة من الزواج وإنجاب ولدَين، انفصلتُ عن زوجي. كان الانفصال قاسياً جداً. في البداية، تأثرتُ بما حصل كثيراً وخسرتُ عشرة كيلوغرامات خلال ثلاثة أشهر وبدأتُ أدخن علبتين من السجائر في اليوم. كنت مضطرة إلى الاعتناء بولديّ والاهتمام بعملي ومعالجة ألمي ومداواة كبريائي المجروحة. لكني استفدتُ من مساعدة المقربين مني ونهضتُ من جديد. بعد مرور مرحلة الألم، شعرتُ بأنني وجدتُ نفسي بعدما أضعتُها. تجدد في داخلي شعور الراحة الذي كان ينتابني في مراهقتي حين أكون وحدي. ثم ذهبتُ في عطلة مع ولديّ. اكتشفتُ في داخلي مصادر قوة لم أكن أعرف بوجودها.خضتُ تجارب عاطفية لاحقة ولكني لم أتقبل أن يخبرني أحد بأنني محور حياته، وكنت أفضّل التهرّب من علاقات مماثلة}. اليوم، تعيش هذه المرأة وحدها لكنها تشعر بأنها محاطة بأشخاص يحبونها بفضل روابطها العائلية وصداقاتها القوية. تقول إنها مستعدة للحب مجدداً إذا اقتنعت بالعلاقة الجديدة.وفق الخبراء، الحب لا يجعل من الطرفين شخصاً واحداً، بل يجب أن يحافظ كل طرف على كيانه الخاص. يسهل أن نعتبر الانفصال سبب وحدتنا مع أن الحب يسمح لنا بإعادة اكتشاف معنى الوحدة الحقيقي مع مرور الوقت. باختصار، تشكّل الوحدة مصدراً للراحة والهدوء ولا داعي لتكون مصدر ألم لا يمكن تجاوزه.التعامل مع الألم العاطفي • تقبّل الألم: يرتبط هذا الوضع المؤلم بظرف معين ولا يجب أن يتحكم بمسار المستقبل. ولا تعني المعاناة أننا نكرة وبلا قيمة. قد يؤدي رد فعلنا في هذه الظروف إلى لحظات من الاكتئاب لكنها مرحلة ضرورية للعودة إلى الذات.• فهم حقيقة المعاناة: قد نشعر بأننا غرقنا في وحدة تامة لكنه رد فعل طبيعي في هذه الظروف: كان يصعب على الإنسان القديم أن يتدبر أموره وسط الطبيعة لأنه يشعر باقتراب الخطر منه حين يكون وحيداً.• تجديد الروابط: يمكن التحرك عبر إعادة تنشيط شبكة العلاقات والحياة الاجتماعية من خلال مقابلة الأصدقاء وأفراد العائلة والأشخاص الذين نثق بهم... بدل الانغلاق على الذات!• إيجاد نشاطات ممتعة: قد يسمح بعض النشاطات مثل سماع الموسيقى والتنزه في الطبيعة بفهم حقيقة العالم وقوة روابطنا مع الآخرين. بهذه الطريقة، سنشعر بالراحة والاكتفاء من دون الحاجة إلى شخص آخر.سلمى (42 عاماً)، أم لطفلين، عازبة منذ سنتين ونصف: {تعلّمتُ أن أتفاجأ}!{بعد 15 سنة من الزواج، غادرتُ منزلي من دون أن أحمل معي شيئاً من هناك. شعرتُ بأنني تحررتُ أخيراً. لكن خلال بضعة أيام، بدأت أشعر بفراغ كبير. لم أعد أسمع صراخ الأولاد ولم أعد مضطرة لتحضير وجبات الطعام أو القيام بواجباتي الاعتيادية... عشتُ لحظات من الوحدة الداخلية ورحت أتساءل: ماذا سأفعل الآن؟ كان يجب أن أبتكر حياة جديدة لي. تعلمتُ أن أتفاجأ باللحظات غير المتوقعة. من خلال مواجهة الذات، فهمتُ الأسباب التي جعلتني أشعر بالضياع في علاقتي الزوجية. بعد الانفصال، خضتُ بعض التجارب العاطفية لكنها كانت مخيبة للآمال في معظمها. كنت أحب مقابلة الحبيب لكني أقوم في الوقت نفسه بكل ما يلزم لتجنب اللقاء. لا شك في أنني ما زلت أحاول حماية نفسي لأن مخاوفي كثيرة!}.منى (40 عاماً)، عزباء منذ سنتين: {ماذا لو كنت غير مؤهلة للزواج؟}{الحياة الزوجية هي عبارة عن تنازلات من الطرفين وهي تتطلب مجهوداً كبيراً. لكني أشعر بأنني أفقد جزءاً مني حين أتنازل للطرف الآخر. منذ بضع سنوات، عشتُ علاقة حب قوية. كان الانفصال عن ذلك الرجل مؤلماً لكنه أنقذ حياتي في الوقت نفسه. كنت أشعر بالنقص بسبب هذه المشاعر الجياشة. اضطررت إلى تعلم العيش من جديد من دون ذلك {الإدمان} وبدأت أصغي إلى رغباتي وحاجاتي. تمكنتُ من استعادة السيطرة على حياتي بفضل دعم أصدقائي والمعالج النفسي. بعد ثلاث سنوات، قررت تغيير مكان إقامتي حيث تعرّفتُ إلى رجل حافظ كل منا على استقلاليته في العلاقة. لكن سرعان ما تحولت الاستقلالية إلى لامبالاة. ماذا لو كنت غير مؤهلة للزواج؟ أنا أنانية بطبعي ولا أحب مشاركة الآخرين في شيء أو إسداء خدمات لأحد. يعتبرني البعض غير ناضجة لكني لا أبحث عن علاقات عاطفية. أريد أن أعيش على طريقتي!}.